مجلة البلاد الإلكترونية

سياسة الصبر الاستراتيجي: ترامب يستجدي الإيرانيين ويدعوهم للجلوس إلى مائدة الحوار

العدد رقم 180 التاريخ: 2019-05-18

الإرادة والثروة والنهضة في عالم الضمائر الميتة لا قيامة من دون وعي الذات وبناء الهوية المنفتحة

 

الناظرُ إلى واقع العرب في أحوالهم وأوضاعهم السياسية والاقتصادية المعاصرة، يجد أنها حالٌ سيئة بالإجمال العام، بل هي تزدادُ سوءاً وتخلّفاً يوماً بعد يوم لأسبابٍ كثيرة ذاتية وموضوعية سبقَ أن تحدثنا عنها في أكثر من مقال ودراسة..

فلا هُمْ استفادوا (ويستفيدونَ) من ثرواتهم ومواردهم الهائلة على نحو بنيوي عميق، ولا هُمْ تمكنوا من تحقيق استقلالهم الحقيقي في عدم خضوعهم لسياسات الدول الكبرى وارتهانهم لها في كل شيء يتعلق بوجودهم ومصائرهم ونهضة مجتمعاتهم المفروض أن تكون قد تحققت وأُنجزت في ظل توافر مقومات النهضة والتنمية والبناء المتين.. بل نجد كيف ترتفع فواتير تَبَعيّتهم وارتهانهم واستلابهم للآخر على كل الأصعدة المادية والمعنوية، حتى بات عرب اليوم مغيّبين أو هامشيين أو مرتهنين.. ولا خيار آخر..!!!.. وربما الثلاثة مجتمعين.

لقد كانَ لإخفاقِ العرب في مأسسة بنى ونظم (ومعايير) الدولة الحديثة على الصعيد السياسي والاقتصادي بالذات، الدور الأهم في وصولنا إلى هذه النهاية المعقدة والدرجة المنحطّة التي انتهت إليها مجتمعاتنا وبلداننا العربية عموماً، حيث المآلاتُ صعبة والرّهانات غاية في الكُلفة، بحيث بات معها الواقع رثّاً ومتخلّفاً، فشلتْ فيه النخب العربية الحاكمة والقابضة بالقوة على مفاصل القرار، بتنمية قدراتها وبرامج تحديث شبابها، ولم تتمكن من إيجاد قاعدة وطنية صلبة لحماية ما بقي من مواقع التماسك الوطني والنسيج الاجتماعي التاريخي الذي تشظّى إلى مكوّناته الأولى ما قبل وطنية وما قبل حداثية..

ولا شك بأن "نغمة" المؤامرة و "موشّح" تحميل الآخر مسؤولية كل هذا الخراب والفشل التنموي والسياسي العربي الفاضح الذي جرى للدولة العربية الحديثة، لا يحل ولن يحل هذه المشكلة، بالعكس سيكرّسها أكثر.. فلا بد من التركيز على الأسباب الذاتية الموضوعية، لأن السقم والمرض داخلي قبل أن يكون خارجياً.!!.

وعلى الرغم من أنّ العربَ امتلكوا نظرياً قوةً روحية وطاقة تاريخية فذة هي هذا الدين العظيم الذي كان رحمة ورسالة إنسانية، مستمدين منه عزّتهم وكرامتهم وعواطفهم ومعنوياتهم، حيث يقولونَ دوماً "إننا قوم أعزّنا الله بالإسلام..!!".. ولكن السؤال: هل يكفي هذا العز والمجد والفخار والنظرة المحترمة لديننا العظيم على الصعيد النظري، و"كفى الله المؤمنين شر القتال"؟!!. فماذا فعلتم وأنجزتم واكتشفتم واخترعتم وقدمتم، وحسّنتم وغيّرتم، أيها العرب في سبيل أن تكونوا خير أمّة وأرقى مجتمع، ونموذجاً عملياً لقيم هذا الدين ودعواته ونصوصه وطاقته الروحية؟! ألا تعلمون بأن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"؟!.. وأليس الله هو القائل: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾؟!!!.. وأليسَ الرسولُ الكريمُ(ص) هو القائل: "اعقلها وتوكل".. كدعوةٍ للعمل وعدم الانتظار والتثاقل والتواكل السّلبي والارتهان للآمال والأهواء والرؤى المزيفة؟!!.. ثم، أين أنتم – أحبابنا وإخوتنا العرب - من العقل والعلم والعلماء والانفتاح على العلم والقوانين العلمية القادرة على تحقيق الفعل والبناء والتغيير نحو الأفضل والأحسن والأرقى على مستوى تحسين شروط عيش الناس وتمكينهم وجودياً ومادياً؟!.

حقيقةً أنتم بعيدون عنها جداً من دون أدنى شك، والدليل هو واقعكم المترهّل المنحط المحبط الذي ننتقل فيه جميعاً - وبصورة شبه دراماتيكية - من هزيمةٍ إلى أخرى ومن خسارةٍ إلى خسارة تليها، ولا أحد يسأل ويحاسب، ولا مؤسسات تسائل..!!.. فقد حلّ القول والكلام محلّ العلم والعلماء والخبرات العملية والمؤسسات العلمية الرصينة.. وباتت المنابر للوعّاظ والإعلاميين والمشايخ والسياسيين الذين يتلاعبون بالناس والمجتمعات بحسب أمزجتهم وأهوائهم في القباء والسيطرة.. مع تقديرنا لأصحاب النوايا الحسنة والطيبة منهم..!!.. فكلهم تقريباً – سواء عن قصد أو عن سذاجة أو قلة معرفة - نشروا وينشرون ثقافة مضلّلة مناقضة ومضادة لثقافة العلم والعقل والإنتاج العلمي، حتى مثلاً على مستوى تنظيم وتخطيط مدن، حيث نرى أنّ قرار تنفيذه النهائي ليس بيد الخبير الهندسي، بقدر ما هو بيد رجل السياسة، أي لا يقرره ولا يتخذه رجل علم الهندسة مثلاً..!!.

نعم أحبتي.. فأنْ يعزّنا الله بالدين هو أمر جيد وجميل ومحمود، ولكنه حالة نظرية جمالية اعتقادية يجب أن يكون لها معادلها الموضوعي على الأرض، بمعنى أنه وعي نظري لا يكفي، ولم يعد يجدي كثيراً في عالم القوة العلمية الضاربة في أرجاء العالم ما لم تتوافر مقوماته المادية من استقلال وإرادة ومشاركة وحقوق وغيرها.. وهذا ما يفرضُ علينا التزامات عملية للفعل العملي المسؤول تجاه الله والحياة والإنسان، بل هو أمر يحمّلنا مسؤوليةً مضاعفةً للعمل والبناء والتطوير والإنجاز العلمي الحقيقي.. انظروا أين أصبحت الدول التي أخذت بناصية العلم والقرار العلمي، وقدّمت العلماء والفكر العلمي.. وانظروا بالتالي ماذا حلّ بنا نحن!!، أهل الكلام والأقوال والبدائع الكلامية اللفظية والمنبريات الخطابية الدعائية المستمرة منذ نكبة فلسطين ومن ثم نكسة حزيران!!، ولن أقول قبل تلك التواريخ المؤلمة الحزينة التي ارتبطت - في ذاكرتنا القريبة وليس البعيدة - بالهزائم والخسائر المتتالية والأثمان والكُلَف الباهظة؟!!..

وقد قرأتُ أنه قبل سنوات كثيرة، بعد هزيمة العرب النكراء في عام 1967، كتب المفكر المصري أحمد بهاء الدين كتاباً ملخصه أن الهزيمة في العام 1967حدثت بسبب بُعْدنا عن العلم الحديث"، وهو قول لم نهتمّ بدراسته وفهم معانيه، وتعميقه لأكثر من أربعين عاماً. كما أن هناك مقولة مشهورة لمناحيم بيغن مفادها: "أنا أؤمن بالتوراة، وأضع ثقتي في الفانتوم"، كما كررنا كثيراً كالببغاوات قول موشي ديان إن "العرب قوم لا يقرؤون".. ثم انظروا بتمعُّن إلى رد صدام حسين عندما قيل له إن طائرة "الشبح" (الستيليث) لا يمكن لأي رادار رصدها.. رد بالقول على طريق أي جاهل أمي متعجرف في بلداننا العروبية قائلاً: "إن الراعي عندنا يمكن أن يراها".. ثم ضحك وقهقه وجسمه يهتز!!.. وكان ما كان من أمر هزيمة العراق، ودماره وتدميره، وما يعانيه العراق اليوم هو نتيجة مباشرة لذلك الجهل الفاضح والخطير للغاية في اتخاذ القرار المبني أولاً وأخيراً على الادعاءات الفارغة والنرجسية المريضة والبطولات الكلامية الدونكيشوتية، بدلاً من أنْ يكون مبنياً على المسؤولية والمشاركة والشورى والعلم والحقائق العلمية.. وهذا ما يميز آلية صنع القرار (الناجحة) في الغرب عنا..!!.

يعني القضية لا تنطبق فقط على نموذجٍ سلبي وحيد ومثلٍ أعلى منخفض يمثله "صدام حسين" بل يمكن أن تنسحب على كثير من المثقفين أو رجالات الدين أو رجالات السياسة أو العاملين بالشأن العام ممن يعتبرون بأنّ لهم مهمة "رسولية" أو "رسالة تطهيرية" فوق بشرية إذا جاز التعبير، يعني مهمة قدسية عليا، فتراهم ينسبونَ لأنفسهم أموراً ووضعيات وسلوكيات أو أشياء صعبة التصديق وغير حقيقية، مثل: امتلاك القدرة على فعل أمر غير طبيعي أو معرفة الحقائق الكبرى والقبض على نواصي الوقائع النقية الصافية أو الاطلاع على معلومات خفية إلا عنهم وعليهم..!!.. مع العلم أنه عالم اليوم، منْ لا يملك العلم والقانون العلمي لا يملك أي شيء.. وفي عالم اليوم باتت الحقيقة الكاشفة عن طبيعة الواقع القائم في هذا العالم واضحة وفي متناول الكثيرين، ولم تعد حكراً على أحد دون آخر في ظل هذا الانتشار الواسع لثقافة المعلومات الهائلة.. والعقل البشري بات من القدرة العلمية والقوة المعرفية والوعي التحليلي، على هتك الحجب المغلقة والأستار الخافية وفَضْحِ "مدّعي الحقيقة" وامتلاك المعلومات، التي تضج بها وتنشرها كل مواقع النشر والفضح والتعرية والكشف والإظهار السافر.

إننا نعتقد أنّ اعتزازنا بالإسلام كرسالة عدل ومحبة وتسامح، لا يغنينا عن تمثُّل معانيها الحاضرة في ضرورة امتلاكنا لأسس العلوم ولإرادة الفعل والتطوير والتغيير، وبرأيي الإرادة أهم بكثير من المال.. فقد يكون لديك المال الوفير والثروة العظيمة، ولكن تنقصك الإرادة، إرادة الفعل والعمل الجاد والحضور والتميز.. خصوصاً في ظلِّ الهيمنةِ على قرارك.. وقد يكون غيرك مالكاً للإرادة مع قليل من المال، فتراه منتجاً وقادراً على الثبات والحضورِ والمواجهةِ والتميّزِ.. وكمثالٍ على هذا يمكن أن نأخذ بلداً نفطياً غنياً كالسعودية التي تملك فائضاً نقدياً يزيد عن تريليون دولار، ولديها أهم منابع النفط في العالم، وتصدّر في اليوم الواحد أكثر من عشرة ملايين من براميل النفط، فضلاً عن منتجات وصناعات نفطية وغازية أخرى تدر عليها الشيء الكثير.. لكن انظروا إلى وضعها السياسي ووزنها العربي والدولي خاصة في ظل قيادتها الجديدة (لمحمد بن سلمان) منذ سنوات قليلة التابعة والمستلبة بالكامل للقرار الأمريكي.. تراهم يشترون لوحة بـ 500 مليون دولار، ويخت بحري بـ 650 مليون دولار، ونادي رياضي بحوالي 3 مليار دولار، ويكدسون أسلحةً بمئات المليارات من الدولارات لتشغيل الشركات الأمريكية.. ومع هذا لا نجد لهم أي وزن أو أثر حقيقي فاعل وحاضر بقوة في ملفات المنطقة المتعددة.. فلا إرادة لديهم، وهم مخترقون حتى النخاع، فقد فشلوا في العراق وسوريا فشلاً ذريعاً، وأخفقوا في حرب إبادتهم لليمن منذ سنوات، والتي تكلفوا فيها مئات مليارات الدولارات.. وأكبر دليل على هزيمتهم وتراجعهم الشديد، فرارهم (مع باقي مشيخات الخليج) إلى حضن نتنياهو في مؤتمر وارسو ودعمه سياسياً ومالياً للوقوف في وجه إيران، بينما كانت غايته البدء بمسيرة التطبيع مع الكيان الإرهابي وقبوله جيو/سياسياً في المنطقة العربية..!!.. أما إيران فهي "دولة - أمة"، لها مشروعها الإقليمي بطبيعة الحال، وهي محاصرة منذ عقود عديدة من قبل أمريكا والغرب عموماً، ولم تصرف ما صرفته السعودية، ومع ذلك امتلكت زمام أمرها، حيث تمكنت من الحضور الإقليمي في ملفّات عديدة وفي دول عديدة، فاوضتْ دولاً غربية كبرى ووقعتْ معهم اتفاقاً نووياً ما زالت أوروبا متمسّكة به، ونقلت مشكلاتها إلى خارجها، وبنتْ مراكز وامتدادات قوّة لها في كثير من مواقع الداخل المدنية والعسكرية.. أي أنها استطاعتْ -بفضل رصانة قيادتها ومبدئيتها وإرادتها السياسية القوية المواجِهة - فرضَ حضورٍ ودور وثقل كبير في المنطقة على الرغم من الحصار والحروب ومحاولات فرض الهيمنة والأمر الواقع.

هذان مثالان عمليان في منطقتنا العربية والإسلامية، لدولتين مرجعيتين لمئات ملايين المسلمين، تختلفان جذرياً في أُسس التّعامل مع قضايا المنطقة السياسية والاقتصادية، ولكل منهما رؤية مختلفة جذرياً فيما يتعلق بالنهضة والتنمية والعلاقات الخارجية. 

ومع وجود صعوبات جمّة تواجهها إيران على صعيد اقتصادها وتنميتها لثرواتها ومواردها الطبيعية فيما ينعكس على حياة مواطنيها، فإنها تملك إرادة القرار الداخلي غير القابل للمساومة والارتهان للآخر، على عكس السعودية التي تخضع في كل سياساتها لإملاءات واشنطن واليوم لإملاءات إسرائيل، وقد رأينا منذ يومين فقط كيف يدافع رئيس ما يسمى بمجلسها البرلماني (المعين!) عن التطبيع مع الكيان الإرهابي في فلسطين المحتلة.

لقد آمنت إيران - وتحملت في سبيل هذا الإيمان والقناعة الفكرية - أن النهضة المنشودة، لها شرطان، فكري وعملي.. تأصيلي، وسلوكي إرادي.

أولهما: تأصيل (وتثبيت) المعايير الفكرية والطروحات المفاهيمية العقلية للمرجعية الإسلامية البنيوية عبر مواجهة نقدية جادة وصارمة مع أنماط الفكر التقليدية المتبناة شعبياً، وتقديم البديل العقلاني عنها من منظور ديني (إسلامي الفكر والامتداد).

وثانيهما: التصدّي لعقدة الانبهار بالغرب، والخضوع له ولمقتضياته، باعتبار أن فضيلة (ومسؤولية) الانفتاح على الآخر لا تستلزم مطلقاً الذوبان فيه، والانسحاق تحت وطأة مغرياته "الحداثوية" التقنية، أو الانبهار بمنجزاته الهائلة كما حدث مع غالبية النخب والدول العربية والإسلامية – ومنها السعودية والإمارات وغيرهما - التي اصطدمتْ بالغرب المتقدم، فكانت النتيجة أنْ شيّدت حداثة شكلية مظهرية قشرية كسيحة استهلاكية، أخذت الشكلَ المبهر، وتناست التأسيس المعرفي العلمي من داخل الذات، للحداثة العقلية والمعرفية.

هذا الكلام لا يعني أننا نريدُ الانغلاقَ على الذّات ورفض الغرب ومعاداة ثقافته الحديثة القائمة على العقلانية والحداثة السياسية.. لكنْ هناك فرقٌ كبيرٌ بين الأخذ والاستفادة والاستثمار، وبين الذوبان والانسحاق، مع قناعتنا هنا طبعاً بالفرق بين الغرب الثقافي والعلمي (غرب القيم والحداثة والتنوير)، والغرب كإدارات سياسية مهيمنة.

.. وهذا كله برأيي لن ينطلقَ من دون بناء كتلة تاريخية واعية أو جيل ثقافي عربي يجب أن يتربّى في ظل القيم الإسلامية المنفتحة التي تعطيه الطاقة والإرادة الواعية، وأن يحصل (هذا الجيل) على الحقوق المصانة، بما يؤمّن له الاستقلالية الفكرية وغير الفكرية، في سياق إيمانه بهويته المنفتحة، انطلاقاً من فكرة أنه ليس كل جديد مقبولاً، وليس كل قديم مرفوضاً، فالأساس هو الفكرة الصحيحة العادلة القادرة على دفع الإنسان للفعل والإنتاج والحضور والإبداع.. وبحيث يكون هذا الجيل قادراً على:

أ- إحداث صدمة التغيير الحقيقية على مستوى وعي الذات.

ب- وعي حركة بناء المصالح التي تربطنا بالآخر، وقياسها ومعايرتها من دون حمولات عقيدية هوياتية مغلقة.

ج- إعادة النظر بالركائز التي تحكم حاضرنا العربي على صعيد التربية والاقتصاد والعلوم.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد