مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

لا شرقية ولا غربية.. بل إسلامية!!

غسان عبد الله

 

إن تجزئة العلاقة تجاه "الشرق" و"الغرب" بالنسبة للعالم الإسلامي هي أولاً وقبل كل شيء، تجزئة ذاته الثقافية والسياسية. فإذا كانت علاقة العالم الإسلامي "بالشرق" و"الغرب" فيما مضى مبنية على أساس تلقائية حاجاته المتراكمة في مجرى تجربته الثقافية،‏ بوصفها نتاجاً‏ طبيعياً ‏لوجوده المنظم في "أمة وسط" ثقافية تعي حدودها الداخلية والخارجية، وتفعل (داخلياً وخارجياً في كافة الميادين وعلى كافة المستويات) بمعاييرها وقيمها الخاصة، فإن الأمر تغير بعد انحلال الكيان الإسلامي المستقل.

فقد أدت تجزئة العالم الإسلامي إلى جعله كيانات سياسية متباينة (من حيث قوتها وضعفها) ومعزولة لحد ما عن بعضها البعض ثقافياً (إذ لا تجمعها هموم فكرية وعقائدية في ميادين الدين والسياسية والفلسفة والأدب..) إننا نستطيع أن نتكلم على سبيل المثال عن إسلام في روسيا وآخر في الصين، إسلام في أوروبا وأمريكا، إسلام في جمهوريات آسيا الوسطى (تركستان) وطاجكستان، إسلام في تركيا، إسلام في أندونيسيا، إسلام في إيران والعالم العربي، وإسلام في أفريقيا. وهو إسلام له جذوره العقائدية (الإيمانية) العامة، إسلام متوحد في العبادات فقط، متغاير متباين ومختلف في الثقافة. من هنا ضعفه الشديد على تقديم رؤية بديلة وصياغة مرجعيات "مجمع عليها". بينما الإجماع على المرجعيات ممكن في ظل الوحدة الثقافية فقط. وهي مفقودة.

إن الأسباب الجوهرية القائمة وراء فقدان العالم الإسلامي المعاصر لمرجعيات مجمع عليها تعود إلى فقدانه تاريخاً سياسياً ودولتياً مستقلاً ومتناسقاً في مكوناته الثقافية (وبالأخص منذ صعود الدولة العثمانية، وذلك بسبب إفراغها الإسلام من مضمونه الثقافي). وكشفت هذه الأسباب عن وجهها الحقيقي في القرن التاسع عشر (الأوروبي).

فقد تبين بوضوح غيبوبة التاريخ الإسلامي المستقل منذ ذلك الزمن. لهذا أصبح الدوران في فلك الزمن الأوروبي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وفكرياً أمراً محتوماً. أي أصبح العالم الإسلامي في كياناته المتناثرة أقماراً تابعة في فلك المعاصرة أو نيازكَ ساقطةً عنه، شعاعها ليس لها، وسقوطها "أمرٌ طبيعيٌ".

لقد أدى ذلك إلى اختفاء تجربة ثقافية هائلة، وانقطاعها عن "روح المعاصرة". في حين تفترض المعاصرة النفي الإيجابي لتجارب الأسلاف. بينما أخذت تتغلغل التجربة الأوروبية في رصيد الفكر السياسي والاجتماعي والحقوقي والسلطوي المعاصر لمؤسسات وسلطات وأحزاب ورجال العالم الإسلامي.

أدى هذا الواقع إلى انحصار تجربة العالم الإسلامي في نظره وتعامله مع الغير، بالغرب الأوروبي. أي أدى إلى أن تصبح مرجعيات الغرب الأوروبي معقولة (نظرياً) ومقبولة (عملياً). ولا يعني ذلك في الواقع سوى اجترار نفسية الاستلاب الحضاري وإعادة انتاجه بصيغ تقليدية جوفاء.

وأدى هذا الواقع أيضاً إلى أن يكون "الشرق" مجهولاً، بعد أن جرى دمج العالم الإسلامي فيه (الشرق). وهي مفارقة مزدوجة في الجهل الذاتي. بمعنى دمج العالم الإسلامي في "الشرق"، وجهل العالم الإسلامي بالشرق.

إن تحرير العالم الإسلامي من هذه المفارقة المزدوجة للجهل الذاتي يفترض أولاً وقبل كل شيء تحريره من "الشرق" و"الغرب"، بالرجوع إلى المرجعية التاريخية ـ الثقافية في "الأمة الوسط"، وإعادة تأسيسها عقلانياً وأخلاقياً في العالم المعاصر.

إن إشكالية العلاقة "بالشرق" بالنسبة للعالم الإسلامي المعاصر هي إشكالية تأسيس تلقائيته الثقافية. إذ عليها تتوقف موازنة العلاقة السليمة "بالشرق" و"بالغرب" وتجانسها. وذلك لأن هذه التلقائية الثقافية وحدها فقط تستطيع تفعيل "الحكمة الخالدة"، التي تراكمت في تجارب "الأمة الوسط" والقائلة بضرورة إعطاء الأولوية للصفة الأكثر امتيازاً في تجارب الأمم والثقافات والبقاء في حيز الأصالة الثقافية.

ذلك يعني أن العلاقة السليمة "بالشرق" تفترض صياغة مشروع جديد عن الأمة الوسط، يستمد عناصره الثقافية من تاريخ الإسلام، مع إدراك عميق وشامل لإشكاليات العالم المعاصر واتجاه تطوره.

إننا نستطيع العثور في الوعي الثقافي "الشرقي" على عناصر جوهرية كبرى مشتركة مع الثقافة الإسلامية مثل العقائد الكونية، روح الجماعة، العدل والاعتدال، قيمة التقاليد والسلف الصالح، أولوية الروح. وهي عناصر يمكن أن تبني جسراً عضوياً بين الإسلام و"الشرق". إلا أن بناءه يستلزم أولاً وقبل كل شيء وجود نظام من المرجعيات السياسية والثقافية في العالم الإسلامي مجمع عليها، أي معقولة ومقبولة من جانب الدولة والقوى الفكرية والسياسية الفاعلة والمؤثرة في المجتمع.

إن بناء العلاقة المفترضة بالشرق هي محك جديد بالنسبة للعالم الإسلامي. إنها تقدم فرصة "مهملة" وخطيرة في نفس الوقت، أمام العالم الإسلامي لترتيب وجوده الذاتي، وللمساهمة الفعالة في بناء عولمة ثقافية ـ سياسية جديدة.

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد