مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

جمهوريون وديمقراطيون في وجه ترامب: يمكننا عرقلة خطواتك

تتسع دائرة التمرد التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قلب المؤسسات الدستورية في النظام الأمريكي..

فبعد رفض الكونغرس تمويل بناء الجدار مع المكسيك وما نتج عنه من أزمة تعطيل الحكومة، وجّه مجلس الشيوخ صفعة قوية للرئيس بتصويته على إلغاء حالة الطوارئ الوطنية التي كان قد أعلنها حتى يتمكن من تمويل الجدار المثير للجدل في أمريكا، على أن الأمر المهم في مشهد "العرقلة" الرسمية لخطط ومشاريع الرئيس تجاوزها القضايا الداخلية الأمريكية إلى السياسة الخارجية لترامب والتي نتج عنها قانون وقف الدعم الأمريكي للحرب على اليمن الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ مؤخراً.

إلغاء حالة الطوارئ

إذا كان من الصحيح القول إن الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية يتمتع بصلاحيات واسعة كونه يقف على رأس السلطة التنفيذية لبلاده، فإن من الصحيح أيضاً أن للمؤسسة التشريعية ـ أي الكونغرس بمجلسيها النواب والشيوخ ـ القدرة على إرباك خطط الرئيس وعرقلتها، تزداد هذه القدرة قوة بحسب الوجهة السياسية للمجلسين وما إذا كانت الغالبية فيها من غير حزب الرئيس. ومع الانتخابات النصفية الأخيرة في شهر تشرين الثاني الماضي، التي منحت الديمقراطيين اغلبية في مجلس النواب، فإن الاوساط الإعلامية الأمريكية تعاملت هذا الفوز بكونه "مخرزاً في خاصرة ترامب" بحسب وصف شبكة "أن بي سي نيوز"، لأن من شأنه أن يؤهلهم لفرض رقابة مؤسسية على رئاسته، والتأثير سلباً في أجندة البيت الأبيض لجهة تمرير عدد من الملفات التي يعتبرها الرئيس أساسية، وهو بالفعل ما بدأت معالمه تظهر بوضوح في اتساع دائرة "الاعتراض" على سياسة ترامب، التي اصابت ايضا مجلس الشيوخ ذات الاغلبية الجمهورية.

ففي تحد لافت للرئيس صوت مجلس الشيوخ الأمريكي بشكل نهائي لمصلحة إلغاء حالة الطوارئ الوطنية التي أعلنها ترامب في إطار سعيه لتمويل الجدار الحدودي مع المكسيك. جاء ذلك بعد أقل من شهر على تصويت مماثل في مجلس النواب لمصلحة القرار نفسه. وقد أمكن تحقيق هذه النتيجة بعد انضمام اثني عشر عضوا من أعضاء المجلس من الجمهوريين، إلى الديمقراطيين في التصويت على القرار المقر في مجلس النواب، والذي ينص على أن "حال الطوارئ الوطنية التي أعلنها الرئيس في الخامس عشر من شباط 2019 ... تعتبر ملغاة".

وإذا كان ترامب قد سارع إلى التلويح "بالفيتو" الذي أعلن مسبقاً انه سيستخدمه في حال تصويت مجلس الشيوخ ضد خطته، فإن ذلك لا يغير من حقيقة الانتكاسة التي مني بها والصفعة التي تلقاها، خصوصاً وأنها جاءت من بيته السياسي اي من الحزب الجمهوري، مع الإشارة إلى ما نشره الإعلام الأمريكي عن ضغوط مارسها الرئيس على الجمهوريين لمنعهم من إفشال خطته، والتي تعني عرقلة الكونغرس أحد أبرز وعوده الانتخابية، وأحد أسباب صعوده السياسي.

وقف تمويل الحرب على اليمن

الصفعة التشريعية لترامب لم تأت من هذا الملف وحده، بل إن تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي لإنهاء الدعم للحرب السعودية على اليمن، مثّل هو الآخر ضربة مزدوجة لساكن البيت الابيض، من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أصابت سياسته الخارجية. إذ وافق أعضاء المجلس بأغلبية ستة وخمسين صوتاً، على مشروع قرار ينص على أنه يتوجب على الرئيس "سحب القوات المسلحة الأمريكية من الأعمال القتالية في جمهورية اليمن أو التي تؤثر عليها" خلال 30 يوماً، وهو ما عُدّ انتكاسة سياسية أخرى للبيت الأبيض تعهد معها ترامب باتخاذ ما يلزم من إجراءات تحول دون العمل بالقرار، مشيراً بذلك إلى إمكانية استخدامه الفيتو.

وفي أعقاب هذه الصفعة، حثت صحيفة "واشنطن بوست" الكونغرس الأمريكي على مواصلة جهوده للحد من الدعم الذي تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترامب للنظام السعودي بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان. ورأت "أن التأييد الأكثري داخل الكونغرس من أجل لعبِ دور كابح لولاء الرئيس المطلق لبن سلمان ودعمه للسعودية في حربها على اليمن وعدم محاسبة قاتلي الصحافي جمال خاشقجي، يجب أن يتواصل، بشمولية،  وعلى المشرعين المعرقلين ألا يقفوا في الطريق". وعلى الرغم من تأكيد الصحيفة أن التحرك الذي يقوده الكونغرس سواء في قانون الطوارئ أو الحرب على اليمن سيكون له "تأثير عملي ضئيل"، وسيكون عرضة لـ "فيتو" من قبل ترامب، إلا أن المشجع في الموضوع على حد تعبيرها هو أن "الكونغرس يسجل تمرداً - ضد ادارة ترامب -، مع التمسك بسلطته الدستورية". وقالت الصحيفة الأمريكية "إن الحرب على اليمن هي "فشل دنيء وبائس". ففي الوقت الذي يجري فيه قتل عشرات الآلاف من اليمنيين، وتهديد الملايين بالمجاعة، وإحداث أسوأ أزمة كوليرا في التاريخ الحديث، "لم يقترب السعوديون وحلفاؤهم أبداً من هزم الحوثيين، الذين لا يزالون يسيطرون على صنعاء والحديدة". وخلصت واشنطن بوست إلى التشديد على أنه "من دون دعم الولايات المتحدة، سيكون بن سلمان، مجبراً على إنهاء هذه الحرب. ولكن للأسف، فإن إدارة ترامب تضاعف دعمها له" مشيرة إلى ما قاله وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إنه "إذا كنا حريصين فعلاً على الأرواح اليمنية، فيجب دعم الجهود التي تقودها السعودية لمنع اليمن من التحول إلى دولة دمية لإيران". مضيفة إن "بومبيو يردد كالببغاء البروباغندا السعودية".

خاتمة

حثُّ الصحيفة الأمريكية على مواصلة الجهود التشريعية لوقف الدعم الأمريكي للسعودية في حربها على اليمن يأتي قبيل تحويل القانون إلى مجلس النواب للموافقة عليه، مع الإشارة إلى أن المجلس نفسه كان قد تبنى نصاً مشابهاً في شهر شباط الماضي. لكن بمعزل عن الآليات القانونية الأمريكية الخاصة بصدور القوانين وصلاحية الرئيس في نقضها، يبقى أن المهم في ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية هو اتساع رقعة التمرد من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء على سياسية دونالد ترامب الداخلية والخارجية، وهو ما ينعكس إرباكاً لخطواته العملية. يتزامن ذلك مع مواجهة الرئيس المزيد من الفضائح السياسية بشأن حملته الانتخابية وهو الذي بات يتحضر الآن للفوز بولاية رئاسية جديدة.

ابتسام الشامي

إخترنا لكم من العدد