مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

أبو ليلى.. يا أيّها المشتهى لو تعودُ!..

غسان عبد الله

ماذا تبقّى من دماكَ وقد غدتْ مزقاً مبعثرةً على كلِّ البطاحْ؟! وتحارُ بين دخولِكَ المنفى وبينَ دخولكِ الوطنَ المباحْ.. ما كلُّ من قرأ التفاصيلَ الجميلةَ قادرٌ أن يستضيء بنارها أو يحتوي صوتَ الجراحْ!! بالأمسِ.. هزّتك الهزيمةُ لدى الأعرابِ.. كانَ الغزاةُ على المشارفِ يرسلون رياحهم.. وغدوتَ بين القومِ (شمشومَ) الذي جعلوه أسطورةً ووجهاً ضائعاً بين الوطن المسبيِّ والألغامِ والأوجهِ الغريبة..

نادوا... تقدّمْ يا فتى الإشراق وما ذكروا شمسكَ المضيئةَ.. ونفرتَ مؤتزراً بحبّك غاضباً.. ها أنتَ تركضُ نحو تاريخِ استلابِكَ واقترابكَ من حدودِ الطعنةِ الأولى ويُسْلِمُكَ سلامُ الأعرابِ للوعودْ.. ها أنتَ وحدكَ والظعائنُ لم تزلْ تمتدُّ بين السبيِ والسبي الجديدْ وتصيحُ "سلفيتُ" - "ويكَ أبا ليلى أقدمِ...!".. نادَى التُرابُ: حيا الله يا ابنَ الفداء والضراعة.. ورُدَّ القهرَ لتمنَح ذرّاتي الأمانَ والحياةْ..

فَجأتك ومضةُ بارقٍ.. وعلمتَ أنّكَ لن تكونَ سوى الضحيةْ.. فإذا أُرْديتَ تناوحوا وتهامسوا.. وتسارعوا.. كي يحفروا قبراً يهيلوا الرملَ.. تنتحبُ الرّمال باعوك يومَ شريتَهم.. جعلوا دماك مدادَ أمجادِ كرسيِّهم المجبول نجيعاً.. نخبَها يومَ انكشافِ الردى.

يا صديقي.. ما كانتْ دماءُ النازفين على امتدادِ الأرضِ غيرَ دماك تُبْعثُ من جديدْ.. ها أنتَ وحدَكَ تبتدي حربَ التحررِ من سلالاتِ العبيدْ.. وستجيءُ القريةُ بعيدَ خلاصِها نحوَ صدرِكَ تفتديكَ من النّزيف.. يا منْ يلمُّ الحزنَ عن ثمرِ الحجارةِ في الكروم.. عن حكاياتِ الرغيفْ!.

من أينَ أبدأ رحلتي نحو نقاوةِ يبرودِ مائك العذبِ الذي سال دماً وأنت تقاومُ رابَهم ممهورةً بختمٍ عربيٍّ بغيض؟.. من أينَ آتي بأطرافِ المديحِ أرفعُ نخبَ شهادَتِكَ زيتاً من زيتون نابلس؟.. من صرخةٍ مسكونةٍ بالحبّ؟ أمْ.. من رايةٍ شمختْ على نبضِ الوريْد؟. إني مجروحٌ بخاتمةِ نشيدِكَ الفلسطينيّ الجليلِ.. ينقُصُهُ لحنُ انتصارٍ لم تشكّل أوزانَهُ.. قتلوكَ وأنتَ تقاومُ حرابَهم.. قتلوكَ فكان جرحي.. عد إذن نحو جرحي.. إن جرحي يشتهي لهبَ اتقادِكَ.. إن حضرْتَ وإنْ تغبْ.. ولربّما أسرجتَ خيلَ دمي لمجدِكَ.. إذ تؤوبُ محملاً بالمورقاتِ من القصائدِ والأناشيدِ التي أطلقْتَها يومَ طعنِكَ القطعانَ أو.... عبّأتها رصاصاً وأنتَ مفعمٌ بالأرجوانْ..

يا "أبو ليلى".. ضاقت مساحاتُ الكلامِ عن ابتكارِ خميلةٍ يغفو بها الزيتونُ طفلاً متعباً... سغباً يبسملُ خائفاً.. والجلنارُ مسبّحاً بالحبِّ.. يمرحُ... فوقَ أشلاءِ الحجارةْ.. وغدا حضورُك وحدَهُ.. أملَ الذين تناثروا وجعاً يمزّقُ في فضاءِ الرّوحِ أجنحةَ البشارة!.

سنواتٌ مرَّت من عمركَ القصيرِ بباب الروح وسنظلُّ نسألُ حين حمَّلت خصركَ خنجراً وأدعيةً وأزمَعتَ الرحيل صوبَ الملأ الأعلى بدمكَ المذاب بالزعفران وودَّعْتَنا بالابتسام.. إلى أين؟؟ ونحن نعرف أن الجوابَ صعبُ؟؟ لكن يا صديق جراحاتنا نعرفُ إلى أين تمضي.. وقلبنا يرفّ على راحتيك كطيرٍ ذبيحّ إذا ما تهاوى على كفِّ حريقْ وتطوافِ ريحْ.. وسيمرُّ سحابُ آذارَ حزيناً وأنتَ بصدر الأمهاتِ طفلٌ صغيرٌ يلمّ خطاه عن العتباتِ.. ويركضُ نحو ابتسامةِ وجهٍ مضيءٍ تطيرُ عصافيرهُ في فضاءِ القرى القادماتِ إلى الأرضِ والعشبِ والسنديانْ يباغتُها مرّة.. مرّتين.. فتختصرُ الكونَ قيلولةً للجناحِ الحريرْ.. تباري الغصونَ بترجيعِ ألحانها.. فلحنٌ لهذا الصباحِ البهيِّ!!.. ولحنٌ لعشٍ وثيرٍ.. وثيرْ.

يجيءُ أوانُ القراءةِ في دفترِ الشهادةِ تسألُ الأمهاتُ في القرى.. فمن يذكرُ الطعنةَ البكرَ؟ في أي فصلٍ؟ وفي أيّ يومٍ؟ - وكيفَ استحالَ النّهارُ محارةَ عطرٍ تضيءُ الشواطئ؟ وكيف تمادى انهمارُ الأغاريد في القلبِ توقاً؟ ومسّتْ كفوفُ الحبيبِ حريرَ العيون الخضيلةِ بالدمعِ حتى جنونِ البكاءْ؟. تسائلُ الأمهاتُ، تزيّنُ أشواقها في الصباحِ ببعضِ ورودِ الحنينِ.. تباركُ فصلَ احتراقها بناركَ يومَ تجاهلها صمتُكَ المستريبُ.. فخلفتَ بينَ يديها قصائدَ حبَ بهيٍّ ولم تبتعدْ عن مدارِ اشتياقها إليكَ.. ولكنّ هذي المسافة بينكَ وبين جنون يديك نمت مثلَ شوكِ البراري وشدّت يميني إلى وقدةِ العمر لكنني... ما ارتضيتْ!! فهل كانَ وهماً حضورُك في صبوةِ الروحِ؟... ما.. ولكنهمْ حاصروه ببرد الشتاء القديم.. فصارَ سؤالاً على ثغرِ أنشودتي ودمي المستباحْ -لماذا يبعثرُ أشواقنا الغرباءُ؟ ويختلسونَ شبابيكَ أحلامنا من بيوتِ القرى واخضرارِ الروابي وصوتِ الرّياحْ؟ لماذا يمرّون بيني وبينك؟ ستمطرونَ البنفسجَ أسرارَنا.. والدروبَ.. العشياتِ.. بوحَ الدّماءْ.

لماذا تناثر عطرُ القصائدِ بين الوجوهِ؟ وبينَ الوجوهِ تشظى عذابي مرايا.. وأنتَ تلوّن وقعَ خطاكَ بألوانِ حزننا وترسمُ ما بين وجهنا ووجِهكَ حمى انتظارْ.. ستذكركَ فلسطينُ يا عريسَ عمرها المغيَّبِ.. يومَ التقيتَ بها على الأوجاع والجوع وصرخات الأطفال في قراها.. وكانتْ مساكبُها تبتدي عيدَها فيضوعُ الترابُ بغيمة وردٍ.. وما هجرَتها البيادرُ.. سلفيتُ ستقطف السنابلَ قبلَ أوانِ الحصادِ.. ليصيرَ الحصادُ هشيماً في بيادرهم، يذرُّون به في وجوه جحافلهم، وهم يحملون أضرحةً للذين باعوكَ ثم احتموا خلف سياجِ الجرحِ عند المعابر إلى الأرض المبتغى التي لطالما أبْكتْكَ..

أيها البطلُ الذي فاجأتَ صحوَ ضمائرنا بالدمِ المذابِ بالزعفرانِ والمتوّجِ من غار جبينك.. آهِ ... يا أيّها المشتهى لو تعودُ.. تعالَ.. امنحنا عزمكَ كي نحاصرَ أكاذيبهم بانعتاقِ الوجوهِ الحزينةِ من أمنياتِ اللقاءِ المؤرجحِ بين تمنّي حضورٍ.. وبين تمني غيابْ.. فاقبض خطاكَ.. قليلاً.. وأورِد خطانا طريقَ الوصولِ إليكَ.. تعالَ.. اقتربْ يا رفيقَ دمنا من دمنا سنسفحُ عليه وشاحاً من الدفءِ والياسمينْ.. فهذي العنادلُ تياهةٌ بالشذا.. والرفيفُ.. وهذا أوانُ البكاء.. أوانُ الحنانِ الشفيف وبيننا وبينكَ أرجوحتانِ لعمرِ الطفولةِ.. والكلماتِ التي يبتدي مجدُها.. في انهمارِ النزيفْ.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد