مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

هل من مخرج للأزمة الليبية؟

توفيق المديني

 

منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في سنة 2011، وعلى امتداد السنوات الثماني الماضية، ظل الصراع المسلح بين القوى الليبية المختلفة محتدماً، إلى أن شنّ اللواء خليفة حفتر هجومه العسكري على طرابلس، مع بداية الشهر الحالي.

وتكمن المشكلة القائمة في ليبيا أن المعركة ضد الإرهاب غير موحدة، فهناك تنافس شرس بين قوات حكومة الوفاق التي يقودها فايز السراج  المدعومة من الأمم المتحدة ومن الغرب، وبين قوات قائد الجيش الليبي المعترف به في حكومة الشرق ومقرها طبرق، اللواء خليفة حفتر الذي حقق تقدماً عسكرياً كبيراً في مدينة بنغازي، ويتلقى دعماً عسكرياً فرنسياً في هذه المنطقة، حتى يبدو أنه مقابل كل مدينة تتقدم فيه هذه القوات، يجب تحقيق إنجاز في العاصمة طرابلس، للإبقاء على التوازنات الضرورية لإدارة اللعبة السياسية من قبل الأطراف الإقليميين والدوليين.

وتخضع الحرب على الإرهاب لحسابات المصالح بين الدول الغربية ذاتها التي لها أجندة في ليبيا، من النفط إلى أزمة الهجرة إلى الإرهاب إلى ضرورة ضبط السلاح. ويتجلى الاختلاف الأمريكي – الفرنسي بشأن ليبيا، حسب وجهة نظر المحللين الغربيين في أن باريس مستعدة للعمل مع أي جهة تُحارب الإرهاب في ليبيا، ولا تولي أهمية كبيرة لنظرية الغرب والشرق، فهي دعمت حكومة الوفاق ولكنها ذهبت إلى بنغازي لدعم حفتر الذي يقاتل الإرهاب بشراسة، ولا تمانع في أن تكون في مصراتة أو صبراتة، أما الأمريكيون فيعدون حفتر رجلاً صعباً سياسياً، على الرغم من معرفتهم به جيداً، وهو بالنسبة إليهم غير مستعد لتقديم تنازلات يرونها ضرورية للتقدم في العملية السياسية.

خلفيات معركة طرابلس

تأتي الحرب الجارية للسيطرة العسكرية على العاصمة الليبية طرابلس في ظل تفكك البنية العسكرية وتمزق الجيش الليبي، ونتيجة للأزمة السياسية التي تعاني منها ليبيا في ظل وجود حكومتين تتنافسان وتتصارعان على السلطة، وتعثّر بناء الأجهزة الأمنية. ومع تفاقم الصراع المسلح، زاد احتياج الحكومات سواء في الغرب أو في الشرق، للتحالف مع الميليشيات المسلحة، وتم الاعتراف بها باعتبارها وحدات رسمية داخل الأجهزة الحكومية، لكن من الصعب عليها أن تتحول إلى وحدات نظامية منضبطة، إذ تُعَدُّ هذه الميليشيات الرافد الرئيسي لاستمرار الحرب الأهلية.

على الرغم من أن الدول الكبرى التي شاركت في التدخل العسكري الأطلسي منذ بداية سنة 2011لإسقاط نظام العقيد القذافي، لم تتوقف عن إعلان دعمها لحكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج والمجلس الرئاسي، فإنّ بعضها لا يزال على صلة وثيقة باللواء خليفة حفتر الذي استضافت قاعدته في بنغازي خبراء وضباطا بريطانيين وأمريكيين، بل شاركت قوات فرنسية في القتال في صفوفه. ويقود حفتر، الحليف السابق للقذافي، حرباً في شرق ليبيا، منذ مايو/ أيار2014، تَمَكَّن خلالها من السيطرة على قطاعات من بنغازي ومناطق أخرى، لكنه لم يتوصل إلى نتائج كبيرة مقارنة بطول فترة الحرب التي لم تتوقف بعد.

وفي المقابل، توجد القوات الموالية للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج في المدن الواقعة غرب ليبيا، لكن حفتر ومُوَالِيهِ السياسيين في البرلمان لا يعترفون بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ويعدون القوات الموالية لها "مليشيات إرهابية"، إذ تمّ منع أي تصويت برلماني في الشرق لمنح الثقة لحكومة الوفاق مع تحدّي اتفاق الصخيرات الذي تم بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد ليبيا. وفضلاً عن ذلك، لا يعترف اللواء حفتر باتفاق الصخيرات الذي تم التوقيع علية في سنة2015، والتزاماته اللاحقة، وهو ما يلقي بظلال على قدرة "الوفاق" وحلفائها على تصحيح مسارات الحل السياسي، أو إعادة بناء سلطتها على مناحي الدولة.

وعلى الصعيد الإقليمي، يحظى حفتر بدعم قوي من مصر والإمارات المناهضتين لتنظيم الإخوان المسلمين، حيث يرى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مقاربته للأزمة الليبية، أنَّ لديه ثلاثة ثوابت في المشهد الليبي: ضمان مكانة معتبرة لحفتر، وتقليص نفوذ "الإخوان المسلمين" في حكومة الوفاق ولجنة المصالحة الوطنية، والاعتماد على جيش حفتر فقط في تأمين الحدود الليبية، والاعتداد به جيشاً وطنياً للبلاد.

بعد أن سيطر اللواء خليفة حفتر على الشرق الليبي، وفي القلب منه مدينة بنغازي، ركز في استراتيجيته العسكرية السيطرة على منطقة الهلال النفطي، للإمساك به ووضع اليد عليه، لا سيما بعد دخول ليبيا في مرحلة الفوضى، إذ تعيش البلاد في ظل تراكم الأزمات والاضطرابات، وسط حالة من العجز التام من بقايا الدولة عن بسط سيطرتها على أجزاء من العاصمة الليبية طرابلس، ناهيك عن دولة مترامية الأطراف مثل ليبيا. إنّه الأمر الذي جعل جزءاً من الجيش الليبي تحت قيادة اللواء خليفة حفتر، مدعوماً من القوات الخاصة في بنغازي، ومسنوداً من شريحة من الشعب الليبي التي سئمت حالة اللادولة واللاثورة، يسيطر على مدينة بنغازي في شرق ليبيا، منذ 16 مايو/ أيار 2014، ويتحرك لكي يضع حدّاً للانفلات الأمني الذي تشهده البلاد في ظل الحكم الانتقالي المستمر منذ إطاحة نظام القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، حيث سيطرت مليشيات معروفة تحت شعار "ثوري "على منطقة الهلال النفطي الليبي.

ففي أكتوبر 2016، شكل استيلاء قوات اللواء خليفة حفتر على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي الليبي، الفاصلة بين شرق البلاد وغربها شمالاً، تحولاً استراتيجياً في الصراع السياسي على السلطة. ثم عادت معارك واشتباكات لتندلع في محيط المنطقة بين 2016 و2018. وفي يونيو/ حزيران 2018، نجح الجيش الليبي في السيطرة على منطقة الهلال النفطي والموانئ التابعة لها، حيث دارت معارك بين قوات القائد السابق في حرس المنشآت النفطية، إبراهيم الجضران، وقوات اللواء خليفة حفتر، وبدت امتدادا لصراع بدأ قبل سنوات.

وها هو اللواء خليفة حفتر بعد أن سيطر على منطقة الهلال النفطي في السنة الماضية، يتجه إلى فتح جبهة أخرى في المنطقة الغربية. وتثير هذه التنقلات المتسارعة التساؤل عن مسار الحرب الأهلية في ليبيا، خصوصاً أن الصراع الحالي حول طرابلس يدفع كل الأطراف إلى إعادة بناء تصوراتها الاستراتيجية. وتأتي محاولة شن معارك في طرابلس، بعد فشل محاولاتٍ تمت على مدى السنوات السابقة، حيث كان التركيز على الوصول إلى طرابلس عن طريق الشمال، والسيطرة على الموانئ النفطية، لكن وجود القوات الرئيسية في مصراتة وكثافة السكان حالا دون تجاوز مدينة سرت. ومنذ أغسطس/آب 2017، بدا التفكير في طريق بديل عبر الجنوب، وهي مناطق تشكل النطاق الرخو للدولة، ولكنه، في الوقت نفسه، يحتوي على مصادر كثيرة من الثروة، حيث الآبار النفطية و"النهر الصناعي" والممرات الاستراتيجية للعاصمة.

علماً إن الاستيلاء على طرابلس لن يكون بتلك السهولة المتوقّعة، على عكس ما حدث في كل من بنغازي ودرنة، حيث استفاد حفتر من دعم القبائل الرئيسية، لكن في طرابلس، لم يحظ حفتر بمثل هذا الدعم القبلي. لكن اللواء حفتر يحظى بدعم من مجموعة من الميليشيات، لعل أخطرها هي المدخلية. وتوشك هذه الجماعة السلفية على توحيد صفوفها في ليبيا ناهيك عن أنها تحظى بدعم من خليفة حفتر، الذي يوفر لها الموارد والوسائل والأسلحة، وهذا أمر خطير للغاية لأن أعضاءها يسترشدون أيديولوجية لن يترددوا في فرضها.

ووسط تنديد دولي واسع، ومخاوف من تبدد آمال التوصل إلى أي حل سياسي للأزمة في البلاد، أطلق حفتر، الذي يقود قوات من الشرق، الخميس 4 نيسان/أبريل الجاري، عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، قابله احتشاد القوات الداعمة لـ"حكومة الوفاق" التي يترأسها السراج، لصدّه. وتزامن الهجوم العسكري على طرابلس مع تحضيرات الأمم المتحدة لعقد مؤتمر شامل للحوار بمدينة غدامس (جنوب غرب ليبيا)، بين 14 و16 أبريل/ نيسان الجاري، ضمن خريطة طريق أممية لمعالجة النزاع في البلد العربي الغني بالنفط. وانطلقت عملية حفتر من 3 محاو، الأول من الجنوب الشرقي للعاصمة عبر مدينتي سرت وبني وليد، والثاني عبر مدينتي الأصابعة وغريان (جنوب)، والأخير عبر مدينتي صبراتة وصرمان، غرب العاصمة. وبعد أن تمكنت تلك القوات من دخول مدن صبراتة وصرمان والأصابغة وغريان دون قتال، باتفاق مع السكان حقناً للدماء، تعثرت عند البوابة الأمنية 27، بين مدينتي الزاوية وجنزور، حيث تم أسر العشرات من عناصرها.

وسيطرت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على "مقر اللواء الرابع" الذي تتخذه المنطقة العسكرية الغربية التابعة لحكومة الوفاق مركزاً لعملياتها، وتحاول قوات خليفة حفتر، التسلل إلى قلب العاصمة طرابلس من منطقة "عين زارة" في المحور الأوسط الجنوبي، حيث تدور في المناطق الجنوبية للعاصمة الليبية، معارك طاحنة بين قوات حفتر وقوات تابعة لحكومة الوفاق، المعترف بها دولياً، حيث سيطرت قوات حفتر على مقر "كتيبة 42" التابعة للوفاق، وكذلك سيطرت على "جامع الجميلي" بنفس المنطقة.

 وفي الجهة الجنوبية بمنطقة العزيزية، سيطرت قوات حفتر على "مقر اللواء الرابع"، الذي تتخذه المنطقة العسكرية الغربية التابعة للوفاق مركزا لعملياتها. وبيّنت مصادر عسكرية من الحكومة، وجود حشودات تابعة لقوات حفتر في مدن صبراتة (70 كلم غربي طرابلس) وصرمان (60 كلم غربي طرابلس)، تمهيدًا للهجوم على مدينة الزاوية غربي طرابلس.

أما في محيط "مطار طرابلس الدولي"، فتسيطر قوات حفتر على الجزء المحاذي لمنطقة "قصر بن غشير"، فيما تسيطر قوات حكومة الوفاق على الجزء الأكبر منه. وتدور أعنف الاشتباكات على محورين رئيسيين جنوبي العاصمة، الأول هو مطار طرابلس الدولي والثاني في منطقتي عين زارا ووادي الربيع، وسط كر وفر من الجانبين.

مواقف الأطراف الدولية والإقليمية من النزاع في ليبيا

عقد مجلس الأمن يوم الأربعاء الماضي، جلسة طارئة ومغلقة استمرت لأكثر من ساعتين لنقاش الوضع في ليبيا، إذ عبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس، خلال مؤتمر صحفي عقده أمام مجلس الأمن، بعد خروجه، عن قلقه العميق من تطورات الوضع على الأرض في ليبيا، ودعا إلى وقف إطلاق النار في العاصمة طرابلس، محذراً من معركة دامية هناك، فيما أكدت السفيرة البريطانية لمجلس الأمن، كارن بيرس أن المهمة الأساسية حاليا هي الحث على وقف إطلاق النار والعودة لمسار سياسي شامل.

وقال غوتيرس "عندما غادرت ليبيا، قلت إنني أغادرها بقلب مثقل وقلق عميق. وللأسف الشديد هذا الشعور ما زال قائماً. لكن ما زالت هناك إمكانية أمامنا لوقف الاقتتال والسماح بالتوصل إلى وقف إطلاق النار ووقف العمليات القتالية ومنع حدوث الأسوأ، والذي قد يعني مواجهات دامية في طرابلس ومحيطها". وشدد الأمين العام على أنه ما زالت هناك فرصة للتوصل إلى حل، مؤكداً في الوقت ذاته على أنه "على جميع الأطراف أن تستوعب أنه لا يوجد حل عسكري في ليبيا وأن الحل في العودة إلى المسار السياسي".

وعبر غوتيرس عن دعمه لمجهودات مندوبه لليبيا، الدكتور غسان سلامة. وأضاف أنه يشعر بقلق شديد حول أوضاع اللاجئين في ليبيا العالقين وسط تلك الأوضاع الصعبة. وأضاف "شعرت بسعادة أن مفوضية اللاجئين تمكنت من إخلاء إحدى معسكرات الاحتجاز ولكن هناك قلق جدي فيما يخص حياة الليبيين واللاجئين والمهاجرين في المدينة، وهذا سبب آخر بالنسبة لنا للعمل على وقف الاقتتال". ونوه حول دور مجلس الأمن قائلا "إنه على مجلس الأمن (المسؤول عن الأمن والسلم الدوليين) أن يقرر ويتحدث عن الخطوات التي يريد اتخاذها. مهما يكن فإنه من الواضح بالنسبة لي أننا بحاجة للعودة للحوار السياسي، ولكن هذا غير ممكن دون وقف كامل للأعمال القتالية".

ولا يتوقع المحللون المتابعون للشأن الليبي، أن يتخذ مجلس الأمن قرارًا يحظى بالإجماع، طالما روسيا وفرنسا يملكان حق الفيتو وهما يدعمان حفتر بشدة وراضيان عن حربه على طرابلس، أما الولايات المتحدة الأمريكية، فمن الواضح أنها غير جادة في إنهاء الحرب خصوصاً بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة، ومحاولته التأثير في القرار الأمريكي كي لا يتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه الحرب في طرابلس.

وهكذا، وفي ضوء الحرب الدائرة في مدينة طرابلس، ظلت المواقف الدولية على انقسامها، لا سيما ما يتعلق بالتنافس الفرنسي الإيطالي، إذْ إنّه خلال فترة ما بعد مؤتمر باليرمو نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، حاولت إيطاليا توسيع علاقتها مع الليبيين لتشمل حفتر، لكن كثافة الدور الفرنسي أحبطت تطلعاتها. وهناك فاعل دولي جديد أصبح منخرطاً في الأزمة الليبية ألا وهو روسيا، التي بدأت في تبنّي مواقف مماثلة لفرنسا، وتخلت عن حيادها في مجلس الأمن، وهذا ما يعمل على تشكيل توازناتٍ جديدةٍ في المسألة الليبية.

في تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية يوم الأربعاء الماضي، لمحررها الدبلوماسي باتريك وينتور، جاء فيه أن المسؤولين البريطانيين لاموا الحلفاء الخليجيين في النزاع الأخير في ليبيا. وينقل وينتور عن وزيرة الخارجية في حكومة الظل، إيميلي ثورنبري، قولها في أثناء مناقشة برلمانية، إنَّ الأزمة في ليبيا تعود إلى قرار الناتو الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي عام 2011، وهو تدخل وصفه الوزير في الحكومة مارك فيلد بـ "الكارثي".

ويستدرك التقرير بأنَّ الدعم الذي قدمته السعودية والإمارات العربية المتحدة للجنرال حفتر هو الذي ربما تسبب بعدم ارتياح لدى وزارة الخارجية، مشيرًا إلى أنّه بحسب أبحاث وزارة الخارجية البريطانية، وكذلك تحقيق لجنة في الأمم المتحدة، فإنَّ الإمارات العربية المتحدة هي أكبر داعم لخليفة حفتر، أملا في تقديمه على أنه قيادة معادية للجهاديين. وينوه الكاتب إلى أنّ الحكومة البريطانية نشرت العام الماضي تقييمها حول ما حدث خطأ في ليبيا، وتوصلت إلى أنّ "أكبر رصيد لحفتر هو الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي حظي به من الإمارات العربية المتحدة ومصر، الذي فاق أي دعم لقيه أي من اللاعبين على الساحة الليبية".

وتفيد الصحيفة بأن تقارير أممية للجنة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا وجدت أنّ الإمارات ومصر قدمتا السلاح لحفتر، وبدرجة أقل زودت كل من قطر وتركيا السلاح إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية التي تدعمها الأمم المتحدة، لافتة إلى أن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا فرض عام 2011، ثم شدد في عام 2014.

تعقيدات الأزمة الليبية

يزداد المشهد الليبي تعقيدًا من يوم إلى آخر ومعه تتضاعف الأخطار المحدقة بالمنطقة والعالم انطلاقًا من ليبيا، التي أصبحت اليوم دولة فاشلة ومنهارة، ومرتعًا للميليشيات المسلحة التي لا تؤمن بإعادة بناء الدولة الوطنية التوافقية، وفي ظل فشل جلسات الحوار وعدم التوصل لحلول توحد الأطراف المتنازعة أمام تضارب المصالح الداخلية والخارجية. فبعد ثماني سنوات مرّت على ما يسمى "ثورة" 17 فبراير/شباط2011 في ليبيا، التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، لكن لم تلبث أن أدخلت البلاد في أتون حرب وصراعات مسلحة ما زالت متواصلة حتى اليوم، فشلت الحكومات التي تعاقبت على الحكم في معالجة ملف الانفلات الأمني وانتشار الجماعات المسلحة وغرقت في الفساد، ما وضع البلاد على حافة الإفلاس.

الأزمة في ليبيا اليوم أمام منعرج حاسم وليس أمام الأطراف الليبية ترف مزيد إضاعة الوقت بل ليس أمامها غير الانتصار للمصلحة الوطنية وتجنيب الأجيال القادمة كل مخاطر الضياع، والتحلي بروح العقلانية السياسية. فسيادة ليبيا تبقى اليوم الخطر الأكبر وهي مسؤولة الأطراف الليبية قبل أي طرف اخر. وفي نهاية المطاف ما يهم القوى الدولية المعنية بمسار الأزمة الليبية لا يتجاوز حدود ضمان مصالحها الجيو/استراتيجية وضمان تدفق النفط بأقل التكاليف والتخلص من تداعيات سفن الموت واللاجئين في البحر المتوسط، ومتى توفر لها ذلك سواء بقيت ليبيا موحدة أو انقسمت، فإنّها لن تهتم بشكل الخارطة الليبية.

هناك عقبات بنيوية تحول دون بلورة مرجعية وطنية ليبية تنجدل تحتها كل المكونات الليبية السياسية والقبلية والعسكرية، ومنها:

أولاً: تعقيد الأزمة الليبية منذ انطلاقتها في سنة 2011، بعد التدخل العسكري لحلف الأطلسي لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، إضافة إلى عسكرة "الانتفاضة"، لأنها كانت تخدم مصلحة المجموعات الإسلاموية المتطرفة، لكن الانقلاب في المواقف حصل بصورة أكثر جذرية عندما وصلت حركات الإسلام السياسي المتحدرة من "الإخوان المسلمين" إلى السلطة في كل من تونس ومصر والمغرب، التي باتت تدعو بحماس التدخل الأطلسي في ليبيا الداعم لما بات يعرف في ذلك الوقت بـ"الثوار الليبيين".

ثانياً: إن من تداعيات التدخل العسكري الغربي في ليبيا، أنه خلّف بعد إسقاط نظام العقيد القذافي ميليشيات إسلاموية مسلحة مستعدة لتقسيم البلاد بين قبائل الشرق وقبائل الغرب، إضافة إلى حرب أهلية متواصلة تغذّيها الخلافات القبلية، وارتباط القوى السياسية الليبية بالمحاور الإقليمية والدولية، التي عادة ما تتعارض مصالحها. فالتدخل العسكري الأطلسي قاد إلى انهيار مؤسسات الدولة والتي بانهيارها تحولت ليبيا إلى مرتع للميليشيات، وانتشار 42 مليون قطعة من السلاح لا زالت تحت سيطرة ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة، في بلد هو أحوج إلى توافر الدواء والغذاء، حيث وصلت كمية كبيرة من هذه الأسلحة إلى تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي "، ووزع عبر عدة بؤر توتر.

إضافة لخطورة السلاح الليبي المنتشر داخل بلدان دول الجوار لليبيا، هناك الخطورة الأخرى التي لا يزال تنظيم "داعش" الإرهابي يمثلها، إذ كشف الخبير الجزائري الدكتور أحمد ميزاب رئيس اللجنة الإفريقية للسلم و المصالحة، لصحيفة "الفجر" الجزائرية، عن وجود 8آلاف إرهابي في ليبيا، يهددون أمن دول الجوار، في تعليقه على حديث "أفريكوم" عن أن عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي المتبقين في ليبيا الذي لا يتعدى بضع مئات بعد تراجع أعدادهم من 5آلاف، بأنه  يرمي "لإثبات نجاعة التدخل العسكري الأمريكي الجوي في سرت، التي نفذتها قوات تابعة لحكومة الوفاق الليبية بدعم من القوات الأمريكية". وفي مقابل ارتفاع عدد الإرهابيين المنضويين في تنظيم "داعش"، سجل الخبير الأمني الجزائري تراجعاً مهماً في عدد المقاتلين التونسيين في التنظيمات الإرهابية، مرجعاً أسباب هذا التراجع إلى أن معظم المقاتلين تم القضاء عليهم في بؤر التوتر، أما جزء آخر فقد عاد من حيث أتى.

ثالثاً: إن اتفاق الصخيرات لم يشكل مرجعية وطنية لجميع الأطراف الليبية، بل إن المخولين بالتوقيع من الجسمين "المؤتمر الوطني العام" (أو برلمان طرابلس)، و"البرلمان" (برلمان طبرق) أعلنا في وقتها أنهما في حِلّ من هذا الاتفاق، لِيوقَّع بعدها بأعضاء من كليهما بمخالفةٍ للجسم الأم، معتمدين على مبدأ المغالبة والأمر الواقع، وليس التوافق، ليصير بعدها أمراً واقعاً، تتعامل بمقتضاه الدول الداعمة له، والتي غضّت النظر، ولو جزئياً عن الاختلاف الناشئ عنه، وبدأت تتعامل مع المجلس الرئاسي المنبثق عنه، كسلطة تنفيذية وحيدة في البلاد .

خاتمة

إنّ الحلَّ في ليبيا لا بد أن يكون داخلياً، وعن طريق التوافق بين جميع الليبيين، وأن حكومة الوفاق الوطني الحالية يجب أن تضع في حسبانها أن التشكيلة الحكومية لن تنجح إن لم تكن متوازنة، وعليها أن تحتكم إلى الكفاءات، وليس إلى الجهويات أو إلى اعتبارات أخرى، وأن تعتمد على مبدأ المواطنة، لأن ليبيا لجميع الليبيين، وبالنسبة لمختلف القوى السياسية الليبية فينبغي عليها أن تقاوم أي تدخل أجنبي في ليبيا، وتقحم مجلس القبائل في أي تسوية سياسية، لأن الصراع في ليبيا ليس صراعاً سياسياً، بقدر ما هو صراع جهوي أيديولوجي قبلي، وهو ما يستدعي حواراً شاملاً، ومصالحة اجتماعية تتبناها القبائل، ويتبناها كذلك المجلس الأعلى للقبائل الذي يبقى له دور هام في التنسيق بين المدن، وكذلك مع دول الجوار(مصر وتونس والجزائر)، في محاربة الإرهاب، وحماية الحدود، ودعم حكومة الوفاق الوطني، والمطالبة بعودة المهجّرين، والاحتكام إلى الصندوق، ورفع الغطاء عن جميع الميليشيات المسلحة، ولا بدّ من هذه التسوية التي باتت ضرورة لحل الأزمة في ليبيا حتى لا تكون عرضة للانقسام ولمزيدٍ من الضياع.

 

إخترنا لكم من العدد