مجلة البلاد الإلكترونية

سياسة الصبر الاستراتيجي: ترامب يستجدي الإيرانيين ويدعوهم للجلوس إلى مائدة الحوار

العدد رقم 180 التاريخ: 2019-05-18

من الوجدِ ومن الذكرياتِ

غسان عبد الله

متألماً في الغاب، حيثُ شريعةُ الغابِ تحكمُ خطوي المقهورَ،‏ أرفعُ ندائيَ المجروحَ‏.. لا الأفقُ الملبّدُ بالغيومِ‏ يحدُّ من ندمي،‏ ولا رَجْعُ الطواحين الحزينْ‏.. لكأنما هذي الحياةُ خليلةٌ للموتِ،‏ بنتُ دموعنا في الليلِ.. فلاّحونَ نحرثها‏ وتحرثنا السنينْ.‏

وحدي أجاهرُ في جهات الحزنِ‏ بالخسرانِ،‏ أرفعُ راحتيْ في وجهِ هذا الصبرِ:‏ "لا جدوى"‏ وأرثي في خلاءِ الروحِ غرباني‏ ورهطَ النائحينْ.‏. أأنا الندامةُ أم سوادٌ حالكٌ،‏ أم سكرةٌ مجهولةُ الرعشاتِ‏ تلمعُ كالسكاكينِ الجريحةِ‏ في فضاءِ الروحِ‏ أم طعمُ الفراقِ المرِّ‏ في شفة الحنينْ؟‏ أأنا طليقٌ أم سجين؟‏ أأنا صراخُ الروحِ في المطلقْ؟‏ أم رَجْعُهَا الخاوي على طللِ الحُداءِ العتيق؟‏ أم عزلةٌ مضروبةٌ في الليلِ‏ تلفُظُها العقاربُ‏ والأسابيعُ الطويلةُ‏ والشهورْ.‏.  ربَّاهُ كيف تُطيقني روحي‏ وتلفظني القبورْ؟‏.

متألّماً في الغابِ‏ أشهدُ في الغيابِ أمومةَ‏ الأحزانِ‏ تركضُ في ظلالِ الوحشة الصمّاءِ‏ نادبةً كآباتِ الغروبْ.‏. لو أنَّ هذي الأرض من شجنٍ‏.. جعلتُ نواحها يُصدي‏ على كلّ الدروبْ.‏. وتركتُ قبري ضائعاً في الريحِ‏ يندبهُ العراءُ،‏ وتلبسُ الأكفانَ من حزنٍ عليهِ‏ الأمهاتُ الباكياتُ على الجنوبْ.‏. لكأنَّ أيامي رحيلُ الغيم‏ خلفَ الغيمِ‏.. لا نجمٌ ليرضعني حليبَ الحزنِ‏ في الأغساقِ..‏ لا قمرٌ يضيءُ بليلتي الثكلى‏ ويحملني على جنحِ الطيوبْ.‏. أبداً يحلّقُ طائرٌ‏ بيني وبين الموت،‏ والأمطارُ تسقطُ كالبكاءِ‏ على بساطِ الدمعِ‏.. دمعٌ أسودُ ينسابُ من شرياني‏ المقطوعِ‏ فوقَ الصخرِ معتكراً..‏ وقلبٌ خافقٌ باليأسِ‏ يسكنني،‏ وتملؤني الذنوبْ!‏.. ما زلتُ أركضُ خلفَ أسرابِ الحمامِ‏ من الشروقِ إلى المغيبِ‏ مُلوِّحاً بقميصِ إيماني‏ فلا أصطادُ إلا الوهمَ‏ والقمرَ الكذوبْ.‏ لا الليلُ تسقطهُ مواويلي‏ ولا نوحيْ يردُّ جدارَهُ المضروبَ‏ حولَ الروحِ‏ كالأبدِ المحجَّر‏ والصخورْ.‏. ربّاهُ كيف تطيقني روحيْ،‏ وتلفظني القبورْ؟.‏

كاللَّهفِ أعدو خلفَ أطيافِ الغيابِ‏ أطاردُ الأصداءَ من جبلٍ إلى جبلٍ‏ وأنحتُ في جذوعِ الحورِ خسرانيْ.‏. لكأنَ هذي البيد مرثاتي الطويلةُ‏ والرياحُ محادلُ الأشجانِ عن جَلَدِيْ وصوَّانيْ.‏ متأبّدٌ في الريحِ‏ أرعى رجعَهَا الموجوعَ‏ في بريَّةٍ منهوبةِ الأمطارِ..‏ لا غيمٌ يسجِّيني على نهرٍ‏ لأتبعَ مسقطَ الرمانِ،‏ لا قوسُ ألوانٍ يلوّحُ في أعالي الصحوِ‏ قمصاني.‏. أغلقتُ خمسَ أصابعٍ في الليلِ‏ ثم فتحتها‏ فإذا بشمسِ العمرِ غاربةٌ،‏ والأرضُ تنأى عن مواعيدي (وتنآني).‏. "أبداً أجرُّ ندامتي خلفي"‏ وأنْهَدُ في الفراقِ‏ كجرحِ مزمارٍ عتيقٍ‏ شقَّهُ في الصدرِ سكّينُ النغمْ.‏. أبداً يحالفني الألمْ!‏ وأنا أُجِيرُ طفولةَ العشّاقِ‏ من ثكلِ الزمانِ،‏ وأرفعُ العبراتِ ضدَّ الموتِ،‏ والأشعارَ في وجهِ الهرمْ.‏. أبداً أعيدُ إلى الخريفِ دموعَهُ الصفراءَ‏ أسندُ شَجْرَةَ الحورِ العتيقةِ في الغروبِ‏ مسلّماً روحيْ لأسرابِ الزغاريدِ الكليمةِ‏ بالندمْ.‏. أنا عاشقُ هذا الليل،‏ أَسيرُ النوافذِ وطفلُها الصامتُ الباكي،‏ وحزنُ شرفاتها المسفوحةِ فوقَ الماءِ‏ من دمعٍ ودمْ.‏. أبداً أقاتلُ وحشةَ العشاقِ‏ بالكتابةِ من الوجدِ ومن الذكرياتِ بليلٍ‏ يقايضُ زهرةَ الرمانِ بالأحزانِ‏ في روحيْ‏ ويُفرِدُ بالرنينِ العذبِ‏ أشرعةَ العدمْ.‏

هل كانَ ذنبي أنني‏ (أحببتُ حتى الموت) أن أبكي‏ شقائي عمراً على زورقٍ أشرِعَتُهُ أُفرِدَتْ كي أحدَّ من الألمْ؟‏ هل كانَ ذنبي أنني أغفيتُ أحزاني‏ على ليلٍ كريم السمَرْ،‏ إبْيَضَّ من ثريّاتِ الدُّررْ..‏ فلَمَستُ في النجومِ أزرارَ البنفسجِ‏ وهي تزهرُ مثلَ حبّاتِ العنبْ.‏. فشعرتُ أنَّ الصبحَ يلعبُ بالحدائقِ‏ في دروبِ الروحِ،‏ والغزلانَ تركضُ في براري الفجرِ‏ كالخفقاتِ،‏ والنبضَ في القلبِ يذروني كموّالٍ على عالياتِ القصبْ.‏

وسمعتُ صوتاً من أعالي الغيبِ‏ ينهاني عن الأشعارِ:‏ لا تمسسْ وجيبَ القلبِ وهمسَ الروحِ في روعةِ أشرعةٍ أُفرِدَتْ للسَّمَرْ!..‏ لكنني ألفيتُ نفسي شارداً في البيدِ‏ أتبعُ الصوتَ النائي،‏ ويتبعني صدايْ.‏. كنواحِ مزمارٍ جريحٍ‏ في عراءِ الأرضِ‏ يزفرُ حزنَهَ وجعاً ونايْ.‏. أبداً يرجّعني صدايْ!‏ ويردّني نهرٌ إلى قمرٍ‏ يسافرُ في صبايْ..‏ فيهيمُ بيْ ملاكٌ‏ من رونقِ الدمعِ والبجعِ الحزينِ على ضفافِ الصبحِ يعدُّ خطايْ.‏

يا أجملَ صدفةٍ للموتِ‏ أين عرفتَ هذا الطعنَ بالسكِّينِ‏ يا ملاكَ الحنينِ المرِّ؟‏ كانَ القمحُ يتركُ خفقَهُ عبرَ السنابلِ،‏ والضراعةُ تصطفيها من دموعِ الوردِ‏ عينُ الرجاءِ واللوعةِ وليلٌ من دعاءْ.‏. ليلُ الحساسينِ السماويُّ‏ الذي يرمي بزرقتهِ سحاباتِ المساءْ.‏. ونداءُ أفراسٍ لسهولِ الحكاياتِ التي تنداحُ كالتسبيحِ في سَمْعِ الحداءْ.‏. وأنا عماءُ الغيمِ في أفقٍ من الصبواتِ‏ أفردُ راحتَيّ للحبِّ‏ كالصقرِ الجريحِ‏ كأنَّ هذا القفرَ مرآتيْ على الأيامِ،‏ والفقدانَ توأمُ حسرتيْ‏ عندَ الفراقْ.‏. أبداً تخالفني البحارُ في نشر أشرعتي.. هلْ حرامٌ أن أُشرعَها؟‏ كاليمامةِ في إناءِ الصبحِ‏ تغمسُ ريشةً زرقاءَ في حبرِ الأغاني،‏ ثم تدرجُ بالهديلْ.‏. بيضاءَ لوَّحها بسمرتهِ سحابُ الصيفِ‏ فاشتعلتْ‏ وخالَجَها الرحيقُ السلسبيلْ.‏. لكأنما قلبيْ لشدِّةِ حزنهِ‏ راحتْ تطاردهُ الثعالبُ‏ في اصفرارِ الدمعِ‏.. لا قمرٌ ليبكي أمَّهُ في الليلِ‏ لا ضوءٌ يناديهِ تعالَ..‏

يدورُ هذا العمرُ في عجلٍ‏ ويركضُ في عراءِ الطينِ ذئباً نابحاً‏ ينعى قناديلي وينعاني.‏. وأنا أردّدُ في الرياحِ ضراعتيْ‏ كالشاعر الأعمى،‏ وأشردُ في فراغِ المغربِ القانيْ.‏. لكنني والليلُ يأفلُ بالغناءِ أنوحُ‏ وردَ جمالِها المفقودَ،‏ والحزنَ الذي راءى انكساراتي‏ وراءاني..‏ لكأنني فزاعةٌ للموتِ في حقلٍ من الغربانِ..‏ تخطئني نبالُ الحسرةِ العمياءُ‏.. يقتتلانِ‏ في روحي الظلامُ مع النهار،‏ الشوكُ والأزهارُ‏.. لكني ألامسُ في شروقِ الشمسِ‏ قطناً رائعَ الأهدابِ‏ يغمرني بفضتهِ..‏ وألمحُ زهرةَ العبَّادِ‏ طالعةً كسورةِ يوسفٍ في وجهِ‏ انتشاري وإيماني.

أنا صاحبُ هذا الوجدِ، حبيسُ هذا الأريجِ الذي اعتراني، في غمرةٍ من يأسي ومن حرماني.. أريجٌ أَسَرَ العمرَ باقةً في عذبِ حلاوة اللسانِ.. أريجٌ اقتحمَ دنياي في زحمةِ القلق المستدامِ خلفَ أشجاني، أنا صاحبُ هذا الوجدِ،‏ أَسيرُ الأشرعةِ وطفلها الصامتُ الباكي،‏ وحزنُ رفرفاتها المسفوحةِ فوقَ الماءِ‏ من دمعٍ ودمْ.‏. أبداً أقاتلُ وحشةَ العشاقِ‏ بالكتابةِ في ليلٍ‏ يقايضُ زهرةَ الرمانِ بالأحزانِ وينشُرُ فيَّ روعةَ الألم‏ في روحيْ‏ ويُفرِدُ بالرنينِ العذبِ‏ أشرعةَ العدمْ.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد