مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

هزيمة داعش على ضفاف الفرات والسلام بعيد المنال في سورية

توفيق المديني

تخوض ميليشيات قوات سورية الديمقراطية "قسد" معارك طاحنة ضد بقايا تنظيم "داعش" الإرهابي في مزارع بلدة الباغوز الواقعة في شرق دير الزور شرقي سورية، وأعلنت سيطرتها على مخيم الباغوز بشكل كامل يوم الثلاثاء الماضي.

وتؤكد مصادر "قوات سورية الديمقراطية"، خروج ما لا يقل عن 67 ألف شخص من الباغوز ومحيطها منذ بداية العام الحالي، بينهم خمسة آلاف مقاتل من "داعش"، في حديث مشفوع بأرقام إضافيّة، وتفصيلات عن أعداد الجرحى وخسائر القوات المهاجمة.

نهاية "داعش" والسلام المستحيل

في التاسع من يناير/ كانون الثاني 2019، أعلنت "قسد" عن عمليتها الأخيرة في رحلة الإجهاز على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". فقد اختارت اسم حملتها العسكرية بعناية "المرحلة الأخيرة"، في تأكيدٍ واضح على أنّ التنظيم بات قاب قوسين من نهايته، بالمعنى العسكري، حيث يعزى تفوق "قسد" إلى ضربات طيران قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وضيق المساحة المكشوفة، وصعوبة حركة مقاتلي "داعش"، وفوق ذلك انهيار معنويات المقاتلين الذين أثقل وجود عائلاتهم إلى جوارهم من حركتهم وقدراتهم التكتيكية، ليصرّح الناطق باسم "قوات سورية الديمقراطية".

وفي هذه الأثناء تقترب "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) من حسم المعركة المحتدمة منذ أشهر مع تنظيم "داعش" في شرق سورية، إذ لم يبق أمام مئات المسلحين في التنظيم، جُلهم من الأجانب، مخرج نجاة، بعد إحكام الطوق عليهم إثر رفضهم الاستسلام للتحالف الدولي الذي يشرف على المعركة ويساند القوات المهاجمة بقصف جوي ومدفعي. ونقلت وكالة "فرانس برس" عن المتحدث باسم "قسد" كينو غابرئيل، قوله في مؤتمر صحافي في بلدة السوسة القريبة من الباغوز، يوم الأحد 17آذار/مارس 2019: "ليس لدينا جدول زمني دقيق لإنهاء العملية"، مضيفاً "آمل ألا تستغرق أكثر من أسبوع، لكن هذا تقديري الشخصي". وبحسب غابرئيل، فقد استسلم نحو 30 ألف عنصر من التنظيم وعائلاتهم لـ "قوات سورية الديمقراطية"، بينهم أكثر من خمسة آلاف مقاتل، منذ 9 يناير/ كانون الثاني 2019، بالإضافة إلى إجلاء 34 ألف مدني من آخر جيب للتنظيم.

وفي سياقٍ متصل، ذكرت شبكة "فرات بوست"، المعنية بتوثيق أخبار محافظة دير الزور، أن عناصر من البشمركة الكردية، التابعة لإقليم كردستان العراق، توجّهوا من مدينة السليمانية في شمال العراق إلى مزارع الباغوز في سورية، من أجل المشاركة في المعركة التي تقودها "قسد" ضد تنظيم "داعش"، بدعم من التحالف الدولي. وتؤكد الاستعانة بقوات من البشمركة أن المعركة مع التنظيم دخلت مرحلة الحسم النهائي. ورمت "قوات سورية الديمقراطية" بثقلها العسكري في المعركة الأخيرة ضد تنظيم "داعش"، في إطار طي الصفحة الأخيرة من القتال الذي بدأ أواخر العام 2015 واستطاعت خلاله هذه القوات إجبار التنظيم على التخلي عن معاقل مهمة، خصوصاً مدينة الرقة، التي كانت تعتبر "عاصمة لدولة" التنظيم. لكن القتال الضاري مع "داعش" حوّل الكثير من المدن والبلدات السورية إلى خراب نتيجة سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها طيران التحالف الدولي. ومن المتوقع أن تتكشف أبعاد مأساوية لمعركة الباغوز بعد انتهاء الصراع الذي حول معظم ريف دير الشرقي إلى منطقة منكوبة خالية من معظم سكانها.

وكان الاحتلال الأمريكي للعراق في 19مارس2003، والذي جاء بعد أقل من عامين من غزو واحتلال مماثل لأفغانستان، هو الذي أسهم في ولادة تنظيم "داعش" من رحم تنظيم "القاعدة" الذي انتشر في الأراضي العراقية بعد الغزو الأمريكي، إذ أرغم أبناء الشعب العراقي الاحتلال الأمريكي على سحب جنوده أواخر عام 2011، وتصدوا للإرهاب الذي أفرزه العدوان الغربي وخاضوا على مدى السنوات الماضية معارك شرسة للقضاء عليه إلى أن تم الإعلان أواخر عام 2017 عن القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي في مختلف الأراضي العراقية.

ويعتقد المحللون أنّ المعارك التي دارت مع تنظيم "داعش" الإرهابي قد اكتنفتها صعوبات جمة، فقوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تزج بقوات برية للقضاء على 2000 مقاتل إرهابي (نظراً لما يفتقرون له من دعم جوي ومعدات تكنولوجية حديثة) بل كانت تشن حملات من القصف الجوي خلفت أعدادًا هائلة من الاصابات في صفوف المدنيين على مدى الأشهر الست الماضية، الذين بلغ عدد القتلى منهم حتى الآن ما يزيد عن 700 مدني بينهم أكثر من 250 طفلاً جميعهم قضى نحبه في هذه المعارك. فضلا عن هروب الآلاف من المدنيين من هذه المنطقة، إذ استقبل مخيم الهول للاجئين في شمال شرق سورية أكثر من 93000 شخصاً معظمهم من النساء والأطفال.

في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018، لقي حوالي 54 شخصاً حتفهم منهم 12 طفلاً جراء غارة واحدة شنها التحالف على مسجد في بلدة السوسة الواقعة على مقربة من الحدود العراقية. وزعمت الولايات المتحدة بأن "المسجد قد جرى استهدافه لأنه يعد قاعدة للعمليات العسكرية التي يشنها داعش، إذ أسفر الهجوم عن قتل 22 مسلحاً في تلك الغارة". وعلى الرغم من أن قصف المسجد قد جرى إبان صلاة الجمعة التي تجري على نحو أسبوعي، وهو اليوم المعلوم بالنسبة للمدنيين والأمريكيين، نجد القوات العسكرية تدعي بأنّها استهدفت الجامع عندما لم يكن فيه سوى المقاتلين.

كتب الكولونيل فرانسوا ريغس ليغري المسؤول عن إدارة العمليات العسكرية الفرنسية الداعمة للميليشيات الكردية في سورية في مجلة الدفاع الوطني"National Defense Review" مقالاً، قال: بأن التحالف الدولي ينهج إلى الحرص البالغ بهدف الحد من الأخطار التي تواجهه. لكن ذلك الحرص قاد إلى تزايد ملحوظ في أعداد القتلى بين المدنيين، فضلاً عن نشر الدمار والخراب في شتى مناطق القتال. وأضاف: تعد فرنسا الحليف الرئيس للائتلاف المنضوي تحت القيادة الأمريكية الذي يحارب داعش في سورية والعراق، إذ تشارك طائراتها في قصف العديد من المواقع، كما أن مدفعيتها الثقيلة تقوم بدور داعم للمقاتلين الأكراد، إضافة إلى الدور الذي تقوم به قواتها الخاصة أثناء الهجوم البري. وعلى الرغم من الندرة في قيام ضابط يخدم في القطعات العسكرية بالإدلاء بمثل تلك التصريحات التي ينتقد بها دور القوات الفرنسية نجد الجنرال يستطرد بقوله "قمنا بتدمير شامل للبنية التحتية وقدمنا للسكان صورة مشوهة عن نموذج الحرية التي يتشدق الغرب بها، ولم نخلف سوى البذور التي تقود إلى ظهور حركة تمرد جديدة" وأردف قائلاً: "لن نكسب الحرب بأي حال من الأحوال، لأننا نفتقر للسياسة الواقعية والطويلة والاستراتيجية الملائمة. فكم من بلدة على غرار هجين ستتدمر حتى نتفهم بأننا نتبع مساراً خاطئاً". وقد شكلت المقالة التي نشرها ليغري حرجاً للسلطات الفرنسية، ولا سيما أنها صدرت قبل عدة أيام فقط من توقع التحالف إعلان هزيمة التنظيم المتطرف (نقلاً عن صحيفة الثورة السورية بتاريخ 20آذار/مارس2019).

وهكذا، فإنّ دولة الخلافة التي أعلنها أبو بكر البغدادي، في 29 حزيران/ يونيو 2014، في مسجد النوري في الموصل، لم تعد تتألف إلا من بعض مئات من الأمتار المربعة الممزقة في مزارع باغوز في وادي الفرات الأدنى، بعد أن بلغت مساحتها أكثر من 90 ألف كيلومتر مربع، وهي على وشك السقوط في أيدي القوات الكردية. غير إنّ سقوط تنظيم "داعش" الإرهابي في منطقة شرق الفرات، لا يعني أن السلام سيحل قريباً بسورية، فالحرب الكبيرة التي خيضت على الأراضي السورية طيلة السنوات الماضية توشك على نهايتها، وأصبحت الدولة الوطنية السورية تسيطر على حوالي 65% من مساحة الجمهورية العربية السورية التي تضمنها روسيا، فيما تسيطر قوات سورية الديمقراطية على 25% من مساحة سورية ومنطقة شرق الفرات، التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، والتي تتألف بشكل رئيسي من المقاتلين الأكراد، وتحمي أمريكا والقوات الجوية الغربية تلك القوات، وأخيراً، المنطقة التي يسيطر عليها الأتراك والجماعات الجهادية الحليفة لهم، وكذلك "جبهة النصرة" الإرهابية في محافظة إدلب، والتي تقدر بنحو 10% من مساحة سورية.

بقاء القوات الأمريكية من عوامل استمرار الحروب الجديدة

هناك حقيقة ساطعة في إقليم الشرق الأوسط، وهي أنّ الإمبريالية الأمريكية وعلى الرغم من الفشل الذي منيت به استراتيجيتها في كل من العراق وسورية، لا سيما بعد هزيمة مخططها في إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي ينص على تقسيم الدول الوطنية  في كل من العراق وسورية، وإقامة على أنقاضيهما دويلات صغيرة قائمة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، فإنّها مع ذلك لا تزال مصممة على بقاء قواتها العسكرية في البلدين العربيين كليهما. فالركن الأول المنهار في الاستراتيجية الأمريكية أنّها لم تعد تلعب الدور الأول والحاسم في تشكيل مستقبل المنطقة، فليس للولايات المتحدة الأمريكية سفراء في السعودية ولا في مصر أو العراق أو الإمارات أو تركيا أو الأردن، أما السفير الأمريكي في الكيان الصهيوني، محامي الإفلاس السابق لدى دونالد ترامب، فمفتون جدا بحركة المستوطنين الصهاينة، لدرجة أصبح فيها بوقاً دعائياً لا دبلوماسياً حسب قول توماس فريدمان في مقالته الأخيرة "الشرق الأوسط القديم ينهار.. فما بديله؟.

 تصرّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إبقاء احتلالها للعراق عبر تواجد عسكري غير شرعي تحت مزاعم شتى حيث طالب أعضاء في الكونغرس الأمريكي ترامب بعدم تقليص الحضور الأمريكي والإبقاء على الوجود العسكري للقوات الامريكية في العراق. في حين ان جميع القوى السياسية الفاعلة في العراق تعارض هذا الوجود وسط تأكيد على السعي لتشريع قانون لإخراج القوات الاجنبية من الأراضي العراقية.

وزعم رؤساء لجان شؤون القوات المسلحة والخارجية والاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي في بيان لهم أنّه "في هذه اللحظة الحاسمة من الخطأ الانسحاب من العراق، لأنه يسعى لحماية سيادته من التهديدات الداخلية والخارجية، ولتحويل البلاد إلى ديمقراطية مزدهرة وقابلة للحياة". وزعم النواب "ندعو الإدارة إلى مواصلة التعامل مع الكونغرس بهدف ضمان مستقبل مستقر للشعب العراقي". وادّعى المشرعون أنّه من الضروري أن تواصل الولايات المتحدة مشاركتها في مصير العراق، بما في ذلك من خلال برامج تدريب القوات الأمنية العراقية والتعاون في مجال الاستثمارات والتجارة وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من ممارسات جماعة "داعش" الارهابية.

ورحب النواب بنية الإدارة الأمريكية تخصيص 340 مليون دولار لمساعدة العراقيين. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في وقت سابق أن الولايات المتحدة تعتزم الحفاظ على الحضور العسكري في العراق لمراقبة إيران، حسب زعمه، ما أثار استياء القيادة العراقية. حيث ينتشر نحو خمسة آلاف جندي أمريكي في العراق منذ تشكيل ما يسمى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، عام 2014، بزعم محاربة "داعش".

الاحتلال الأمريكي للعراق الذي استمر ثماني سنوات كلف العراقيين الكثير حيث أسفرت عمليات القصف الجوي والبري عن استشهاد أكثر من مليون عراقي وإصابة مئات الآلاف جراء عمليات العدوان وما تبعها من تفجيرات إرهابية دموية إضافة إلى تهجير وتشريد ملايين العراقيين إلى مختلف دول العالم وإلى دمار كبير في عشرات المدن والقرى والبلدات العراقية والكثير من المرافق الحيوية كالمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والماء.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من شرق سورية في 19كانون الأول/ديسمبر 2018، فإنّه مع ذلك، لاتزال الولايات المتحدة الأمريكية تمارس سياسة التضليل الإعلامي، والمراوغة المستمرة بشأن هذا الانسحاب. والدليل على ذلك أنّها في الوقت الذي تدعي فيه إدارة ترامب أنّها هزمت تنظيم "داعش" الإرهابي، ما يترتب عليها انتهاء مهمة القوات الأمريكية، والخروج من الأراضي السورية التي كانت تحتلها، تفيد المعلومات من واشنطن على مقربة من إسدال الستار على المعارك الأخيرة، أنّ القوات الأمريكية تعمل على احتواء أسرى "داعش"، من المقاتلين، وتعقّب القيادات المتوارية، ذلك أن الولايات المتحدة تعي إمكانية تجدّد التنظيمات المتشدّدة، والتي يولد واحدها من رحم الآخر، في ظل غياب القوّة الأمنية اللازمة، إضافة إلى تقدّم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الكونغرس، بمشروع ميزانية لعام 2020 والمتضمن مبلغ 300 مليون دولار المخصص لمكافحة "داعش" في سورية، كما أن هذا المبلغ قابل للزيادة، وفق الصلاحيات التي تتمتع بها وزارة الدفاع. وبالتالي، فإنّ القوات الأمريكية ستستمر في بقاء احتلالها لمنطقة شرق الفرات في سورية، معتمدة في ذلك على أداتها المحلية، المتمثّلة في دعم قوات سورية الديمقراطية "قسد"، بهدف إطالة الأزمة السورية، واستنزاف الجيش العربي السوري، وإقرار منطقة شرق الفرات التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، كمنطقة احتلال أمريكي، ما يمهد لإنشاء كيان كردي يتمتع بنوع من الحكم الذاتي.

لا شك أنّ هذا الوضع من استمرار الدعم الأمريكي لقوات سورية الديمقراطية يُعَدُّ غير مريح للحليف التركي، الذي يعيش على أبواب انتخابات محلية في نيسان/أبريل المقبل، علمًا أنّ نظام أردوغان يعمل في اتجاه إنهاء العلاقة الكردية الأمريكية، وطرح بدائل متصلة بحفظ المصالح الأمريكية في سورية، أو سيضطر مرغمًا إلى المضي في الاتجاه المعاكس، وتوطيد الصلات مع روسيا وإيران، وربما دمشق.

ومن الواضح أنّ أطرافاً عدة تعادي الأكراد الموالين لأمريكا في المنطقة، تخوض حرباً سرّية ضد قوات سورية الديمقراطية في منطقة شرق الفرات، يشهد على ذلك، مقتل 236 مقاتلاً من قوات "قسد"، إضافة إلى مدنيين وعمال نفط ومسؤولين منذ آب/ أغسطس 2018، في حوادث لا علاقة لها بالقتال على الجبهة مع تنظيم "داعش"، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وغطت حوادث القتل في مناطق الرقة وحلب والحسكة ودير الزور، التي تسيطر عليها بشكل كامل القوات الأمريكية وحلفاؤها الأكراد، فقد قتل عمر علوش، وهو مسؤول كردي محلي بار، في شهر آذار/ مارس 2018، والشيخ بشير فيصل الهويدي، وهو قائد في قوات سورية الديمقراطية المتحالف مع قبيلة شمر في الرقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

استمرار دعم نظام أردوغان للتنظيمات الإرهابية في إدلب

بعد الانتصار الاستراتيجي الذي حققه الجيش العربي السوري وحلفاؤه بتحرير مدينة حلب من الإرهاب وما تبعه من معارك مكللة بالغار وصولاً إلى تحرير مناطق واسعة في أرياف حلب وحماة وإدلب الجنوبي الشرقي، اجتاحت قوات النظام التركي ومرتزقته من المجموعات الإرهابية مدينة عفرين يوم 18 آذار/مارس 2018، بعد 3 أشهر من القصف الممنهج بمختلف أنواع الأسلحة وبالطيران الحربي لأحياء المدينة وعشرات القرى والبلدات في محيطها ممهدة الطريق أمام الآلاف من الإرهابيين للاعتداء على المدنيين واستباحة ممتلكاتهم وأرضهم ودفعهم للتهجير.

يقول الباحث الأمريكي جوناثان سباير، في مقال له نشره بمجلة "فورين بوليسي" الذي قامت صحيفة عربي 21 بترجمته يوم 20آذار/مارس الجاري، إلى أنّه "في الشمال كانتون عفرين الكردي، يواجه الأتراك وحلفاؤهم تمرداً من وحدات حماية الشعب الكردية، واستشهد تقرير لموقع (بلنغكات) بمقال لأمبرين زمان في موقع (المونيتور) أشار إلى 220 هجوماً تم تنفيذها في منطقة عفرين ضد القوات التركية والمتحالفة معها، في الفترة ما بين آذار/ مارس 2018 ونهاية كانون الثاني/ يناير، على شكل كمائن بجانب الطرقات ومتفجرات مصنعة يدويا وإعدامات لمن يسمون بالمتعاونين، حيث قتل حوالي 100 شخص خلال الشهر الماضي، بحسب تقرير (بلنغكات)".

ويذكر سباير أنّ "الهجمات بدأت في شهر كانون الثاني/ يناير 2018 مباشرة بعد وصول القوات التركية إلى المنطقة كجزء من عملية غصن الزيتون، التي دمرت الكانتون الكردي الغربي، التي تبعها طرد للأكراد، ولا تعلن وحدات حماية الشعب الكردية المسؤولية عن الهجمات الحالية، وقد اعتاد حزب العمال الكردستاني، شقيق وحدات حماية الشعب، أن يستخدم أسماء واجهات للإعلان عن العمليات، خصوصاً البشعة منها، وربما تكون وحدات حماية الشعب تستخدم الأسلوب ذاته".

بعد عام من اجتياح الإرهابيين لمدينة عفرين، تؤكد مصادر أهلية وتقارير إعلامية حجم الكارثة التي حلت بما تبقى من المدنيين فيها وفي القرى والبلدات التابعة لها حيث انعدام الأمن والأمان في ظل انتشار أكثر من 50 تنظيمًا إرهابيًا معظمها يحمل فكر وإيديولوجيا تنظيم "القاعدة" الارهابي. فخطف المدنيين يكاد يكون من مظاهر الحياة اليومية، وسرقة الممتلكات والسطو على المنازل وتهجير سكانها بالقوة ووهبها لأسر الارهابيين بفتاوى تكفيرية تزيد من صعوبة استمرار من بقي من أهل المدينة الجريحة.

من وجهة نظر الدولة الوطنية السورية، هناك علاقة قائمة بين النظام الأردوغاني الأخواني والفكر الإرهابي، مؤطرة أيديولوجياً، وتفضحها الوقائع على الأرض وتبين حجم تعاونه مع الإرهابيين من تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي، عبر محاولاته زيادة الدعم اللوجستي وتأمين وصول أعداد إضافية من الإرهابيين عبر الأراضي التركية إلى الشمال السوري لإطالة الحرب العدوانية على سورية التي تقوم بالنيابة عن العالم بمحاربة تنظيمات إرهابية تمت هيكلتها في أروقة الاستخبارات الغربية والصهيونية .وقد أكدت مصادر إعلامية وأهلية متطابقة أن الأشهر الأخيرة شهدت ازدياداً ملحوظاً في أعداد إرهابيي تنظيم "القاعدة" الواصلين إلى إدلب عبر الأراضي التركية مرورا ببلدتي أطمة وسرمدا الحدوديتين لينضموا إلى فصيل ما يسمى "حراس الدين" المبايع لتنظيم "القاعدة" المدرج على لائحة الإرهاب الدولية في خرق واضح لاتفاق المنطقة منزوعة السلاح.

خاتمة

إن المنطقة التي تحتلها القوات الأمريكية وقوات سورية الديمقراطية شرق نهر الفرات، في الوقت الذي يختفي فيه تنظيم "داعش" الإرهابي من الخارطة السورية، و استمرار الاحتلال التركي لمنطقة الشمال السوري، وتحويله أراضي تركيا إلى مقر وممر للتنظيمات الإرهابية وتقديم مختلف أنواع الدعم لها بما فيها "داعش" و "جبهة النصرة" المدرجان على لائحة الإرهاب الدولية ، كما قيامه بشراء النفط السوري المسروق من تنظيم "داعش"، وعزم نظام أردوغان العثماني على تحويل شمال غرب سورية إلى كيان تابع لتركيا، يشعلان حروبًا جديدة في سورية من أجل تكريس واقع التقسيم لهذا البلد العربي المقاوم، رغم انتهاء  الحرب المفتوحة في سورية، لكن السلام يبقى أملاً بعيداً.

وهذا ما يدفع قيادة الدولة الوطنية السورية إلى تبني استراتيجية جديدة لمقاومة الاحتلال الأمريكي والتركي لمناطق شاسعة وغنية من أراضي الجمهورية العربية السورية، وتطهير كل شبر من تراب سورية من الإرهاب وإنهاء التواجد غير الشرعي لهذه القوات الأجنبية، الأمر الذي سيلقي على كاهل الجيش العربي السوري وحلفائه أعباء جديدة، لإشعال مقاومة شعبية  تكون مساندة للجيش، من أجل هزيمة التنظيمات الإرهابية ، وكسر مشروعات الداعمين والممولين من الأنظمة والدول التي ارتكبت جريمة العصر بخوضها حرب إرهابية بشكل مباشر وغير مباشر ضد السوريين ودولتهم درّة أرض الحضارات ومصدرة الأبجدية الأولى إلى العالم أجمع.

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد