مجلة البلاد الإلكترونية

الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن فرض حرب على إيران

العدد رقم 189 التاريخ: 2019-07-19

اتفاق تبلوره الولايات المتحدة مع طالبان يمنح إيران رافعة لتوسيع نفوذها

البشرى التي خرجت هذا الأسبوع من عاصمة قطر الدوحة، والتي تقول إنه يبدو أن هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وطالبان الأفغانية. كلمة المفتاح هي "يبدو".

هناك بوادر، احتمالات، إمكانيات.. وتفاؤل حذر رافقت عدداً كبيراً من المحادثات التي أجراها الأمريكيون مع ممثلي طالبان خلال الـ 17 سنة الأخيرة منذ احتلال أفغانستان من قبل الولايات المتحدة في 2001 رداً على عمليات الحادي عشر من أيلول.

الآن أيضاً يفضل أن لا نحبس الأنفاس قبيل الاتفاق على وقف إطلاق النار، وبالأحرى سلام شامل، في هذه الدولة الممزقة. حوالي 45 ألف مقاتل أفغاني وعشرات آلاف المواطنين قتلوا فقط في السنوات الأربعة الأخيرة منذ أعلنت الولايات المتحدة للمرة عن نية الانسحاب من أفغانستان.

هدف أمريكا الأساسي من المفاوضات الحالية هو التمكين من انسحاب معظم القوات الأمريكية، حوالي 14 ألف مقاتل، وضمان أن أفغانستان لن تتحول إلى قاعدة جديدة لنشاطات القاعدة وداعش. الحديث لا يدور، على الأقل في المرحلة الحالية من الاتصالات، عن مصالحة بين حكومة أفغانستان المنتخبة وبين طالبان. هذا كما يبدو هدف صغير، تكتيكي في جوهره، الذي إذا تم التوصل إليه فلن يضمن بالضرورة الهدوء والاستقرار في أفغانستان، لكنه سيضمن انسحاباً هادئاً للقوات الأمريكية. بمفاهيم إسرائيلية الحديث يدور عن تهدئة وليس عن اتفاق سياسي.

الموافقة الأساسية لطالبان لم تحظ بعد بترجمة فعلية، والجدول الزمني للتوقيع على الاتفاق ومراحل الانسحاب الأمريكي لم تحدد بعد، أيضاً ترتيبات الحماية التي سترافق الانسحاب وطرق العمل والترتيبات الأمنية التي ستضمن التزام طالبان بإحباط نشاطات القاعدة وداعش غير واضحة. لم تتضح المساعدة العسكرية والمالية التي سيحصل عليها التنظيم من أمريكا من أجل تنفيذ التفاهمات، ولا يقل أهمية عن ذلك، أي أدوات ضغط وتهديد ستبقى في أيدي الأمريكيين في حالة عدم وفاء طالبان بالاتفاق. مع ذلك، الممثلون الأمريكيون يعطون أهمية كبيرة لحقيقة أن طالبان اختار أن يتولى نائب رئيسه، عبد الغني بردا رئاسة وفد المفاوضات. هذا الاختيار يمكن أن يدل على مستوى الجدية الذي يعطيه طالبان للمفاوضات، لا سيما أنه يريد تسريع النتائج، لأنه من خلال مكانته يستطيع بردا اتخاذ القرارات مباشرة والتشاور دون حاجة مع عدد من الزعماء في هرم التنظيم التراكمي.

في السابق كانت هناك مرات أرسل فيها طالبان ممثلون غير رفيعي المستوى، مثل صاحب بقالة تم تقديمه كشخصية كبيرة في التنظيم، أو ممثل من قبل الملا عمر الذي قتل قبل بضع سنوات. الممثلون الأمريكيون الذين يقدرون حضور بردا يمتنعون عن التطرق إلى أعضاء وفد طالبان الآخرون، الذين قضى عدد منهم فترة طويلة في معتقل غوانتنامو.

إلى جانب اتفاق وقف إطلاق النار، الولايات المتحدة تسعى إلى دفع طالبان الذي يسيطر على نصف سكان أفغانستان تقريباً، للتفاوض مع حكومتها، وتفحص لهذا الهدف ربط موعد الانسحاب مع موعد بدء المفاوضات الداخلية. ولكن طالبان في هذه المرحلة ليست له أي نية لإجراء مفاوضات كهذه، التي تعني بالنسبة لهم الاعتراف بالحكومة المنتخبة تحت حراب الاحتلال. في المقابل، حكومة أفغانستان برئاسة أشرف غاني، تخشى من أن الجشع الأمريكي في التوصل إلى مصالحة داخلية تجبر طالبان على تقديم تنازلات كبيرة في مجال المشاركة في الحكم. ويؤدي إلى المس بشكل كبير بحقوق الانسان وتغييرات كثيرة في الدستور، وستلغي إنجازات كثيرة نجحت الحكومة في تحقيقها في مجال مكانة النساء والأحوال الشخصية والتعليم والقضاء. هذه القيم يخشون في السلطة أن تمر بالطلبنة على نمط النظام الذي ميز الدولة بين الاعوام 1996 – 2001 عندما كان طالبان في الحكم.

الولايات المتحدة تتملص في هذه الأثناء من التفسيرات والتصريحات بشأن الطريقة التي ترى فيها إشراك طالبان في الحكم للامتناع عن مواجهة مع حكومة أفغانستان. ولكن قبل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر تموز لن يكون مناص من بلورة سياسة أمريكية حول مكانة طالبان كجسم سياسي شرعي. طالبان يمكنه أن يطلب من الولايات المتحدة تقرير سياسة كهذه كشرط لتنفيذ الاتفاق التي يتبلور في الدوحة. إذا أردنا أن نحكم حسب سلوك الرئيس ترامب في صراعات اخرى في الشرق الأوسط، فمن المشكوك فيه أن يبدي أي اهتمام بالنسبة لطبيعة النظام في أفغانستان بعد سحب قواته. وهو أيضاً لن يكون الرئيس الأمريكي الاول الذي سيركل جثة أفغانستان بعد تحقيق أهدافه. الرئيس جورج بوش الأب "نسي" أين تقع أفغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها.

إجراء المفاوضات مع طالبان يعتبر انعطافة جوهرية في السياسة التقليدية للولايات المتحدة والتي تقول إنها لا تتحدث مع تنظيمات إرهابية، لكن عملياً ليس فيها أي تجديد حقيقي. شخصيات رفيعة في وزارة الخارجية وفي الـ سي. آي. ايه التقوا علناً مع رؤساء طالبان في التسعينيات، وهم يعرفون الطبيعة الوحشية للنظام الذي أقاموه والقتل الجماعي الذي نفذوه ضد المدنيين الذين يعتبرون "منحرفين عن الإسلام الصحيح"، حسب التفسير السني الراديكالي للتنظيم.

في 1997 زار وفد من طالبان المقر الرئيسي لشركة النفط الكبيرة "يونوكال" في تكساس من أجل الاتفاق حول إنشاء أنبوب غاز بين تركمانستان وباكستان يمر عبر أراضي أفغانستان. كان على طالبان تأمين الأنبوب مقابل مبالغ جيدة. الاتفاق لم يخرج إلى حيز التنفيذ بسبب ضغط الرأي العام الأمريكي، لكن الإدارة لم تر أي مشكلة في عقد مشاريع أخرى مع طالبان حتى 11 ايلول 2001. بالمناسبة، فإن مَنْ توسط بين طالبان و"يونوكال" هو زلماي خليل زاد، الذي يترأس الآن وفد المفاوضات الأمريكي مع طالبان. الاتصالات بين القوات الأمريكية وبين ضباط من طالبان جرت بموازاة الحرب التي أجرتها قوات دولية في أفغانستان. وبين الفينة والأخرى تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار محلي بين الطرفين.

الحروب الداخلية بين طالبان وقوات النظام الأفغاني، التي تم فيها تقليص بصورة دراماتيكية مستوى سيطرة الحكومة على أراضي الدولة، جذبت اليها أعداء خارجيين أرادوا توسيع هيمنتهم على الدولة. حتى باكستان التي منذ فترة الحرب ضد الاتحاد السوفييتي بين الأعوام 1979 – 1988 كانت "حليفة" زودت وسلحت ومولت (بأموال أمريكية) المجاهدين الذين حاربوا ضد القوات السوفييتية – حولت خريجي تلك الحرب إلى رعايا لها.

سيكون من الصحيح القول إن طالبان بدأ نشاطاته العسكرية عندما كان نشطاؤه طلاباً ولاجئين هربوا من الحرب الأهلية الأفغانية إلى أراضي باكستان. التي انطلقوا منها في 1992 لاحتلال بلادهم من أيدي أمراء الحرب ورؤساء القبائل الأفغانية الذين تصارعوا على السلطة بعد انسحاب القوات السوفييتية. المخابرات الباكستانية استخدمت نشطاء طالبان كعملاء سياسيين وعسكريين. وبعد ذلك فرع سياسي لباكستان.

السعودية، حليفة باكستان، ساهمت بدورها أيضاً عندما ضخت ملايين الدولارات لصناديق باكستان وطالبان كجزء من الجهود لمد رعايتها وتوسيع هيمنتها في تلك الدولة، على الرغم من حقيقة أن طالبان تعاون مع القاعدة. في السنوات الأخيرة زادت السعودية مساعدتها لطالبان كجزء من صراعها مع إيران. تدخل إيران في أفغانستان ليس جديداً، لكن مؤخراً طورت علاقات متشعبة مع طالبان من أجل أن تبني بواسطتها سوراً واقياً ضد هجمات محتملة لداعش في أراضيها، ومن أجل ضمان سلامة الأقلية الهزارية التي تعيش في وسط أفغانستان وقرب الحدود الإيرانية. إضافة إلى ذلك، ممثلو طالبان وصلوا في كانون الأول إلى إيران للتباحث مع النظام الإيراني حول نية التفاوض مع الولايات المتحدة وحول الترتيبات الأمنية التي تنوي اقتراحها قبل الانسحاب الأمريكي.

اختيار قطر أيضاً لاستضافة المفاوضات تم بالتشاور مع إيران، بعد رفض طالبان إجراء المحادثات في السعودية، التي تضغط من أجل التوصل إلى مصالحة مع الحكومة الأفغانية. بصورة متناقضة تمثل المفاوضات الحالية أيضاً التقاء للمصالح بين إيران وأمريكا، حيث أنهما قلقتان من نشاطات داعش والقاعدة، وهما تعتبران طالبان عاملاً إيجابياً في محاربة هذه المنظمات الإرهابية.

التعاون بين إيران وطالبان يناقض نظرية المحور الشيعي الذي يهدد الشرق الأوسط، حيث أن طالبان هو سني راديكالي، في حين أن إيران دولة شيعية. ويبدو أنه في الطرفين المصالح تتغلب على الايديولوجيا.

أفغانستان ليست منجم ذهب، "لا توجد فيها ثروات"، كما عرف ترامب سوريا. ولكن عند انسحاب القوات الأمريكية يمكن أن تتطور لتصبح ساحة صراع على السيطرة السياسية والعسكرية بين الدول المتعادية في الشرق الأوسط وأن تغري روسيا أيضاً، التي هربت منها قبل ثلاثة عقود. ولكن بعد أن فقدت أمريكا فيها أكثر من تريليون دولار وحياة آلاف الجنود الأمريكيين، لا يمكن الاحتجاج للولايات المتحدة بشأن توقها للخروج من هذا المستنقع الموحل التي لم تنجح أي دولة في الماضي أن تحتلها.

صحيفة هآرتس - تسفي برئيل

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد