مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

الرئيس ماكرون والمقاربة الأمنية لمواجهة "السترات الصفراء"

محمود محمد حسين إسماعيل

بغية مواجهة التحديات السياسية التي تطرحها حالياً ظاهرة "السترات الصفراء"، اختار إيمانويل ماكرون أن يراهن على المقاربة الأمنية لمحاولة نزع فتيل الأزمة وكسب الفرنسيين، في الوقت الذي أصبحت فيه عملية تكرار المشاهد التخريبية العنيفة والمروعة هي التي تتصدر واجهة الأحداث في فرنسا كل يوم سبت.

يعلل مقربون من الرئيس ماكرون هذا الخيار بأن الحكومة قدمت اقتصادياً واجتماعياً كل التنازلات الممكنة حول المطالب التي كانت المحرك الأساسي لهذه الاحتجاجات، عبر التخلي عن الضريبة البيئية ورفع الحد الأدنى للأجور.

من جهة أخرى، تركز بعض الأوساط الداعمة لإيمانويل ماكرون على أن هذا الخيار فرض نفسه بقوة، انطلاقاً من التحولات التي عرفتها هذه الحركة، حيث أصبحت بعض القوى المؤيدة لها ترفع شعارات تغيير النظام ونسف المؤسسات، وتوجيه تهديدات بالقتل وبتصفية بعض رموز الطبقة السياسية.

 وقد جاءت أحداث اقتحام مقر وزارة الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو ومشاهد العنف التي استهدفت قوى الأمن، التي أفرط بعض عناصرها في الرد عليها لتجسد هذا المنعطف الخطير الذي شهدته هذه الحركة الاحتجاجية المخترقة سياسياً من القوى المتطرفة، التي تسعى إلى استغلال الشارع لمحاولة إضعاف إيمانويل ماكرون ونزع المصداقية عن إدارته.

يبدو أن الرئيس الفرنسي يراهن عبر هذه الخيارات على حجم الهلع الذي قد ينتاب الرأي العام الفرنسي، بسبب خطورة الأحداث التي يعيشها كل نهاية أسبوع، وحجم الفاتورة الاقتصادية التي سيدفعها والتهديدات الأمنية التي أصبحت هذه الحركة تحدثها لكي يسحب الفرنسيون دعمهم لها ويحولوها إلى ظاهرة معزولة لا تتمتع بحاضنة شعبية أو بعمق اجتماعي يمنحها شرعية الاحتجاج.

كما يراهن ماكرون أيضاً على أن القبضة الحديدية التي يقترح اللجوء إليها لمواجهة المتطرفين من "السترات الصفراء" قد تساهم في عملية استعادة ود الفرنسيين، الذين تقول معظم استطلاعات الرأي أنهم ركزوا نقمتهم على شخص ماكرون، بسبب أسلوبه في مخاطبتهم وخياراته الاقتصادية والاجتماعية التي أعطت الانطباع بأنه فضل تقديم هدايا ضريبية للطبقات الميسورة على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

الرهان على هذه المقاربة الأمنية يحمل أخطاراً سياسية قد يترتب عليها تداعيات غير مسبوقة على ولاية ماكرون. فإذا تبين فشل هذه الإجراءات التي أعلن عنها رئيس الحكومة إدوار فيليب لمواجهة العنف الذي يتخلل السترات الصفراء، فإن ذلك قد يضع تحت مجهر مكبر حجم الفشل الذي وصلت إليه مقاربة الرئيس ماكرون لإدارة هذه الأزمة، وقد تساهم في توسيع الشرخ بينه وبين الفرنسيين ونزع ما تبقى له من مصداقية. إنه وضع سياسي خطير عشية استحقاقات انتخابية أوروبية وبلدية كان الرئيس ماكرون يعول عليها كثيراً لتعبيد الطريق لولاية رئاسية ثانية.

إزاء هذا الوضع المتأزم، بدأت الدوائر المقربة من الرئاسة الفرنسية تحرك أوراقها ضد العنف والتطرف، من خلال إطلاق حركة "الأوشحة الحمراء" التي ستنظم يوم السابع والعشرين من هذا الشهر مظاهرة لدعم الرئيس ماكرون، التي يحاول مطلقوها تشبيهها بالمظاهرة الضخمة التي دعمت الجنرال ديغول بعد احتجاجات مايو/ أيار ١٩٦٨.

 

 

إخترنا لكم من العدد