مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: "مايك بومبيو غير مرحب به في لبنان"

العدد رقم 172 التاريخ: 2019-03-22

فلسفتي لا تعرفُ إلا الله

غسان عبد الله

ههنا تبدو الحياةُ لذيذةً كقَالب كعكٍ بيتوتي.. فالطيورُ تحلِّقُ في حبَّاتِ الرذاذِ وتحاولُ استطعامها، وتظلّلُ أجنحتَها السماءُ الغائمةُ في حالةِ انغماسِ أثيرٍ مع المارةِ والأغاني وأصواتِ السياراتِ العابرةِ إلى خواطِرِها.. وأما الرصيفُ فيستضيفُ مارّةً يحملونَ هدايا السنةِ الميلاديةِ الجديدةِ.

هكذا تُزْهِرُ المدنُ العصريةُ بالمناخاتِ المتداخِلَةِ المتناغِمَةِ في شكلٍ غيرِ تقليديٍّ لا يشبِهُ فيه مشهدٌ الآخر.

من غرفةِ الشرفةِ الأثيرةِ في البهاءِ أكتُبُ عن شغفي بهذا الطّقسِ شبه الربيعي في العشر الأوائل من آذارَ وأنا أتخذ مقعدي في غرفةِ الشرفةِ المطلةِ على الشارعِ الموازي للجسر المفضي إلى المطار.

أغتنِمُ الوقتَ بجمالٍ يليقُ بالكلماتِ لأنتبِهَ إلى ما يُشْرِفُ عليه الكونُ من خلالِ إطلالةِ غرفتي وأتحسّسُ الأفْقَ بضميرٍ أنيقٍ يستفزُّ كلّي لأنسِّقَ مقالتي (أول الكلام) بحبورٍ كبير. ومن خلالِ الشرفاتِ المقابلةِ في البناياتِ متعددةِ الطوابقِ هناك نباتاتٌ ترتفع لتشكر الله على بهاءِ السماء والأرض.

تشدو الحياةُ للرّذاذِ برقّةٍ تضاهي رقّتَهُ وهو ينزِلُ إليها وإلى الأرضِ بِخَدَرٍ شاعريٍّ وكأنه يَعِدُ بمطرٍ كثيرٍ يلُوحُ في الأفْقِ الملوَّنِ بالرمادي.. غيمٌ وألقٌ لا يمكن أن يمر سهلاً على خيال المعنى والشعر.

السماءُ الغائمةُ البارحةَ ليست ذاتَها اليومَ... فيومُ ما قَبلَ الرحيلِ أشدُّ رحمةً من عذاباتِ يومِ الرحيلِ نفسه. لم يزل هناك أملٌ وهاجسٌ ومحاولةٌ جديدةٌ لاستئنافِ الفرحِ وانْ كانَ لأربعٍ وعشرينَ ساعةً وحسْب..

ههنا يتفرّدُ القَدَرُ والغيبُ والإرادةُ بتسييرِ الأمورِ في ظروفٍ مختلفةٍ واحتمالاتٍ غيرِ مرسومةٍ وفْقَ خطةٍ معلومة.

هكذا تتبادر إليّ الفُرَصُ المحتملةُ بهواجِسَ لا تعني إلا تحولاتي اللحظيةَ الشخصيةَ ومزاجي الحالي الذي ربما يسطو عليه وعيي بعقلٍ مفعمٍ ويرغِمُهُ على الانقياد.

"أنا يتيمُ عقلي لا أنجو منه بقلبي.. ربما تضيق بي سكينتي، لأنني لا أتقن بهاءها إلا في فم الكلمات المحشوة بالصمت".

"لماذا لا نلتفتُ إلى ذواتنا جيداً ونتأمّلُ فيها بحيث نجني ثمارَ مستقبلنا الذي لا ننتبه إليه في دربِ حياتنا إلا بعد أن يكون حاضراً أو ماضياً؟!".

"أتمنى أن يُسَنَّ قانونُ عقوباتٍ صارمٌ ينصِفُ الأحاسيسَ والمشاعرَ من الاغتيالِ ويردُّ إليها حقَّها المعنويَّ في العيشِ بسلام".

فالمحبةُ واتجاه ُالبوصلةِ مدىً لا يضيّعُني بل يجدُني ويردّني إليّ كما لو كنت ميلاداً جديداً.

تحاصِرُني تقاطيعُ رغبتي في تجاوزِ حالاتِ كَدَري كلِّها وليس المللَ فحسب.. تحرّضُني لأقفزَ عن سورِها إلى حديقةٍ معنويةٍ رائقةِ المزاج.. كأن أكتُبَ نصاً جديداً أو أن أكافئَ خلوتي بمشروعٍ إنسانيٍّ نادر.

بذلك فحسب تكون الورقةُ المنفتحةُ سريراً قطنياً فاخراً.. يمتصُّ كلَّ مصائبكَ الكونيةِ والفضائيةِ والرقميةِ فـ "ألْقِ بروحِكَ فيها لئلا تختلف عليك طمأنينتك.. عند ضياع أحلامك السرية".

من يسيرُ في هذا الفضاءِ الذي يسَعُ كلَّ المارةِ.. ولا تسوقه خطاهُ إلى فكرةٍ ترافقهُ لحظةَ بلحظة؟.

ما أحلى أن تعيشَ حالةً بوهيميةً من البدائيةِ والفطريةِ وتكون واثقاً بأنك الوحيدُ القادرُ على إدارةِ حياتِكَ في بياضِ الكونِ وسِعةِ الأرضِ حيث تبدو الأرضُ والسماءُ أنتَ.. إذ تجعلُ مناخكَ في صدرِكَ النقيِّ، وحدَكَ أنتَ مَنْ تُصْلِحُ عَطَبَ الحاضرِ والمستقبل.. حسبُك ذلكَ ثقةٌ بك.

"سأحتفي بالصباح فلهيئته الشتائية سِحْرٌ على نحوٍ شديدِ الإغراءِ.. وللمساءِ جلالُ الحضورِ المزيَّنِ بالبدر".

"حين رتبتُ هذا الوجودَ رتّبني لأليقَ بِهِ وأحتفي بالكتابةِ في أمكنةٍ تبعثُ بالبهجةِ لتُحيي روحَ الكلماتِ بنَفَسٍ طويل".

كن أنت فحسب لتمتلك رقَّةَ العالمِ الخفيِّ والظاهريِّ. فلسفتي لا تعرفُ إلا الله ولذلك فروحي مغمورةٌ بالفرحِ الذي يتسلل إليّ من ذاكرةٍ تعرفُ كيف تقيسُ الجمالَ في حضور قد يغيبُ بغيابِ مُدُنِ البهجةِ لتستَرْسِلَ الكتابةُ في صياغةِ المزاجِ بمدىً يؤدّي إلى فضاءِ المعنى.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد