مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

لمنْ أزرع في البحر‏ بساتين المحار؟!

غسان عبد الله

زهرةُ العمرِ أفاضتْ‏ في ربوع القلبِ تفّاحاً‏ أضاءَ الهيكلَ الطينيّ بالأشواق‏.. خلاّني زماناً‏ عاشقاً أجتازُ‏ ما شئتُ.. فمِنْ يومي‏ كتبتُ الوجدَ ديواناً جميلا.. وفرشتُ القلبَ بالنعناعِ‏ للآتين إن يوماً أرادوا‏ غبطةَ الأرواح‏.. أو شدّوا رحالَ الشوقِ‏ للأفراحِ فاستلوا وميضاً‏ يبعث الذكرى‏ ويجلو ظلمةً مسّت عقولا.. عاشقاً كنتُ.. وأبصرتُ ممّراً واحداً‏ يوصل الشمسَ إلى كهفِ الغروبِ وطريقاً يوصل النفس‏ إلى ظلٍ بعيدٍ حيث لا تحيا إذا شاءت‏ كما تهوى‏.. فتمضي في أتون الصمت‏.. يُدمي قيدها حتى تموتَ..‏ هكذا شبّهت نفسي‏ مثل غيري..‏ فالهوى فينا جميعاً‏.. وبنا شوقٌ لأن نحيا‏ كما شئنا‏ بلا حزن على ما فات‏ أو خوفٍ من الآتي‏.. فكنْ يا خوفَنا أمْناً رحيماً‏ وابتعد عنّا قليلا‏..

لا تزْرنا في ليالينا الطويلة‏ حيث نشوي الوقتَ‏ فوق النار‏ نحكي عن بطولاتٍ حفظناها‏ وأخرى لم نزل نبني لها‏ جسراً طويلا..‏ فابتعد عنّا قليلا..‏ لنرى فصلاً جديداً‏ من فصولٍ قد كتبناها‏ ومثّلنا بها الأدوار‏ كلٌّ يبتغي دوراً بديلا‏.. وبنا شوق‏ لنبقى فترةً أخرى‏ نسوّي ما بنينا من خيالاتٍ‏ وما بالوهم أصْعَدْنا نفوساً‏ للعلى تمشي بريش الكبرياء..‏ ثم حطت في وهاد الصمت‏ تستفتي الظّنونا‏.. وترى في الشك برهاناً‏ يدير النّور في الأعماق‏ علّ الشك يسقينا اليقينا..‏ فابتعد يا شكنا‏ عنا قليلا..

يا عُمري الذاوي في غياهب الصمتِ.. رويدَكَ.. لم أصلْ آخر ما أرجوه‏ أو حتى بدايات التّمني‏.. فالبدايات جعلتُها‏ بلا سقفٍ فطارت‏ في دخان الأفق‏ واستعصت عليّ‏.. والأماني تشتهي لمَّ الأماني‏ من جهاتٍ بعثرتني‏ في جهاتٍ لا أرى حدّاً لها..‏ مثلي ضاعت‏ وضيَّعْتُ إلى الشوقِ السبيلا..‏

فلكي أمشي بشوقٍ‏ فابتعد يا قاتلَ الأشواق‏ عن أشواقي شيئاً قليلا..‏ إنها الأبواب‏ تفضي نحو دربٍ‏ يوهن الخطو‏ ولا يدني إلى ركنٍ‏ يقيني.. شر أفعى تتلوّى‏ في ثقوب النفس‏ تأتيني إذا نمتُ ككابوسٍ‏ يهدّ النّوم في أحداقي‏ فيظل السّهد في الأقفاص‏ يشكو لحظةً ألقت عليّ‏ موتها‏.. والذي من تحتها موتٌ‏ ينادي في اصفرار الوقت‏ سراً قد تنامى في عذابات التراب..‏ إنّه الماشي إليّ‏ ليساقيني العذاب‏.. أو لينهي آخر المشوار‏ في بحر تساقطي به صريعا‏، فلا أدري‏ أكنتُ قاتلَ الأحباب‏.. أمْ أحبابي كلٌ مضى‏ يبكي قتيلا‏!؟..

فلمنْ أشكو إذن!‏ ولمنْ أزرع في البحر‏ بساتين المحار؟!‏ ولمنْ أفتح في الآفاق أبواباً لدهشات العيون‏؟! ولمن أشعل من أوجاعي‏ شمعاً‏ وأجني من خلايا الجرح‏ أزهار السنين‏؟.. ولمن أترك حزن الناس‏ إن غبتُ.. ومَنْ مِنْ بعدي‏ يبكي على أيامي‏؟!..

سوف لن تحمل أرض‏ مرةً أخرى‏.. وفي أحشائها حملٌ ثقيلٌ‏.. كان يوماً فوقها‏ حملاً ثقيلا‏.. فابتعد عني قليلا‏ أيها الموت الذي فيَّ تنامى‏ منذ أن كنتُ صغيراً أرسم الدنيا طيوفاً للأماني وأرى في الغيم أشكالاً‏ أسوّيها كما شئتُ‏.. أُسُوداً‏ أو حمائم‏ أو جبالاً من ثلوجٍ‏ تنزف الأبيض‏ للأرواح بشرى‏.. أو غنائم‏ والرؤى من حولي تكبر‏ أشجاراً‏ وأحجاراً‏.. وذكرى..‏

 لم أكن أدري بأن الموت يرعى‏ في دمائي‏ هائجاً يأكل ما آكُلُ‏ يمشي إن مشيتُ‏.. ويظل الليل سهراناً‏ إذا نمتُ‏ ويبقى حارساً دوماً عليَّ.. دائماً أرجوه أن يمضي‏ فلا يمضي بعيداً‏.. دائماً أرجوه أن ينسى‏ فلا ينسى وعوداً..‏ دائماً أبغي له موتاً‏ فيحيا‏.. حينما يمضي بي للموتِ‏ جيلاً يقتفي بالصمتِ جيلا‏.. لا يبالي‏ أيمتى يغتالُ.. ليلاً أو نهارا‏.. حيث أعطى حرفة القتل‏ لمن في قلبه البركان‏ بالأحقاد يغلي‏.. مرةً يقذف سُمّاً‏.. ثم مراتٍ يصب الحقد نارا‏.. ولأنّي قد رجوتُهُ كثيراً‏ علّه يبعد عني لو قليلا‏.. فأبى واشتد قرباً‏ وغروراً..‏ ولذا أدعوه منذ الآن‏ أن يدنو قليلا‏.

 

إخترنا لكم من العدد