مجلة البلاد الإلكترونية

الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن فرض حرب على إيران

العدد رقم 189 التاريخ: 2019-07-19

مجتمع المقاومة في العهد التكنوتروني آليات تحصين مجتمع المقاومة دولتياً..  (المبحث الثالث)

عرفت المائة سنة الأخيرة تحولاً أساسياً في ديناميات تكون المجتمعات وسيرورتها وكذا صيرورتها، بعد دخول التكنولوجيا على خط البناء الأساسي للحياة الاجتماعية، مما أدى إلى وقوع تفكك قد لا يتوافق مع الأطر التاريخية. 

فأمام هذه المتغيرات لم يعد الضبط بما هو آلية قهرية فعالاً، ولا أضحى من الممكن التحكم في تسييل المعلومات الموجبة دون غيرها السالبة، وهو انفتاح كلي جعل المجتمع ـ أي مجتمع ـ يقف أمامه بمقتضى طاقاته الذاتية، وقدرة مناعته الخلاقة على حسن التدبر فيه وتدبيره في نفس الآن.

ووقع اختيارنا على العهد التكنوتروني – على الرغم من أننا على مشارف عهد رقمي جديد – لاعتبارين، أولهما أن هذا العهد لا زال فعالاً ومستمراً ولو في رحم العهد الرقمي الجديد، ثانيهما أنه مالك لناصية التدبير الواقعي فعلياً، لأن العهد الرقمي يفتح مجالاً تواصلياً فعالاً، لكنه لا يملك الكلمة على الأرض فعلياً.

فالتسارع التكنولوجي أدى إلى التأثير على مرحلة تاريخية كاملة، حيث جعل الترابط بين الأمم والمجتمعات يتم بسرعة فاقت كل التصورات، لتجعل ما يحدث في منطقة ما، تتابعه منطقة جغرافية تبعد عنه بآلاف الأميال دقيقة بدقيقة، ما أدى إلى إعادة هندسة سياسة الفعل والانفعال، في كل الشبكات الاجتماعية، وأضحينا أمام مفارقة غريبة وهي أنه في نفس اللحظة التوحدية عالمياً من جهة متابعة الأحداث، أضحينا أمام مفارقة الانشطار الذري في نفس هذا العالم.

يقول زبيغنيو بريجنسكي "تكمن المفارقة في عصرنا الحالي أن البشرية أصبحت في وقت واحد أكثر توحداً وأكثر تجزؤاً، وهذا هو التوجه الرئيس للتغيير المعاصر، الزمان والمكان أضحى مضغوطاً إلى درجة أن السياسة العالمية تعبر عن ميل أساسي نحو الكبر، ووسائل متشابكة للتعاون، والقضاء على الولاءات المؤسساتية والإيديولوجية، في حين أن أصبحت الإنسانية أكثر تجزءاً وحميمية مع مميزاتها ليصير التوتر البيني هو الغالب"(1)، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كبير استدلال لأن معاينة الأوضاع العالمية يؤكد ارتفاع منسوب الهوية بمختلف مفاصلها وتجلياتها لتحديد ديناميات الحركات الاجتماعية.

وإذا ما جعلنا هذه الضابطة قائمة بيننا وبين القارئ، فإننا نكون في مجتمع المقاومة أمام حالة هوية خاصة، تتوافق مع المد من الهويات الذي غزا العالم، إلا أن خصائصها متحيزة خارج الأطر العامة والمتعارف عليها من إثنية ودينية وحتى مذهبية، بل هي أقرب إلى تأصيل معرفي مضاد يقف على خط التناقض مع المد العولمي، تناطحه في سقف الوجود الإيديولوجي وحسب.

لكنها وكأي تمثل فيزيقي لإيديولوجية، تستعين بأدوات عملانية لتصريف تصوراتها، سواء على حد القتال أو على حد التدبير السياسي للفضاء العمومي الذي توجد في إطاره.

وبما أن مبتغى بحثنا هو تحصين مجتمع المقاومة، فإننا سنكتفي ببحث الجانب الثاني من الموضوع، والمتعلق بتدبير الفضاء العمومي (أو المجال العام)، بشكل يجعل هكذا مجتمع محصن من الحراك العولمي الناقض له بالضرورة.

مجال واحد وثلاث طبقات

سبق أن أوضحنا بأن مجتمع المقاومة هو مجتمع جزئي داخل مجتمع كلي دولتي، وهذا الأخير جزئي داخل مجتمع كلي عالمي، ولكل هذه المجتمعات حركة سيرها، وتعرف انسيابا في الانفعال بحسب دائرتها، وكذا بحسب قدرتها في الفعالية بخصوص ما يعلوها من طبقة اجتماعية كلية(2).

لذلك سوف نستعين بإطار مفاهيمي – ليس حاكماً ولا مانعاً لغيره من الأطر المفاهيمية – قائم على تدوير الهرم المعرفي، وفق المجالات التي يتناسب له التحرك بها.

إلا أننا ابتداءً نرى من المناسب الشروع بتحديد الطبقات وكيفية التعامل لتحصين مجتمع المقاومة، والتي حددناها في ثلاث عائدة إلى مساحة كل مجتمع، على أن نكتفي في هذه الورقة بحث الطبقة الأولى وهي طبقة مجتمع المقاومة بوصفها مجتمعاً جزئياً دولتياً، وطبقة مجتمع الوطن بوصفه مجتمع كلي دولتي، ونرجئ بحث الطبقة الثالثة إلى ورقة مستقلة لما فيها من تداخلات وتعقيدات كثيرة. 

الطبقة الأولى: مجتمع المقاومة بما هو.. هو

في هرمية التدبير دائماً ما يتم وضع القاعدة الشعبية ضمن قاعدة الهرم، على أن يعرف ذلك تطابقاً في الأدوار لينتهي بنا الدور إلى رأس الهرم، حيث يقف التنظيم المقاوم بما هو تنظيم أساسي يعمد إلى السيطرة والتنفيذ لرغبات القاعدة الاجتماعية.

هذا هو الهرم الاجتماعي المتعارف عليه في المدارس الاجتماعية والسياسية بمختلف أشكالها.

إلا أنه في حالة مجتمع المقاومة، لا يمكن الحديث عن معامل سيطرة أو تنفيذ خارج دائرة "القوة الاجتماعية القاعدية" التي هي تحدد من يمثلها في الفضاء العمومي الخاص بها، ما يضطر التنظيم أن يتحرك كما الأحزاب السياسية، يحاول أن يقنع هذه القاعدة الاجتماعية بمحورية دوره لتحقيق مطالبها. فيكون ليس واقعاً في رأس الهرم بالضرورة بل في وسطه، لأنه يتحرك كما أي تمثل سياسي تواصلي مع غيره من التمثلات السياسية لبناء جهاز أساسي حاكم له الأثر الفاعل في داخل مجتمع المقاومة(3).

وهنا المعضلة الأساسية حيثُ أن هذا التنظيم المقاوم لا يحمل أكثر من دور شريك إلى باقي التمثلات السياسية داخل نفس المجتمع، ما يجعل من القاعدة الاجتماعية هي الباتة في داخل جغرافيتها. 

ولمثل هكذا وضع، نتيجتان أساسيتان، أولاهما أنها تسمح بحركة الثقافة السياسية الموضعية إلى التوغل عميقاً في المجتمع المقاوم، لأن التوافق يبنى على الحد الأدنى المشترك دون الحد الأقصى ألا هو المقاومة.

والنتيجة الثانية، وهي الأهم أنه يتم تجزء تدبير الفضاء العام الخاص بمجتمع المقاومة بين مختلف تأثيرات الثقافات السياسية المتحكمة، ما يفتح الباب أمام آليات تدبيرية موضعية للتحرك جنباً إلى جنب.

فرأس الهرم الاجتماعي السياسي يكون توافقياً بالضرورة، ومبني على اتفاقات أفقية تحمي الحد الأدنى دون أن تعضد الحد الأقصى، وهي حالة طبيعية مرجوعها إلى تنوع الأطر الفكرية المختلفة التي تهندس المشهد السياسي العام.

لكن لهذه الخاصية أثر عميق وهادئ قد يتراخى أثره في الزمن دون أن ينمحي بالمطلق وهو "معامل التعددية الإيديولوجية"، تظل لُحمته التوافق دائماً وأبداً دون الاتفاق، والذي قد ينفصم في أي وقت استراتيجي. ما يجعل من رأس الهرم ليس حامياً بالضرورة لقناعات "القوة القاعدية الاجتماعية"، ما دامت التوافقات تتم خارج دائرة الاعتبار السياسي للأخيرة، فأقصى ما يمكن التعويل عليه في هكذا أوضاع هو عامل الثقة في "التمثلات السياسية التعددية" وبأنها ستختار التوافق حول الأفضل.

لكن عامل الثقة، هو عامل متحرك يتأثر بتحولات المنطقة بالضرورة، ما دام المجتمع نفسه قد دخل الخطة العولمية من حيث أراد أو لم يرد.

فيكون الأولى قلب الهرم الاجتماعي داخل مجتمع المقاومة بوصفه ذو مائز معرفي حضاري، بجعل التمثلات السياسية في قاعدة الهرم، ورفع القوة الاجتماعية القاعدية إلى رأس الهرم، بوصفها هي صاحبة القرار حقيقة، وهي المخزون الإنساني الأساسي للتنظيم المقاوم، عن طريق خلق "مؤسسة اجتماعية ذات تعبير سياسي" تفتح لها فروعاً في مجمل الدوائر الاجتماعية داخل مجتمع المقاومة لتدارس خرائطها المطلبية، وتوضيب ما تراه مناسباً لتتحول إلى جماعة ضاغطة على التمثلات السياسية، تساعد الأخيرة في رسم القرارات المناسبة بشكل يحمي المجتمع فعلياً، دون الانطلاق من تصورات لها معاييرها البعيدة عن أرض الواقع.

رب قائل بأن هكذا قرار هو انتحار جماعي لا محالة، لأنه ما دام مجتمع المقاومة داخل بمجمل التصورات المحلية والوطنية والعالمية، فإنه سيتحول إلى عامل "ضغط" ضد مشروع المقاومة.

لكن هكذا تخوف ينهار من تلقاء ذاته، إذا فهمنا بأن الذاكرة الجمعية لمجتمع المقاومة دفعته إلى تبني المقاومة، ليس من جهة أنها الخيار الأوحد للكرامة وحسب، بل من جهة أنها الخيار الأوحد لحماية الحقوق الشخصية للأفراد. فتتحول دائرة الفعالية داخل مجتمع المقاومة إلى "القوة الاجتماعية القاعدية" التي تضغط في اتجاه إنهاء التوافقات البينية، والتي قد تضرب عميقاً إسفيناً للتشظي الداخلي الذي لن يتوقف عن التوسع في المستقبل.

فمنبع الحماية هو القاعدة الشعبية داخل مجتمع المقاومة، التي يجب أن تتحول إلى رأس الهرم، على أن يحافظ التنظيم المقاوم على وسطيته، وفي قاع الهرم الجهاز التدبيري التوافقي، أي أننا أمام هرم مقلوب.

الطبقة الثانية: المجتمع الكلي الدولتي بما هو مجال فعالية أساسية

على هذا المستوى نكون أمام تحدي أساسي، لأن مجتمع المقاومة لا يمكنه أن يحافظ على خصائصه، داخل وسط تعددي عدائي، لأن المحصلة ستكون هي الاحتقان دائماً وأبداً، وتدبيراً للصراعات البينية داخل هذا المجتمع الكلي، ما يفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية لتصريف مصالحها داخل جو الاحتقان هذا.

كما أنه ليس من المستحب بناء توافقات بينية، سريعاً ما تنفصم عند المساس بالأصل الحيوي لكل مائز اجتماعي، وهذا ما نشاهده وما سوف نظل نشاهده.

فيكون حرياً الدخول في هذا المجتمع بجعل المقاومة رأس البناء المفاهيمي التدبيري في قلبه، بمعنى أننا نكون أمام حالة اختراق فعلي جواني، حيث استراتيجية القوة الناعمة يلزم تفعيلها تحت أي شرط.

يتم تعريف القوة بأنها القدرة على فعل شيء ومنع الآخر من حيازة نفس القدرة، فهي تحمل جانبين أحدهما إيجابي وهو القدرة على فعل شيء تحت الإكراه أو الإقناع أو الجاذبية، والثاني سلبي بوصفه ينبني على سلب نفس القدرة عن الغير.

يعرف جوزيف ناي القوة بأنها "امتلاك كميات كثيرة نسبياً من عناصر كالسكان، والإقليم الجغرافي، والموارد الطبيعية، والقوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والاستقرار السياسي"(4) تتكامل جميعاً لتكفل القدرة على فرض التصور ومنع الآخر من الاقتدار عليك فهي عملية ثنائية لا تقوم إذا انتفى أحد جانبيه، إلا أنه يعيب على الطرح الصلد للقوة بأنه لا يهتم كثيراً إلى باقي مصاديق القوة والتي أسماها بـ"القوة الناعمة" التي تقوم على عامل الجاذبية الحضارية وإرادة الغير في التقمص، والتي تظل الأقل كلفة في جميع الأحوال من استعمالات القوة العسكرية.

طبعاً ناي لا يلغي المقدرة العسكرية من المعادلة بقدر ما يريد تطعيمها بالجانب الجذاب فيما أسماه القيم الأمريكية والأخلاق الأمريكية والثقافة الأمريكية. إلا أنه وأمام الانسدادات التطبيقية الكثيرة التي وقفت أمام ناظريه لأنه تيقن بأن العالم يكره الولايات المتحدة الأمريكية ويكره سياستها حتى من قبل من يحسبون على الأصدقاء، طوع نظريته إلى سقف ثاني أسماه بـ"القوة الذكية" التي تجمع بين القوة الصلدة والقوة الناعمة ضمن الحراك الاستراتيجي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية.

فجوزيف ناي ينطلق من مقدمة أساسية أو لنقل عقيدة أساسية وهي "لعل أمريكا أقوى من أي دولة أخرى منذ الإمبراطورية الرومانية، ولكن أمريكا مثل روما ليست قوة لا تقهر، ولا هي عديمة التعرض للعطب والانكشاف، فروما لم تخضع لنشوء إمبراطورية أخرى، ولكنها تداعت أمام موجة من هجمات البرابرة، والمقاتلون المستخدمون للتقنيات الحديثة العليا هم البرابرة الجدد(5) فناي يرى المطابقة في القوة بين الإمبراطورية الرومانية والولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا تشبيه ليس ملتصقاً بعنوان القوة كما قد يتبادر إلى الذهن بل هو نفسيا أبعد، لأن المطابقة تهم حيثية "الإمبراطورية" بالأساس، و "البربرية" في الأعداء وهو تصنيف قيمي يرتكز عليه ناي للدفاع عن جهاز القوة الناعمة التي يراها الأكثر نفعا لأنها تقلل من تكاليف الإكراه أو مصاريف الإغراء عن طريق الإغواء.

فالقوة الناعمة ترتكز على ثلاثة موارد هي "ثقافته (في الأماكن التي تكون فيها جذابة للآخرين)، وقيمه السياسية (عندما يطبقها بإخلاص في الداخل والخارج)، وسياساته الخارجية (عندما يراها الآخرون مشروعة وذات سلطة معنوية أخلاقية)"(6)

وهنا بالذات نرى بأنه كنسق فكري يبحث عن حتميات تسد حلقة فكره من البناء القيمي إلى البناء الحركي إلى البناء الوظيفي، تتكدس  كلها تحت مسمى "الإمبراطورية"، والملاحظ على جوزيف ناي أنه لا يهتم بمباني (الثقافة) أو (السياسة الخارجية) أو (القيم السياسية) من حيث هي حاملة للكرامة والتعددية وغيرها من الأبعاد التعايشية في مجتمع متغير ومتعدد، بل لا يرى أهميتها إلا في مصداق تطبيقها بالحذافير، وطبعاً هو يحاول الهرب من مشروع التبرير لمباني هذه الزوايا الثلاث، لأن الثقافة الأمريكية نفسها تعرف معضلة اعتداد عقلي، ولا زالت واقعة في مخاض لا يتوقف نهائياً، كما أن القيم السياسية التي يشير إليها لم تعرف نهائياً توحداً فكرياً ولا السياسة الخارجية كشف عن مضمونها، فالجانب الوظيفي كان هو المعتمد في تصوره لا الجانب البنائي.

وطبعاً أخذه لهذا المنحى يهدف بالأساس للسماح بتصوره بالاشتغال على جميع المستويات ويتفاعل مع التنويع السياسي داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

تم طرح هذا التصور للدلالة على أن المشروع الأمريكي لا يهتم بالحيثية العسكرية لتدبير قوته في العالم، بقدر ما يشتغل على مجمل المجالات بما فيها المعرفية لخلق "جسر إمداد" لقدراته في العالم، بشكل يسمح له بالسيطرة دون كثير من العناء.

ومن هنا يكون من المناسب للمقاومة أن تشتغل على تنويع مقومات قوتها في جميع المجالات، وعلى رأسها إبداع "رؤية معرفية" جديدة تشكل آلية استقراء لكل ما يحدث في العالم وفي المنطقة، وتتحول من مدرسة قتالية ناجحة إلى مدرسة معرفية ناجحة، تكفيها مؤونة تدبير سوء التفاهم الذي يتسع عندما يتم التحرك في المناطق الأكثر حساسية في المنطقة.

كأن تتحرك في وضع نظرية خاصة تساعدها في قراءة المتحولات الدولية والمناطقية خارج التوجهات الفكرية الغربية، وتقوم بتأصيل نظري "مغلق" كما النسق الذي يبني نفسه بنفسه.

فالاقتراب من النسيج الاجتماعي العربي والإسلامي يستلزم تحويل "المقاومة" إلى سلوك حياة لا إلى وجود تعيني في مواجهة الكيان الصهيوني وحسب، لأن البعد الجغرافي قد يقف عائقاً في تدوير الفكرة في أوسع دائرة ممكنة.

فالمقاومة بما هي وجود فكراني وفيزيقي في نفس الآن تظل داخلة بمجمل التجليات الوجودية المعادية، بمعنى أن الأرضية العدائية ليست بجغرافية مكان بقدر ما هي جغرافية فكر، ولا يتناسب الاستمرار في الوجود المقاوم بدون لعبة تنظيرية تشتغل على أدوات أنطولوجية عالية الجودة تضمن لها ليس فقط تعضيد وجودها وحسب، بل وإثارة تغيرات فكرية في الوجودات الأخرى.

إلا أن خصوصية المقاومة في هذا المقام أنها لن تعتمد نقاط قوتها الناعمة الذاتية، لتسييل تصوراتها في قلب المجتمع الكلي وحسب، بل ستلعب دوراً "مثيراً" دفائن التأريخ المقاوم لمجمل المجتمع الكلي الدولتي، بوصفه كنزاً تاريخيا داعماً، وخصوصاً أن الذاكرة الجمعية هي أكبر "منصة" اقتدار يمكن خلقها، والتي تقف حائط صد أمام مجمل عمليات الاختراق الخارجية. لتتحول المقاومة من ميزة لمجتمع جزئي دولتي، إلى ميزة لمجتمع كلي دولتي، صحيح أن هكذا مشروع يحتاج إلى مساحة زمنية قد تطول، لكن هذا ليس مانعاً من القيام بشيء الآن وهنا.

هوامش:

1- Zbigniew Brzezinski: between two ages, America's Role in the Technetronic Era, THE VIKING PRESS NEW YORK, 1970, P: 9. “The paradox of our time is that humanity is becoming simultaneously more unified and more fragmented. That is the principal thrust of contemporary change. Time and space have become so compressed that global politics manifest a tendency toward larger, more interwoven forms of cooperation as well as toward the dissolution of established institutional and ideological loyalties. Humanity is becoming more integral and intimate even as the differences in the condition of the separate societies are widening. Under these circumstances proximity, instead of promoting unity, gives rise to tensions prompted by a new sense of global congestion.”

2- نقصد بالطبقة الاجتماعية الكلية هو عين المجتمع الذي يعلو سابقه درجة، والعلو المقصود هو علو مساحة لا علو قدر، فلسنا رائين إلى المفهوم الكلاسيكي للطبقات الاجتماعية، وبهذا وجب التنويه.

3- ذلك أن هذا التنظيم يكون مضطرا إلى بناء شبكة توافقات مع غيره من التمثلات السياسية، والتي تكون قريبة من خطه التحصيني، دون أن تكون صاحبة مبادرة في المقاومة بالضرورة.

4- جوزيف س ناي (الابن): مفارقة القوة الأمريكية ـ لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم أن تنفرد في ممارسة قوتها ؟ ترجمة محمد توفيق البجيرمي، مكتبة العبيكان، سنة 2003، الصفحة 31 و 32. 

5- جوزيف س ناي: القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي، الطبعة الأولى سنة 2007 دار العبيكان الصفحة 13.

6- جوزيف س ناي: م.س الصفحة 32. Joseph S. Nye : u.s power and strategy after Iraq, foreign affairs, 1 July 2003.

عبد العالي العبدوني*

باحث من المغرب*

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد