مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

الشاعر.. بانتظار ولادةِ القصيدة..

تأثرت كثيراً من شكوى شاعر شاب أقدر اجتهاده في عالم القصيدة.. من قوله إنه سيترك كتابة الشعر لأنه منذ ستة شهور لم يستطع كتابة شيء.. عزَّ عليّ ذلك وحاولت أن أجد له ما يعين أو يساعد على تجاوز الأزمة التي تمر بالجميع.. وهو ما أقدّمه هنا راجياً أن أكون قد وُفقتُ:

أولاً: ولادة القصيدة

يقول نزار: "فيما يتعلق بي تأتيني القصيدة أول ما تأتي بشكل جملة غير مكتملة وغير مفسرة.. تضربُ كالبرقِ وتختفي كالبرق.. فلا أحاولُ الإمساكَ بالبرقِ بل أتركُهُ يذهبُ مكتفياً بالإضاءةِ التي يُحدِثُها.. وأرجعُ للظلامِ وأنتظرُ التماعَ البرقِ من جديد.. قد يطولُ انتظاري لهُ وقد يقْصُر.. لكني لا أحاولُ أبداً استحداثَ برقٍ صناعيٍّ.. ومن تجمُّعِ البروقِ وتَلاحُقِها تَحدُثُ الإنارةُ النفسيةُ الشاملةُ وأبدأُ العمَلَ على أرضٍ واضحة.

تجيئني القصيدة بشكلٍ مباغتٍ أحياناً.. تدخل عليّ وأنا في المقهى وأحياناً تركب معي في الأوتوبيس وأحياناً تشدُّ معطفي وأنا أجتاز الشارع فهي إذن حاضرة قبل حضورها ولا تنتظر سوى الفرصة المناسبة لتفتح الباب وتدخل.. طبعاً أنا أفكر فيها لكن التفكير فيها لا يقدّم ولا يؤخّر في زمان حضورها هناك قصائد كقصيدتي (حُبلى) ظللت أفكر فيها عشر سنوات ولم تحضر إلا في السنة الحادية عشرة هوايتي المفضلة هي الجلوس أمام ورقة نظيفة أنتظر السمك الذي قد يحمله البحر.. قد يجئ السمك في يوم أو أسبوع أو شهر أو قد لا يجئ.. فأخلاقُ السمكِ وأخلاقُ القصائدِ متشابهة والمطلوب فيمن يحب الأسماك الجميلة أن يصبر لأن البحر دائماً يكافئ الصابرين".

باختصار أريد أن أقرر:

1- إن القصيدة هي التي تتقدم إلى الشاعر ليكتبها لا العكس وبتعبير آخر ليس الشاعر هو الذي يكتب القصيدة وإنما هي التي تكتبه.

2- حضور القصيدة على الورق متأخر جداً على زمن تكونها الحقيقي وشكلها الأخير - أي الشكل الذي نقرأه - هو المحطة الأخيرة التي يصل إليها القطار بعد سفر طويل قد يصل إلى ألوف السنين الشمسية.

ثانياً: الإبداع.. لا يقبل السرقة

في البدء كانت الكلمة.. والكلمة فضاء فسيح؛ تذوقاً كانت أو ابداعاً وفي كلتا الحالتين تحتوينا.. تعتصرنا.. حتى نصبح كائنات هائمة في نورانيتها حيث لا يطيب لنا التفاهم بعد ذلك إلا مع كائنات من نفس الفضاء.. تلك الكائنات المرهفة في عالم الكلمة.

ولأن الإبداع كما يقولون: (ترجمة لمعاناة المبدع وتعبير عما يتفاعل في ذاته). إذاً هو نتاجُ معاناةِ صاحب الإبداع وما تفاعل مع مخزونه المليء بالتجربةِ والمفردات وما تغلغل في كيانه من ثقافةٍ ـ الثقافة هي الأخذ بطرف من كل شيء ـ.

لذلك يكون الإبداع ملكاً للمبدع وحده؛ ولا يقبل السرقة أو الاغتصاب.. لكننا قد نستفيد من تجارب الآخرين؛ ونصائحهم أن كانوا مخلصين فيها وإذا كانوا جادين في نقل حصاد خبراتهم إلى السالكين طريقهم في فضاء الكلمة الفسيح.

من هؤلاء الشاعر الألماني الكبير "ريلكه" حيثُ قرأتُ له من سنواتٍ نصائحَ عدة لشاعرٍ في البدايةِ لم أقرأ مثلَها نقاءً وإخلاصاً في النصيحة.

- إياك والوهم الذي قد يأتي إليك في هيئة كلمة أو عبارة مشجعة.. بمعنى ألا نقف عندها حتى لا نتأخر أو يسبقنا الآخرون.

- إن نظرة الناشئ متجهة إلى الخارج.. وعليه أن يتجنب ذلك فلا أحد يستطيع أن يمنحك العون أو الصفح.. لا يوجد سوى طريق واحد.. التمسه بنفسك.. ابحث عن الحاجة التي تجعلك تكتب. والذات هي النبع الحقيقي والمرشد الوحيد الذي لديه القدرة أن يكون دليلك!!.

- الوحدة.. هي عصاك السحرية؛ بمعنى أن تأوي إلى نفسك كثيراً ولا تعامل أحداً؛ أي أن تكون الوحدة وسيلتك لخلق زاوية شديدة الخصوصية للكشف والمعرفة.

- الأسئلة ضرورة للمبدع؛ والعبرة ليست في طرح الأسئلة على الذات.. ولكن في المعايشة؛ والإحساس.. لتأت الإجابة من منطلق المحبة والارتباط بالطبيعة أو التعلق بها؛ وبما هو بسيط أو ثانوي فيها مما لا يعيره أحد انتباهاً.

- القراءة هي الدعامة الرئيسية والسند الكبير لكل مبدع... وهنا عليك بقراءة الإبداع.. وقلِّل من قراءةِ كتبِ النقدِ.. وفَهمُ الأعمال الصعبة يأتي بالمحبة؛ فاترك بذرةَ الإحساس تنمو وتنضج في الظلمة.. في اللاوعي.. انتظاراً لساعة ولادة.

- أكتب ما تراه بما تراه.. وتجنب تلك الموضوعات السائدة لأنها الأكثر صعوبة.. اكتب أحزانك.. رغباتك.. أفصح عن الأفكار التي ترد على خاطرك.. وبصراحةٍ حميمةٍ.. وإياك أن تتهم يومَكَ بأنه فقير؛ وإذا حدثَ فاتَّهِم نفسَكَ ولا تتّهِمْهُ؛ لأنه لا شيء فقيرٌ أمام المبدعِ ولو كان في سجنٍ لا قدّر الله.

- كن صبوراً؛ وليكن نموُّكَ وفْقَ قانونِكَ؛ ذلك أن الفنَّ - الابداع - يحتاج إلى رقّة أكثر مما تحتاج فراشة وإلى قوة أكثر من قوة ثور وإلى سياسة أكثر من سياسة نمرة وإلى صبر أكثر من صبر نملة!!.

ذلك ما قدمه "ريلكه" ولعل خلاصته أن يتحلى الانسان بالصدق فيما يكتب وعليه بالصبر وعدم التعجل حتى يصل إلى ما يصبو اليه.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد