مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

مجتمع المقاومة في العهد التكنوتروني

آليات التحصين ومباني التأسيس العولمي

كثيراً ما طرحت على نفسي سؤالاً ما هو "مجتمع المقاومة"؟.. هل هو مجتمع حقيقي يتماهى مع باقي المجتمعات المفتوحة؟ أم هو أقرب إلى مجتمع "مجرد" متمعير في الذهن دون مصداق خارجي؟ هل هو متحيز في جغرافيا معينة؟ أم متمرد على قانون التربة متماهي مع قانون الفكرة؟ هل هو ذلك الامتداد الاجتماعي الذي تترعرع فيه المقاومة؟ أم مجرد ترفع لفظي لاحتواء الأفكار المضادة للمقاومة والموجودة على الأرض فعلاً؟ هي أسئلة كثيرة تتناسل مولدة إخوتها دون كبير جواب يغلقها، أو حتى يقطع الطريق أمامها.

وفي مقام البحث سنحاول تجاوز سقف الإشكال التشخيصي لبحثه كما لو أنه موجود اجتماعي أصيل، له نفس مفاتيح باقي المجتمعات، لنخصص (المبحث الأول) لمناقشة ميزات هذا المجتمع بشكل معياري، قبل أن ندخل إلى تفاصيل آليات تحصينه من جهة دخال ميكانيزما المدخلات والمخرجات الاجتماعية (المبحث الثاني) فالانتقال إلى الرؤية الكليانية التي تساعد في التحصين (المبحث الثالث).

المبحث الأول: ماهية مجتمع المقاومة ومدياته..

عمد الشيخ المطهري إلى بحث إشكالية المجتمع هل هو موجود أصيل أم موجود اعتباري لا حقيقة خارجية له، فأظهر بأن مجمل النظريات التي اهتمت بهذا التساؤل لم تخرج عن أربعة احتمالات. "المجتمع ليس إلا مجموعة من الأفراد. فلولا الأفراد لم يتحقق المجتمع. ولا بد من التحقيق عن كيفية هذا التركيب والعلاقة بين الفرد والمجتمع لإجابة عن السؤال. وبهذا الصدد يمكن إبراز عدة نظريات:

أ– أن تركيب المجتمع من الأفراد تركيب اعتباري وليس واقعيا. فالمركب الواقعي إنما يتحقق إذا كانت هناك مجموعة من الأمور تؤثر كل منها في الآخر وتتأثر كل منها من الآخر، ويتولد من هذا التأثير والتأثر والتفاعل حادث جديد له مميزاته وخصائصه كما نجد ذلك في التركيبات الكيماوية...

وهذه الميزة ليست في تركيب المجتمع من الأفراد، لا يندمجون مع بعض في كل هو المجتمع، إذن فالمجتمع ليس له وجود أصيل عيني حقيقي، بل وجوده اعتباري وانتزاعي، فالأصيل هنا هو الفرد. وحياة الإنسان في المجتمع وإن كانت حياة اجتماعية إلا أن الأفراد لا يشكلون مع بعض مركباً حقيقياً بعنوان المجتمع.

ب– أن المجتمع وإن لم يكن مركباً حقيقياً على غرار المركبات الطبيعية إلا أنه مركب صناعي وهو أيضاً من قبيل المركبات الحقيقية... فالأجزاء لا تفقد هويتها ولكن لا تستقل في التأثير فهي مترابطة بوجه خاص وآثارها أيضاً مترابطة، إلا أن ما يبرز من أثر المجموع ليس هو بعينه مجموع آثار الأجزاء كلا على حدة.

ج– أن المجتمع مركب حقيقي من نوع المركبات الطبيعية إلا أنه يتركب من النفسيات والأفكار والعواطف والميول والإرادات دون الأجسام والظواهر فهو تركيب من الثقافات كما أن العناصر، والأجزاء تستمر في وجودها ولكن بصورة جديدة وماهية حادثة، كذلك أفراد الإنسان يدخلون في نطاق المجتمع وكل منهم يحمل مواهبه الطرية وثروته المكتسبة من الطبيعة، ثم يندمجون مع بعض بنفوسهم ونفسياتهم وتتحقق نفس جديدة يعبر عنها بالروح الجماعية، فهذا التركيب تركيب طبيعي أيضا ولكنه لا يشبه شيئاً من التركيبات الطبيعية الأخرى المادية بالتفاعل مع بعض تمهد الطريق لحدوث ظاهرة جديدة، وبالعبارة الفلسفية أجزاء المادة بالفعل والانفعال والكسر والانكسار، فيما بينها تستعد لقبول صورة جديدة ويحدث المركب الجديد

د– أن تركيب المجتمع تركيب حقيقي فوق التركيبات الطبيعية فإن الأجزاء في المركب الطبيعي لها ذوات وآثار حقيقية قبل التركيب، وإنما تمهد الطريق لتحقق ظاهرة جديدة بالتفاعل والتأثير والتأثر فيما بينها. ولكن الإنسان قبل أن يندرج في سلك المجتمع ليست له هوية إنسانية، بل هو استعداد محض له قابلية التلبس بالروح الجماعية(1).

وبعد عرضه لهذه النظريات الأربع نجد الشيخ يميل إلى تبني النظرية الثالثة القائلة بأصالة الفرد وأصالة المجتمع على السواء، مصرحاً "والآيات القرآنية الكريمة تؤيد النظرية الثالثة، ولقد سبق منا القول بأن القرآن لم يذكر هذه المسائل في إطار البحث العلمي أو الفلسفي وإنما يذكرها بوجه آخر، والذي يستنبط من الدراسة القرآنية للمسائل الاجتماعية هو تأييد النظرية الثالثة. فالقرآن يرى للأمم (المجتمعات) مصيراً مشتركاً، وصحيفة أعمال مشتركة، ويرى للأمة إدراكاً وشعوراً وعملاً وإطاعة وعصياناً. ومن الواضح أن الأمة لو لم تكن موجودة بوجود عيني حقيقي لم يصح افتراض المصير والفهم والشعور والطاعة والعصيان لها. وهذا يدل على القرآن يؤيد وجود نوع من الحياة للمجتمع هي الحياة الاجتماعية، فالحياة الاجتماعية ليست مجرد تمثيل واستعارة بل هي حقيقة واقعية، كما أن الموت الاجتماعي حقيقة بدوره أيضاً"(2). محتجاً بمجموعة من الآيات القرآنية الكريمة كالآية 34 من سورة الأعراف ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، والآية الكريمة 28 من سورة الجاثية ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها﴾، فالروح الجماعية هي التي تشكل اللحمة العقلية للقول بالأصالة للمجتمع. 

وواقعاً مفهوم الروح الجماعية وإن كان لا يخلو من رؤية متعالية، إلا أنه يتحرك ضمن تفاصيل فيزيقية تتوافق مع دائرة الرابطة الاجتماعية التي صاغها السيسيولوجي الفرنسي إميل دوركهايم، والتي لا تتركز من أساسها إلا على أساس أخلاقي وقيمي.

فالروح الجماعية التي تؤدي إلى القول بأصالة المجتمع، هي نفسها ميكانيزم الرابطة التي يحدث ثمة توافق حولها بين أفراد المجتمع، بمعنى أنها إرادية لا إكراهية وإلا فإن أي مجتمع يمكن أن ينهار في غياب هذه الرابطة، صحيح أنه قد يتم قمع الإرادات الاجتماعية بترسانة قانونية وسياسية معينة، إلا أنه لا يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى بناء مجتمع سليم، بقدر ما هو أقرب إلى تدبير أزمة اجتماعية محتقنة، سريعاً ما تتكشف بانهيار النواة الصلبة للهرم السلطوي.

فإذا ما تطرقنا إلى سقف موضوع البحث أي مجتمع المقاومة فسوف نخرج بمميزين كبيرين:

- المميز الأول أن مجتمع المقاومة من جهة أنه قائم على تكميم لأفراد يفترض بأن إرادتهم توافقت على العيش ضمنه، فإنه يتحوز روح جماعية فرعية في قلب روح جماعية عامة هي عين المجتمع اللبناني.

- المميز الثاني هو أنه مجتمع قائم على تحدي مواجهة التهديدات الاستعمارية والاستعلائية الراغبة في النيل منه، مما دفعه إلى أن يلملم تفاصيل "مجتمع المخاطر" إلى بنيته الأساس كما طرحها السيسيولوجي الألماني أورليش بك، أي مجتمع قائم على وعي مخاطري أساسي يجعله يتخذ مجموعة من الاجراءات الوجودية مختلفة تماماً عن بنية المجتمع الصناعي أو ما بعد الصناعي، وواقعاً فإن مجتمع المقاومة عندما ينظر جنوبا يرى عدواً متربصاً به، وعندما ينظر شرقاً يرى مجموعات إرهابية تستهدفه في الأراضي السورية، وعندما ينظر جوانيا في المجتمع اللبناني يكتشف بأن ثمة تيارات سياسية تستهدفه كما لو أنها ذراع لسياسات خارجية عدائية.  

فالروح الجماعية هي التي تشكل اللحمة العقلية للقول بالأصالة للمجتمع، وطبعاً بهكذا تصور نكون أمام مقتضى عقلي جديد يؤدي بالضرورة إلى القول بالأصالة للجهاز العلوي الذي يقوم بتدبير هذه الروح الجماعية.

وما دامت هي غير متجلية في الإرادة الإنسانية بوصفها جهازاً تنظيمياً فإنها ستكون محكومة بمدار العقل لأنها منفتحة على كل التمثلات الاجتماعية غير متقيدة بها. فتأتي أصالتها بالضرورة من جهة أخذها بمجال الروح الجماعية وضبطها. ليقوم الكائن التنظيمي كموجود متشخص مرتفع عن الإنسان الطبيعي وكذا المجتمع على حد سواء، يقول الملا صدرا بخصوص التشخص على أنه عندما "عبر (الإنسان) عن اعتقاده بأن مرجع الضمير "أنا" يعد أساس التشخص. ويرى أن الإنسان حينما يدرك ذاته، فلا يقوم هناك احتمال الاشتراك فيها. ويعد إدراك "الذات" هذا عين الذات المشخصة"(3).  فإن الكائن التنظيمي عندما يحدد الروح الجماعية التي يشتغل على ضبطها فإنه يرتفع إلى مقام التشخص الذي يميزه عن غيره من الكائنات التنظيمية.  لأنه يظل الروح الجماعية المتمثلة في الإيديولوجية الضابطة للمشهد الاجتماعي، لا متحقق في آليات تدبير الفضاء العمومي والتي قد تتقاطع مع غيرها من المؤسسات المقارنة.

إن مجتمع المقاومة يستجمع حقيقتين قائمتي الذات، لكن تعيش حالةً وجوديةً استثنائية، وتراتبية في الأولويات. فهو مجتمع جزئي من جهة سقف الاجتماع الوطني العريض يحمل نفس المؤثرات والتأثرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الوطنية، وهو من جهة أخرى مجتمع متكامل الذات في سقف ميزته "المقاومة" والتي تتحرك أيضا ضمن مؤثرات اجتماعية واقتصادية وسياسية بصفتها تلك، والتي ترتكز على بنية فكرية مقاومة قد تتقاطع أو تتناقض مع باقي المكونات الاجتماعية الوطنية. ما يجعل منه مركباً اجتماعياً مضافاً إلى تركيب اجتماعي أساسي الذي يتشكل منه المجتمع اللبناني. وهو من حيث هذه الميزة يضيف مطالب اجتماعية جديدة تُضاف إلى غيرها من المطالب الاجتماعية المشتركة، ويحمل انتظاراً يتقاطع في جانب مع المجتمع الكبير وأخرى تتمايز عنها بالضرورة، لوقوع المائز في البين.

يقول سماحة الشيخ نعيم قاسم بهذا الصدد "إن المقاومة بالنسبة لنا، هي رؤية اجتماعية بكل أبعادها، فهي مقاومة عسكرية، وثقافية، وسياسية، وإعلامية، هي مقاومة الشعب والمجاهدين. هي مقاومة الحاكم والأمة، ومقاومة الضمير الحر في أي موقع كان، ولذلك كنا ندعو دائما لبناء مجتمع المقاومة ولم نقبل يوماً بمجموعة المقاومة، لأن مجتمع المقاومة يحمل الاستمرارية"(4).

فحزب الله سعى إلى خلق مجتمع المقاومة مستفيداً من تجارب السابقين والمرتبط بخط الأنبياء والمرسلين، ليتحول إلى مجتمعٍ "مستمر" يقاوم على جميع المستويات الإنسانية، مجتمع مركب أصيل له نفس أصالة المجتمع الكبير.

ولهذا فله مداخل مطلبية أساسية ومداخل مطلبية فرعية تحتاج إلى مخرجات تتوافق مع السقف المطلبي، ذلك أن صناعة سياسة ناجحة ولو وفق السقف المنظومي تستلزم تطابقاً بين مدخلات المجتمعات السياسية ومخرجات القرارات السياسية التي يجب أن تتوافق معها لكي تحافظ على منسوب الرضا العام والمقبولية الاجتماعية بوصفها هي الحاضنة الاجتماعية للمقاومة.

والصعوبة المحورية التي يمكن أن يمر بها صناع القرار السياسي وصناع القرار الحقوقي، هي معضلة التحكم في المدخلات وتدوير المطالب الاجتماعية بشكل يسمح بالاستمرارية ليس فقط للمجتمع المقاوم بل أيضاً للتمثلات المقاومة التي تشكل عنواناً كبيراً له.

وبما أن المجتمع المقاوم هو مركب أصيل في قلب مركب أصيل آخر هو المجتمع الكبير، فإنه يكون أمام صناع القرار السياسي وصناع القرار الحقوقي التنظيميان، تحدياً أساسياً في ضبط التراتبيات المدخلية للوصول إلى التحكم في التراتبيات المخرجية، دون أن يقع مساس بدائرة "المواطنة" حتى لا يؤدي الأمر إلى نشوء كانتونات سياسية في قلب المجتمع الكبير، ولا أن يتم المساس بدائرة "العضوية" في قلب مجتمع المقاومة.

ما يجعل من شبكة علاقاته مع المحيط الاجتماعي الوطني والدولي، تتسع وتتعقد إلى درجات عليا، قد لا تتطابق مع غيره من المجتمعات، وهذا مرجوعه لاعتبارين أساسيين، أنه مجتمع تفصيلي واع بذاته، كما أنه مجتمع تفصيلي واع بمحيطه.

فعندما تم العمل على بناء وعي اجتماعي بحجم المخاطر التي تحدق بالمجتمع وبشبكة علاقاته، وخصوصاً في ظرفية احتلال صهيوني للأراضي اللبنانية، تم التركيز على مفصلين أساسيين، المفصل الأول هوياتي ديناميكي بطبيعته، والمفصل الثاني رفع منسوب المتابعة لحركة المحيط الداخلي والخارجي على حد سواء.

فمن حيث التأكيد على البنية الفكرية الحركية للمذهب الإمامي الإثنى عشري في إطار مدرسة ولاية الفقيه المطلقة، تم تمرير مجموعة من البنى الفكرية العقائدية ودينامية حركيتها في أرض الواقع.

حيث لم يعد مسموحاً تأصيل الاعتقاد والاكتفاء بالسقف الإيماني بعيداً عن الفعل الإيجابي في الواقع الخارجي، بل أنه بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، ودخول المنظومة الفكرية العقائدية حيز النفاذ إلى الفضاء العمومي بمختلف تفاصيله، تأثيراً وتأثراً، جعلت من أنموذج حضاري إمامي يتجسد على الأرض مجدداً ليشكل "بوصلة" فكرية تتحرك أمام تعقيدات الواقع الخارجي.

وبالفعل التقطت المقاومة الإسلامية اللبنانية هذا الأنموذج وسعت إلى تفعيله وفق مقاييس لبنانية تتلاءم مع الطابع التعددي للدولة، مهندسة المشهد المحلي بالتمثل المصغر للتجربة الإسلامية الإيرانية.

مما فتح كوة لعلاقات جديدة مع المحيط الدولي في فترة مبكرة، ترعرعت مع أنموذج حزب الله في لبنان، نقل الحاضنة الطبيعية للمقاومة إلى سقف تداولي في الوعي يحمل كل المعطيات الآتية من المحيط الكبير، وطبعاً أمام تعقد شبكة العلاقات تعقدت المخرجات الاجتماعية لتولد إطاراً مفاهيمياً خاصاً تم توصيفه بـ"مجتمع المقاومة".

إذاً، هكذا مجتمع لم يولد من حجم تشكلاته العضوية والفكرية وحسب، بقدر ما تولد من حجم التحديات المحيطة به وآلية التصدي لهكذا تحديات، ما رفع منسوب الوعي الاجتماعي إلى أقصاه.

لتضحي ثمة تداولية خاصة في الفعل الاجتماعي ترتسم على الأرض، تسمح بحركة انسيابية خاصة ليس مرجوعها إلى تراتبيات اجتماعية ولا إلى تقطيع شرائحي، بقدر ما صارت الحركة مرتهنة إلى معامل القرب أو البعد من الوعي الكلي المقاوم، وفي هكذا مجتمع يصير التوضيب الآلي ممتنعاً، لأنه يتوافق في خصائصه العليا مع دينامية المجتمعات الصناعية الموسومة بالانفتاح.

حيث إن الخطاب السياسي الفوقي يجب أن يتماهى مع أصل البنية السلوكية الاجتماعية، دونما جنبة إكراه أو انسداد يقول سماحة الشيخ نعيم قاسم " هذا الأداء في الخطاب السياسي يعمم موقف الحزب، ويثقف جمهوره بمبرراته وأبعاده، ويحقق المصداقية العملية التي تظهر تباعا من خلال التطورات. فالمناصرون فضلا عن الأعداء يصدقون ما تقوله قيادة حزب الله لأنها عودت الناس على الصدق في الخطاب"(5).

فمعامل الاقتناع والتواصل السليم مع مجتمع المقاومة هما القاعدتان الآليتان المعتمدتان سواء في بنائه أو في سيرورته، ما يجعله يتوافق مع الدائرة المفتوحة للمجتمع، حيث يغيب الإكراه ومنطق التعليمات الدوغمائية التي تتوصف بها المجتمعات المغلقة.

ومن هنا حساسية الموضوع، ذلك أن مجتمع المقاومة بوصفه مجتمعاً جزئياً مفتوحاً داخل مجتمع كلي دولتي مفتوح، يعرف تركيباً في الانفتاح، تؤدي بنا إلى توصيفه بأنه مجتمع "سوبر مفتوح" يتحرك بمنطقِ قرارٍ موحد شكلاً لكن مختلف مضموناً في قلب فضائه الوطني، إلا أن منطق بناء القرار الاجتماعي أو لنقل الفعل الاجتماعي الذي يتحرك على الأرض يظل واحداً، بمعزلٍ عن تداخل التصورات المؤيدة والمعارضة في بعض التفاصيل الاجتماعية، والتي يمكن أن تؤثر سلباً على الحاضنة الطبيعية للمقاومة.

ومن هنا تنفتح إمكانية اختراقه من داخل الدائرة الموسعة إلى قلب الدائرة الضيقة، فمجتمع المقاومة بما هو تشكل اجتماعي مائز يحافظ على انسجامه الداخلي دون أن يبحث عن توسيع التأثير الاجتماعي في غيره من التمثلات الاجتماعية الدولتية، فيتحول إلى مجتمع مغلق معياريا على هذا المستوى، لكن المجتمع الدولتي الموسع لا يستطيع أن يتحرك إلا باستبطان كل التمثلات الاجتماعية الدولتية ليتحول إلى مجتمع مفتوح معياريا على هذا المستوى.

فالمعضلة الأساسية أن مجتمع المقاومة مجتمع مفتوح داخلياً مفتوح على محيطه أيضاً، لكن إغلاقه يعني دائرة "الوعي المقاوم" وحدها، دون غيرها من أبواب "الوعي الاقتصادي" أو "الوعي السياسي" أو "الوعي الاجتماعي" التي تظل عبارة عن بوابات مفتوحة دائماً. ما يؤدي إلى تيسر تأثير المجتمع الدولتي في قلب المجتمع المقاوم، دون أن يعمد هذا الأخير إلى الانفتاح الهوياتي الداخلي على أصل المجتمع الدولتي، فأقصى ما يحرص عليه هو الحفاظ على نبرة حوار اجتماعي هادئ.

فمجتمع المقاومة يضطر إلى بناء شبكة علاقات محسوبة على أساس الخيار العقلاني الذاتي الفردي، ويناضل من أجل أن يوقف حركة التأثير السلبي على أصل مجتمعه، لكن هذه العملية السياسية قد تعاني من مطبات توافقية كثيرة، قد لا تقدم خدمة على المدى البعيد لمعامل "التحصين" المرجو أو الفعال.

فالتداخلات الاجتماعية الكبيرة تظل متحركة بانسيابية، قد يقف البناء السلوكي المقاوم أمامها على المستوى التشخيصي لكن أبداً لن يعرقل مسيرتها الاجتماعية، وهي بطبيعتها تتحرك خارج سياج القرارات السياسية أو التدابير الكبرى للمجتمع الصغير، ما يجعلها تملك إمكانية ممارسة عملية " كي الوعي" بشكل هادئ ومضطرد في الآن نفسه، يحدث تغيرات جوهرية في المدى البعيد.

طبعاً هذه التداخلات ليست قانوناً كونياً يتعذر مواجهته إلا بمعاجز، بقدر ما هي ثمار تشكلات اجتماعية مختلفة تتحرك في بيئاتها الخاصة، وترسم معالم أولويات تجد لنفسها قنوات رسمية تقوم بتطويعها إلى أن تتحول إلى ثقافة اجتماعية كبيرة، تبحث عن الهيمنة في قلب الهويات التحتية المختلفة عنها.

ومن هنا يقوم أمام الجهاز التنظيمي المقاوم تحدي أساسي، ألا وهو تحويل الهوية المقاومة إلى ثقافة استراتيجية، تتأصل على تليين المغاير وتصليب المشترك. ليتيسر له التحول من مجتمع مقاوم صغير ذي تفصيل انغلاقي على مستوى الوعي المقاوم، إلى مجتمع دولتي ذي تفصيل انغلاقي على نفس المستوى.

تلعب الثقافة الاستراتيجية دور العماد الإيديولوجي لكل تصور حراكي في أشياء العالم يراد له موطئ قدم في المشاريع العالمية غفلا على أن يتعلق الأمر بدولة أو منظمة، فوضع ثقافة استراتيجية مسألة محورية لا يستهان بها نهائيا.

وانطلاقاً من هذه المقدمة التي لا تحتاج إلى إثبات لأن محصلتها الثبوتية عالية التعقلن وأقوى من أي استدلال خارجي، سنعمل على مطارحة فكرية من أجل ثقافة استراتيجية مقاومة تتحرك في رحم الجغرافيا المعادية دون استناد إلى البعد القيمي أو الديني وحتى، بل ما سنسعى إليه هو جهد عقلاني أنثروبولوجي إلى أقصى الحدود، وبهكذا مجهود يتيسر خلق فاعلية تواصلية أقوى، لأن مدارها سقف تأنسني لا يُدخِل الدين إلا بالقدر التشاركي الأعلى دون انغلاق مذهبي يضيق دائرة القبول والتعاطف.

الوجه الأصح للإحاطة بمعنى الثقافة الاستراتيجية هو أنها "المجموع الكلي للأفكار والاستجابات العاطفية المشروطة، وأنماط السلوك المعتاد التي اكتسبها أعضاء المجتمع الاستراتيجي القومي عبر التعليم أو التقليد ويشتركون بها جميعا فيما يتصل بالاستراتيجية. في ميدان الاستراتيجية السلوك المعتاد هو غالبا سلوك حس إدراكي"(6). فمن خلال هذا التعريف وإن كان يحمل نقائص، إلا أنه إجرائياً يظل هاماً من جهة التركيز على:

1ـ المجموع الكلي للأفكار

2ـ الاستجابات العاطفية المشروطة

3ـ أنماط السلوك المعتاد (الحس الإدراكي).

فالمجموع الكلي للأفكار هو ذلك الوعاء النظري الذي يملأ بالتصورات الاستراتيجية من جهة الإحاطة لمجمل جوانب "الثقافة" ومن جهة "الجانب الاستراتيجي" من مقاربة أمنية وعسكرية وسياسية، وهي بهذا تعتبر "محددة الملامح تسلك سلوكاً معيناً كشركة مهيمنة مالكة لعدد من الثقافات الثانوية العسكرية وأخرى ذات صلة"(7).

وحيث أن الثقافة هي من المفاهيم الغير المحددة المعالم فإنها تتسع لكل "الأفكار والطقوس والسلوكيات الاجتماعية" المحددة لجانب اجتماعي ما.

والاستجابات العاطفية المشروطة هي تلك الآثار النفسية التي تحدث للمرء نتيجة وقوفه أمام الوقائع الكبرى، وكيفية انفعاله في وجودها، والآمال التي يبنيها على ضوء هذه الوقائع والأفكار التي ترسم معالم مستقبله الاستراتيجي.

أما أنماط السلوك المعتاد فتهم جانب العقل الجمعي لما يجري في المحيط الإقليمي والعالمي على السواء. وإذا ما ركزنا على هذا الجانب دون مزيد من التوسع في المضامين فإننا نرى بأن الثقافة الاستراتيجية للمقاومة تظل مسألة محورية، ويجب أن تستجيب لثلاث المكونات وبشكل متوازي.

فالاقتراب من النسيج الاجتماعي يستلزم تحويل "المقاومة" إلى سلوك حياة لا إلى وجود تعيني في مواجهة الكيان الصهيوني وحسب، بل توسيع دائرته لتشمل كل الموجودات العدائية. 

هذا من الجهة الأولى أما من الجهة الثانية، فإن حزب الله يتحرك على ثلاثة مستويات. فعلى أساس وضعه الجغرافي العربي يتواصل مع الخط القومي وعلى أساس هويته الإسلامية يتواصل مع الخط الإسلامي، وعلى أساس لبنانيته يتحرك تحت سقف المواطنة، وكل الخطوط تظل منقوصة بنيويا.

 لأن الخط القومي يعرف اختلافات إيديولوجية من ماركسية إلى ليبرالية إلى اشتراكية وحجم الفعل التواصلي مهما تعالى بين حزب الله وهذه التمثلات فإنه لن يصل إلى مستوى الاندماج الاستراتيجي الكامل، بل سيظل دائماً ضحية توافقات سياسية. 

 أما على مستوى الخط الإسلامي فنظراً لهوية حزب الله الإمامية الإثنى عشرية ستظل محدودة بشكل كبير، نظراً للأزمات التاريخية التي عرفتها الفرق الإسلامية مما يجعل من التقاطع لا يتجاوز سنخ التقاطع مع التيار القومي، والأكيد أنه للتضييق على دائرة تأثير حزب الله اللبناني يتم جعل الطائفية مفصلاً انتمائياً في استقراء الأولويات.

أما على مستوى المواطنة فالحزب يضطر إلى تنزيل سقف تصوراته لتتوافق ولو مرحليا مع غيره من التمثلات السياسية للحفاظ على جو تعايشي مناسب(8).

وطبعاً المجهود على أهميته يظل ناقصاً جداً لأن التقطيع الترابي للعلاقة لن يساعد في تدوير فكر الممانعة والمقاومة في أوسع دائرة ممكنة، وتظل هوية حزب الله البنائية والتي لا تقبل مراجعة - عن حق - عائقاً بنائياً في رفع مستوى المقاومة والممانعة إلى السقف الوجودي الضروري.

فالمقاومة بما هي وجود فكري وفيزيقي في نفس الآن تظل داخلةً بمجمل التجليات الوجودية المعادية، بمعنى أن الأرضية الاستعدائية ليست بجغرافية مكان بقدر ما هي جغرافية فكر، ولا يتناسب الاستمرار في الوجود المقاوم بدون لعبة تنظيرية تشتغل على أدوات أنطولوجية عالية الجودة تضمن لها ليس فقط تعضيد وجودها وحسب، بل وإثارة تغيرات فكرية في الوجودات الأخرى.

وهذه الأدوات الأنطولوجية لا تتجاوز مبنيين أساسيين إذا تهاتر أحدهما تداعى الثاني ولو إلى حين، في أفق خلق عملية "اعتراف" أساسي، وهذه الأدوات التي نرى لزومها لتصريف الفكر المقاوم في مجمل الجغرافيات، هي أولاً آلية الوعي المثالي، والثانية هي الاقتدار النظري في القضايا الكبرى. وكل هذه الآليات تمهّد الطريق لصراع الاعتراف كما يتحدد فلسفياً.

كما أنها تساعد في رسم منظومة فكرية موحدة خارج التميز الإيديولوجي، وهذا عين ما أسميناه بـ"تليين" المختلف، وتصليب المشترك العقلاني(9).

فدائرة التأثير تخرج من داخل المجتمع الجزئي لتتحرك بفاعلية في داخل المجتمع الكلي، لتساعد في هندسة الفعل الاقتصادي والفعل السياسي والفعل الاجتماعي داخله بالذات، حتى نكون أمام حركة جدلية ولسنا أمام حركة اتجاه واحد من الخارج إلى الداخل وحسب.

طبعاً النضال بمجمل أشكاله يمكن أن يساعد في هذه الاستراتيجية لكنه لن يكون هو مضمونها، بقدر ما يكون حاملاً لثقافة استراتيجية جديدة تتوافق مع أرضية الحراك التي يناضل داخلها، والأهم من ذلك تتوافق مع خطوات تحصين المجتمع الجزئي من سيولة التأثيرات.

هوامش:  

1- الشيخ مرتضى مطهري: المجتمع والتاريخ، من الصفحة 24 إلى الصفحة 27 بتصرف.

2- الشيخ مرتضى مطهري: م.س، الصفحتان 29 و30.

3- غلام حسين إبراهيم ديناني: حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي الجزء الثاني، دار الهادي الطبعة الأولى 2001 الصفحة 357.

4- الشيخ نعيم قاسم: مجتمع المقاومة – إرادة الشهادة وصناعة الانتصار، منشور عن معهد المعارف الحكمية للدراسات الفلسفية والدينية، الطبعة الأولى سنة 2008، الصفحة الثامنة.

5- الشيخ نعيم قاسم: ن.م الصفحة 95.

6- كولن إس غري: بعد الشتات ـ آن أوان الثقافة الاستراتيجية ضمن كتاب مقالات في الثقافة الاستراتيجية، ترجمة هناء خليف غني، الناشر بيت الحكمة سنة 2011، الصفحة 102.

7- كولن إس غري: ن.م الصفحة 111.

8- وهذا يظل ناضحا في الفارق التصوري بين الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين والوثيقة الإيديولوجية الأخيرة.

9- لمزيد من التوسع بخصوص هذه النقطة بالذات المرجو الرجوع إلى بحث " المقاومة وتدبير المتوحد " المنشور بموقع شاهد نيوز.

                                                                                   عبد العالي العبدوني*

باحث من المغرب* 

إخترنا لكم من العدد