مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

الْغَرْبُ غَرْبٌ وَلَوْ طَوّقْتَهُ بـ "الذّهب"...!

 

لا يمكن أن تكون مجزرة نيوزيلندا الإرهابية - التي ارتكبها مجرم إرهابي متطرف وعنصري مهووس بثقافة كراهية المسلمين والعرب- لا يمكن أن تكون مجرد حادثة فردية عرضية..

بل هي مرتبطة في العمق بسياق فكري ومعرفي غربي حضاري تاريخي عام، أُسّسَ له معرفياً وسياسياً بشكل مباشر - أو غير مباشر- في مديات زمنية طويلة متراكمة منذ قرون وقرون، نتيجة إصرار الغرب (ممثلاً بكثير من مواقعه ونخبه وسياسييه ورموزه الدينيين والعلمانيين) على التكريس المتواصل والتعبئة المستمرة والبناء التراكمي لهذه الصورة النمطية التاريخية عن الإسلام والمسلمين، والتي مفادها الاستشراقي الحقيقي (مهما حاولنا تدوير الزوايا مع الغرب بشأنها) بأنّ هذا الإسلام - وجمهوره العام من المسلمين - هو دينٌ عدوٌ، وأتباعه أعداءٌ تاريخيون، همجيون وبربريون لا يؤمنون بالثقافة والحضارة والمدنية، وأن العقل الشرقي (الإسلامي) هو عقل سحري طوطمي أسطوري متكاسل ومتقاعس، غير منتج وغير فاعل، ويعيش (يتعيّش) عالة على غيره، وهو عقل ماضوي، لا يحب الحياة بل يتمنى الموت وتفجير نفسه في الآخرين.

.. ويبدو من البديهي ونافلة القول هنا التأكيد على أنّ سلوكيات بعض المسلمين وكثير من تنظيمات وجماعات "التأسلم" السياسي التي شكّلتها ونظمتها ودرّبتها وتلاعبت بها قوى سياسية وأمنية كبرى في الغرب والشرق، أسهمت بقوة – خلال العقود القليلة الماضية - في تثبيت تلك الصّورة النّمطية في الذّهنية العامة للناس سواء في الغرب أم في غيره.. ولكن بالمآل الأخير، الغربُ كفضاء معرفي وسياسي معياري - والذي استشرق الجغرافيا الإسلامية، نوعاً وكماً، وتعرّف إلى تفاصيلها الجوانية النفسية والمعرفية والتاريخية، ممهداً بذلك للاحتلالات والاستعمار والنهب الكبير لثروات تلك الجغرافيا ومواردها الضخمة، قابضاً على بقوة على مفاصلها المنتجة- هو من كرّس ورسّخ ظاهرة الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام)، ولم يعمل – على الرغم من كثافة حضوره المادي في الواقع الحضاري للإسلام والمسلمين تفاعلاً وسجالاً واستعماراً - على بناءِ أسسٍ ومعايير سياسية عملية منتجة لثقافة تعايش مدنية حضارية راقية وإنسانية في داخل تلك المجتمعات على الرغم من كل ما صدر عنه (عن هذا الغرب) من مبادئ ومعايير حقوقية وقانونية مهمة شكلاً لا مضموناً.. نعم الغرب السياسي والمعرفي هو من ركّز واقع الخوف في ذهنية مجتمعاته أولاً كصورة من صور العنصرية البغيضة ضد عالم العرب والإسلام والمسلمين، بحيث انتشرت ثقافة الكراهية ورفض كل ما يمت بصلة لهذا العالم.. وهذا الغرب السياسي والمعرفي هو الذي مهّد لها الطرق ورتّبَ الأجواء لنمو وتعملق تلك الظاهرة الفكرية والنفسية والسياسية، بل وضَمِنَ لها الاستمرار والظهور في أشكال وتجليات مختلفة سياسية وليس فقط محض ثقافية.. ولعل في كلام صحيفة واشنطن بوست -التي علّقتْ على الجريمة الإرهابية السابقة - أكبر دليل على صدق هذا المعنى والتوجه الغربي العنصري، فقد أكدت الصحيفة على أنّ تصريحات "ترامب" التي أعلن عنها منذ ما قبل انتخابه كرئيس لأقوى دولة بالعالم، والمستمرة والمعادية للمسلمين بالذات، وتسمية عموم المهاجرين بالغزاة، هي التي جعلتْ الإدارة الأمريكية شريكة في الجريمة، ومسؤولة عنها بشكل غير مباشر.

إننا نعتقد أنّ الكارثة الأكبر هنا - التي يتحمّل مسؤوليتها هذا الغرب المنافق والدّجال - تكمن (في المقلب الآخر على هذا الصعيد) في ازدواجية معاييره التي تجلّت في إصراره على تثبيت مواقع الظلم والفساد في عالمنا العربي والإسلامي، وتعامله مع صور وأشكال حُكم عربية وإسلامية بائدة لا إنسانية لم تقدّمْ (ولا تقدم) لمجتمعاتها سوى التمييز والكراهية والتوترات والتناقضات.. نتيجة تفجيره لكثير من الصراعات والحروب التي غذّاها (ويغذيها) هذا الغرب (الغرب السياسي لا المجتمعي) فكراً وإعلاماً وعسكرةً، حيث يزوّد تلك الدول ويصدر إليها كافة الأسلحة بمئات المليارات سنوياً، بحيث بات عالمنا العربي مستودعا لأسلحة العالم، فقط لإنعاش شركاته الاقتصادية..!!!.

انظروا إلى هذا العالم العربي والإسلامي عموماً، ماذا ترون؟ وكيف تجدون حاله وإنسانه وعيشه وتطوراته، ولو بمقارنة بسيطة مع أقل دول الغرب علماً ومعرفة وتطوراً؟!!.. ليس هناك في كثير من مواقع هذا العالم المسمى عربي وإسلامي، سوى أسوأ أشكال الحكم والإدارة التي أحالت مجتمعات العرب والمسلمين إلى أدنى درجات التخلف والإمعية والخراب واليباب والحطام الكبير..!!. وهذه كلها دفعت أعداداً كبيرة جداً من العرب والمسلمين إلى الهجرة لدول الغرب عموماً وترك مجتمعاتهم الأم مرغمين تحت ضغط الحاجة والفقر وعدم حصولهم على حقوقهم المادية والمعنوية.. وهناك نشأت حركات على خلفية ثقافة تاريخية معادية لهم، يؤمن أصحابها بأنّ هؤلاء العرب والمسلمين باتوا ينافسوننا على ثرواتنا ومقدرات مجتمعاتنا، ويجب دفعهم للرحيل والعودة لبلدانهم تحت أي ظرف كان، ولو بالقوة والعنف والإرهاب.. مع أنهم قد أسهموا بقوة وفاعلية في نهضة تلك المجتمعات الغربية واحترموا قوانينها وانسجموا معها وتفاعلوا مع مختلف مقتضياتها القانونية.. لكن هذا كله لم يشفع لهم عند أتباع تلك الحركات العنصرية الإرهابية التي ترفض حتى مجرد وجود جامع لأداء الصلوات في بلدة صغيرة، رغم أن قوانين تلك البلدان الديمقراطية تعترف بهم وبثقافتهم وتوفر لهم الأرضية القانونية لممارسة طقوسهم وعاداتهم الدينية بكل حرية وأريحية..!!.

لكن للأسف، ما زالَ الغرب يعتبرنا، ويعتبر دولنا ومجتمعاتنا، مجرد محميات وكتل متناثرة فوضوية لا قيمة لها، تضج بالخراب والحطام والهمجية والتخلف، ويجب أن تبقى على هذا النحو من الخواء المادي والحضاري. هذه نظرة فكرية وعامة مكرّسة في اللاشعور الرسمي والمجتمعي العام على الرغم من أن المهاجرين العرب والمسلمين أثبتوا – كما قلنا - أنهم مواطنون ملتزمون بقيم مجتمعات الغرب السياسية والعملية، ومندمجون في أوطان الهجرة، ومتفاعلون مع أهلها، على الرغم من كثير من العراقيل والعقبات السياسية والقانونية التي وضعتها كثير من سياسيات الإدارات السياسية الغربية سواء في أوروبا أو أمريكا.

نعم، هذه هي النظرة الكلاسيكية المعروفة عن الغرب في وعيهم لعالمنا العربي والإسلامي، في أن العرب مجتمعات لم تبلغ سن الرشد الحضاري بعد، وأنه ليس من حقها أن تقود نفسها بنفسها، وأننا كمسلمين لسنا مؤهلين - كما يزعمون ويعملون - أن نكون شعوباً مدنية عصرية وعقلانية، قد يكون لديها رؤية وإرادة مستقلة عنهم.. بل يجب أن نبقى بحاجة ماسة ودائمة لهم.. يفكرون لنا، ويتخذون القرار عنا، يطعموننا ويلبسوننا كما يريدون، وحيث تسير مصالحهم ومنافعهم.

.. واستمرارُ هذه النظرة التقليدية النمطية، وعمل المؤسسات والإدارات السياسية الغربية على تثبيتها وتكريسها في عالم الغرب السياسي والشعبي والمؤسسي، لن يحل الأزمات القائمة بين عالمينا (الإسلامي والغربي)، ولن يخفف من غلواء التطرف والعنف على كلا الضفتين.. بالعكس هو سيؤدي إلى مزيد من التعصب والعنف ضدهم، وسيولّد مزيداً من الثارات والأحقاد فيما بين الكتلتين الحضاريتين.. خاصة هذه الايام التي تجري فيها استحقاقات انتخابية عربية يتم فيها المتاجرة بالعرب والمسلمين والإسلام هناك في عالم الغرب، خاصة في ظل وجود حكام ونخب وتيارات ونظم سياسية غير شرعية، رهنت أمورها وتخلّت عن مسؤولياتهم للآخر الغربي وغير الغربي، وارتمت في حضنه، وقدّمت له ثروات بلدانها ومواردها الصغرى والكبرى على طبق من ذهب، مقابل البقاء والاستمرار في الحكم، فلا همّ عندهم أكبر وأكثر حيوية من التحكم والهيمنة والغلبة وسرقة ثورات شعوبهم وتسلميها لهذا الآخر الغربي وغير الغربي.. ولهذا يمكن القول بأن تلك النخب التي زرعها الغرب في كثير من مجتمعات العرب منذ زمن طويل هي تتحمل أيضاً جانباً كبيراً من مجزرة نيوزيلندا، بسبب سياساتهم القمعية التي دفعت (وتدفع) ملايين الأفراد للفرار والهروب والهجرة من أوطانهم، بحثاً عن الحرية والكرامة وشيئاً من العيش الرغيد.!!.

.. لهذا نعتقد أنه بات لزاماً على هذا العقل الغربي العميق أن يعمل على تصحيح مسيرة الليبرالية السياسية القائمة على الحريات والانفتاح وتقبُّل الآخر والتسامح الثقافي والمجتمعي، وأن يكون (هذا العقل الغربي) موضوعياً ليس في مجاله الحضاري فحسب، بل في المجالات الحضارية للأمم والمجتمعات الأخرى، إذ ليس من المعقول والعدل أن تكون عقلانياً وموضوعياً وعادلاً في بيئتك، وعدوانياً ومؤيداً للظلم في بيئات أخرى فقط لأنّ لك مصالح وأجندات ومكاسب خاصة..!!. فالعدل عدل، والظلم ظلم، والعنف عنف، في أي بيئة نشأ وإلى أي موقع ثقافي وسياسي انتمى..!!.

.. وعلينا أنْ ندركَ أنَّ إشكاليات العنف عموماً وبخاصة منها الإرهابَ والتطرف لا دين لها، على الرغم من شعارات القداسة الدينية التي يرفعها أتباع العنف والإرهاب، وعلى الرغم من محاولات تبيئتها دينياً وقداسياً.. فالأديان عموماً تدعو لقيم الحق والخير والجمال، تدعو لتكريس معاني التسامح والمحبة والإخاء الإنساني، وتعميم ثقافة العيش المشترك والاعتراف بالآخر المختلف.

طبعاً، هذا التوصيف الإيجابي العقلاني، الناظر بعمق لمعنى الاختلاف والتعدد في الثقافة والدين بالذات، لا يعني - بطبيعة الحال - عدم وجود شوائب وسلبيات في عمق الفكر الديني لكل الأديان، سواء منها الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، فكل واحد منها فيه الجيد وفيه السيء، فيه الخيّر وفيه الشرير، وفيه من يستثمر في المقدس، ويستغل النصوص والقداسة لتحقيق منافع وأجندات خاصة.

.. فالقضية هي قضية استغلال وتأجيج لمنطق الصراعات والهوس بعقائد إقصائية رافضة للآخر، وتحريك لعقول ناقصة لتنفيذ مخططات إجرامية..

ويجب أن نأخذ علماً هنا بوجود عقليات إقصائية ومفاهيم دينية وسياسية عنصرية تسهم بقوة في تأمين بيئة حاضنة وولّادة لمثل تلك الأفكار العنفية المتطرفة الرافضة لمنطق التعايش.

ولا بد من أن أشير هنا إلى أنني سمعت ورأيتُ كثيراً من الناس ينتمون لأديان مختلفة دانوا تلك الجريمة الإرهابية بألفاظ شديدة مثل كثير من المسلمين، وفي هذا دلالة واضحة على أنّ قيم المحبة والتسامح والعيش المشترك هي السائدة، بل هي (تلك القيم) المنطق الطبيعي الذي يجب أن يتعمق في البنية المفهومية والسلوك الممارَس عبر قوانين ونظم اجتماعية قوية ومتماسكة، رغم كل تلك الأجواء التاريخية السلبية المشحونة..

من هنا، لا مجرم نيوزيلاندا يمثّل أي مسيحي، ولا الجولاني والبغدادي يمثّلان أي مسلم، على الرغم من هيمنة المناخات الفكرية والسياسية غير الطبيعية والصراعية السائدة في هذا العالم المختل وغير المتوازن في كثير من مواقعه وسياساته واستراتيجياته ومؤسساته العميقة.

إنّ الأوطانَ لا تُبنى ولا تتطوّر وتزدهرُ إلا بالوجود القانوني لمبدأ المواطنة، وتَعَمُّق ثقافة التّسامح والعيش المشترك، بعيداً عن المغالاة الثقافيّة والسياسيّة، أي بعيداً عن تديين السّياسة وتسييس الدّين..!!.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد