مجلة البلاد الإلكترونية

سياسة الصبر الاستراتيجي: ترامب يستجدي الإيرانيين ويدعوهم للجلوس إلى مائدة الحوار

العدد رقم 180 التاريخ: 2019-05-18

واشنطن تفشل في استكمال خطوات الانقلاب: كاراكاس وموسكو نحو تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي

 

رفعت الولايات المتحدة الأمريكية من مستوى ضغوطها على فنزويلا في محاولاتها الرامية إلى اسقاط نظامها الشرعي ممثلاً بالرئيس "نيكولاس مادورو"، لكن خطواتها الأخيرة سواء في تمديد العقوبات المفروضة على كاراكاس أو في فرض عقوبات جديدة على شخصيات مقربة من دائرة صنع القرار، لم يكن سوى محاولة لتعويض الفشل الذي منيت به حتى الآن في إيصال رجل الانقلاب "خوان غوايدو" إلى الحكم وتغيير هوية فنزويلا السياسية.

وإذا كانت واشنطن قد توقعت بأن حشد الدول الدائرة في فلكها لدعم "غوايدو" واستخدام لعبة "المساعدات الانسانية" كافيان لتعديل ميزان القوة لمصلحة الانقلاب فإنها اكتشفت أن الأمور أعقد من ذلك بكثير، وأن ما واجهته في إدارة الحرب على سوريا من مواقف دولية قيّدت حراكها وفرضت عليها قواعد عمل لم تكن تتوقعها، يتكرر اليوم ويشكل تحدياً كبيراً امام استكمالها عملية الانقلاب.

مجلس الأمن والعقوبات

جديد الفشل الأمريكي في الملف الفنزويلي تمثل في رفض مجلس الأمن الدولي مشروع قرار تقدمت به واشنطن، يدعو إلى تنظيم انتخابات رئاسية في فنزويلا وإلى "إيصال المساعدات الانسانية بلا عراقيل" إلى البلد. وقد تولت كل من روسيا والصين إسقاط المشروع باستخدامهما حق النقض الفيتو بعدما رأت "أنه قرار غير مسبوق ومؤداه عزل رئيس دولة" وفق توصيف السفير الروسي في مجلس الأمن "فاسيلي نيبينزا".

وكتعويض عن الفشل في مجلس الأمن الدولي، سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض عقوبات مالية على مسؤولين عسكريين فنزويليين قريبين من الرئيس مادورو. وأعلن وزير الخزانة الأمريكية "ستيفن منوتشين" فرض عقوبات "على عناصر في قوات الأمن التابعة للرئيس، من بينهم قائد الحرس الوطني الفنزويلي الجنرال "ريتشارد هيسوس لوبيز فارغاس"، وقائد الوحدة المكلفة تعزيز الأمن على الحدود البرازيلية "هيسوس ماريا مانتيلا أوليفيرو"، وتضمنت العقوبات تجميد أي أصول للمسؤولين العسكريين المشمولين بها في الولايات المتحدة، وكذلك التعاملات المالية معهم.

وإلى هذه العقوبات الجديدة، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرار قضى بتمديد عقوبات بلاده بحق فنزويلا عاماً إضافياً في محاولة جديدة لإضعافها من الداخل بما يؤدي إلى إسقاطها.

روسيا تحضر بقوة

لكن خطوات الإدارة الأمريكية هذه قابلتها فنزويلا بحراك لافت على مستوى تحصين موقفها الداخلي، عبر "تمكين" روسيا من لعب دور فاعل على مسرحها السياسي والاقتصادي.  وفي هذا الإطار جاء الإعلان عن توسيع دائرة التعاون بين موسكو وكاراكاس، وتجلى ذلك بنقل مكتب شركة النفط المملوكة للدولة (بي.  دي.  في.  سي.  إيه) من العاصمة البرتغالية لشبونة إلى العاصمة الروسية. وقالت نائبة الرئيس الفنزويلي، "ديلسي رودريغيز" إن الرئيس مادورو أصدر أمراً بنقل مكتب الشركة إلى موسكو، وأضافت في مؤتمر صحافي مشترك في روسيا مع وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أن "أوروبا أظهرت أنها لم تعد قادرة على ضمان سلامة أصول فنزويلا". مشيرة إلى "إحجام بنك إنكلترا المركزي عن تسليم بعض من احتياطيات بلدها من الذهب المودعة لديه". وبحسب "رودريغيز" فإن بلادها عازمة على توسيع تعاونها مع موسكو، كما أن نقل مكتب الشركة الوطنية للنفط ينسجم مع خطط لتوسيع التعاون الفني في استخراج النفط مع شركتي النفط الروسيتين "روسنفت" و"غازبروم". وأعلنت نائبة الرئيس الفنزويلي أن بلادها ستقوم "باستثمارات صناعية لإنتاج كل ما نحتاجه في بلدنا بمساعدة الاتحاد الروسي.... فنحن شركاء استراتيجيون".

بدوره أكد لافروف على مواصلة بلاده دعم حكومة فنزويلا.  وقال إن "روسيا ستواصل مساعدة السلطات الفنزويلية في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك من خلال توفير مساعدات إنسانية مشروعة"، وأضاف "نقوم بالتعاون الوثيق وتنسيق كافة خطواتنا على المسرح الدولي" وهذا الامر "اكتسب أهمية لأن فنزويلا تواجه هجوماً مباشراً وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية".

خاتمة

توفير دعم روسي للاقتصاد الفنزويلي عبر حماية النفط وقطع الطريق على الولايات المتحدة للإمساك بعصب اقتصاد البلاد، ليس سوى استكمال لخطوات بدأتها موسكو منذ اللحظات الأولى للإعلان عن الانقلاب الذي عارضته، وتصدت لتبعاته في مجلس الأمن الدولي باستخدامها الفيتو لوأد مشاريع واشنطن والعواصم الغربية في استصدار قرارات دولية تفرض تنحية الرئيس المنتخب وتنصيب رجل الانقلاب. لكن الأهم في كل هذا المشهد أن العبث الأمريكي باستقرار فنزويلا لم ينته - حتى الآن – إلى الفشل وحسب، وانما في انتاج وقائع جديدة على مستوى التوازنات في "قلعة اليسار"اللاتيني، لعل أبرزها توفير فرصة لموسكو لتكون لاعباً قوياً في أمريكا اللاتينية، في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وتحديداً في الدولة التي اتخذت واشنطن قرار القضاء على نظامها السياسي المعادي لها.     

ابتسام الشامي

 

إخترنا لكم من العدد