مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

حولَ الدّينِ والعصرِ والتّأويل بينهُمَا

 

ما زال الإسلام يعيش في لجّة السجالات الفكرية الدائرة عربياً وعالمياً، وما زال يأخذ الحيز الأكبر من الحوارات والجدالات ومجمل النقاشات في مختلف الأروقة السياسية والثقافية..

ولولا عمق تأثير هذا الدين والتراث الإسلامي في الوجود البشري، وضخامة الحواشي الفكرية والكلامية التي أثارها كثير من المفكرين والمراجع والفلاسفة ممن انتموا إليه أو أخذوا عنه منذ قرون عديدة إلى يومنا هذا، ما كان له هذا الصدى الكبير والحضور المباشر في واقع حياة العالم المعاصر، سلباً أم إيجاباً.. فالكل يتحدث عن الإسلام والتراث، بصرف النظر عن معاني هذا الحديث وطبيعته وخلفياته وكواليسه.. نعم باتَ الإسلامُ والتراث الإسلامي حاضراً بقوة على كل الموائد السياسية والمنابر الخطابية والمؤتمرات العالمية حتى لو كانت تتحدث عن الأمن أو عن التنمية وغيرها.. فمن أين جاءت قوة هذا الحضور؟ وهل بإمكاننا تحويله لحضور غني متفرد من حيث القيم والمعاني القيمية الإنسانية والتنوع الحضاري الإنساني؟!!.. على الرغم من كل ما في واقعنا العربي والإسلامي من تخلف ورثاثة، ويأس وإحباط وخيبات أمل يمكن ملاحظتها من خلال نظرة بسيطة ودونما كثير تدقيق، فيما نقرأه ويُكتب على صفحات النت أو في الصحف والأخبار وغيرها من المنصات التواصلية، وما يقوله الناس عموماً على مختلف المنابر الإعلامية والثقافية، بما يجعلنا نعتقد أن المجتمعات العربية والإسلامية – ولشدة تأخرها وتخلفها - تسير عكس سير حركة المستقبل.. مع أنّ كل الأمم والمجتمعات المتقدمة تفكر بمستقبلها وتستشرفه، إلا نحن العرب ما زلنا نتخبط في واقع قائم مرير للغاية، لم نصل فيه بعد لتحقيق أبسط درجات وأدنى معايير ومعاني الإنسانية الحقيقية..!!.

في الواقع، في حديث الإسلام والتراث الذي تفرّع عنه، هناك نوعان من التراث الديني أولهما تراث ثابت ومقدس وهو كلام القرآن ومجمل المبادئ الكلية والأصول العامة المتعلقة بها الممثلة للدين الإسلامي، والآخر تراث ديني متغير غير مقدس، يدور ويتحرك في الزمان والمكان، ونعني به مجمل أقوال ونصوص التفسير الديني المتعلقة بالمعاملات والحدود والأحكام المتغيرة، وكل ما يتصل بحركة الإنسان في الواقع في علاقاته وتدبيراته وشؤونه ومعاملاته وفعالياته المتنوعة.. والأصل فيها الحرية والإباحة إلا ما ألحق منها ضرراً بالنفس وبالآخر.

هذا التّراثُ المتغيّر ليس مقدساً إطلاقاً كما قلنا سابقاً، لأنه عبارة عن قراءة اجتهادية جرت في زمن ما له ظروفه وأوضاعه وخصوصياته؛ وهي قراءة واحدة من جملة قراءات متعددة ومتنوعة وعديدة للدين كنص مقدس، وتفسير من جملة تفسيرات للنصوص الدينية الحمالة لأوجه مختلفة.. والقراءات للفكر الديني متنوعة ومتعددة بتعدد أصحابها وقنواتها والبيئة العاملة فيها والمتأثرة بها سلباً أم إيجاباً، لأنها مرتبطة في العمق الفكري والروحي بثقافة الإنسان نفسه وطبيعة عيه ومداركه وقابلياته، وظروفه وخصوصيات مجتمعه الذي يعيش فيه، ويمارس حياته من خلاله.. أي أن هذه الأحكام والاجتهادات التي تصدر من هذا الفقيه القارئ أو ذاك هي لا شك متحركة ومتغيرة بحسب العادات والتقاليد والأعراف والزمان والمكان والثقافة السائدة وغيرها من الارتباطات المحدودة.

والإنسان بالطبع كائن أرضي نسبي يتطلع دوماً للمطلق وللكمال الممكن له.. لكنه محدود الوسائل والإمكانيات والقدرات، وهو لا يعيش في المطلق المجرد بل في الواقع الأرضي النسبي المحدود والمنمّط والمقيد دوماً بمحددات زمانه ومكانه.. والأديان جاءت لخدمة هذا الإنسان في هذا المجال للمساهمة في تمكينه، ولتحسين شروط وجوده على الأرض، من خلال مساعدته على تحقيق قيم الحق وإقامة ضوابط العدل وسلوك طريق الخير والصلاح والرشاد الروحي والمادي.. وهكذا فكل تلك المعاملات والحدود اسمها "شريعة" وهي متغيرة.. أما الدين بمبادئه الكلية فهو الثابت والمعياري، كمبدأ العدل والحرية والمساواة ونشر الفضيلة وقيم الخير والسلام الاجتماعي.. هذه الكليات إذاً لا تتغير ولا يجري عليها قانون التبدل والتغير والنسبية مهما دار الزمان والمكان لأنها ترتبط بالمطلق، ولكن تجلياتها وتمثلاتها على الأرض هي المتغيرة وهي التي تتحرك مع حركة الإنسان في طبيعة مستجداته وتغيرات عصره.

وهنا تكمن أهمية العقل ودوره الوظيفي الحيوي في عملية الاجتهاد والتشريع والبناء والتطوير، حيث ذكر القرآن كلمة العقل، والتعقل والتدبر والبصر والإدراك والبصيرة والتفكر وغيرها من الكلمات والألفاظ التي لها علاقة مباشرة بالعقل والعقلانية، مئات المرات في كتابه الكريم.. وهنا تحضرني كلمة أو حديث مهم للرسول الكريم(ص)، يقول فيه: "إنّ لله على الناس حجتين، ظاهرة وباطنة، فأما الحجة الظاهرة فهم الأنبياء، وأما الحجة الباطنة فهي العقل".. فالأنبياء رسل الله من الخارج، والعقل رسول الله من الداخل.. فهل نحن بمستوى أهمية هذا الحديث؟!!.. وعندما لا يكون هناك رسل أو أنبياء.. ماذا نفعل؟!! وأين هي عقولنا ومداركنا؟! هل استفدنا منها ولو بنسبة واحد بالمائة؟!! أو أننا ربما أعطيناها إجازة مفتوحة للراحة والسكون والعطالة شبه الأبدية.. انظروا إلى واقعنا العربي والإسلامي عموماً..!!.. إنه واقع اللا عقل واللا تفكير، واقع تسوده العبثية والفوضى والخراب الفكري والبؤس العلمي، تبدد فيه ثروات العرب على نزعات التسلط والهيمنة والشهوات الغضبية للأسف.. نحن نعيشُ في مجتمعات تتعب من التفكير وتحريك العقل، مجتمعات تئن بسرعة، وتشتكي بسرعة، وتقف عند أول عقبة بسيطة في طريق العمل والتغيير والبناء الصحيح المتوازن.

من هنا، وحتى يكونَ واقع المسلمين حالياً ومستقبلاً هو واقع العمل والإنتاج والفاعلية الحضارية، وواقع الحضور المنتج والمؤثر في هذا العالم (الذي لا يقدر ولا يحترم غير المستقلين الأقوياء والأكفاء)، فإنّ أحوج ما تطلبه أوطاننا وبلداننا - في مواجهة متغيرات وتحديات العالم كله، وقد أصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه - هو العمل على إدارة هوياتنا وأفكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار أفكار وسبل عيش جديدة من الصيغ والمهام أو الطرق للتمكين والفاعلية والحضور.. أما ثقافة الإقصاء والتقديس الأعمى لطروحات نصية هي بالأساس آراء واجتهادات ظنية تفضي حتماً إلى بروز أكبر وأعلى لثقافة التطرف والعنف وإشاعة مناخات التعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد إلى الوراء دونما عقل وعقلانية، فمآلها الحتمي عربياً أو عالمياً هو تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مأزق إلى آخر، ومن صدمة إلى أخرى، ومن خسارة إلى خسارة أكثر فداحة.

ولا شك أن المدخل لذلك كله هو تثمير علاقتنا مع التراث المتغير وقراءته عقلياً في ضوء التراث الثابت الذي أعطى للمجتهد مساحات واسعة لا حدود لها للتحرك العقلي والعلمي، وإعادة فتح مغاليق التراث الديني المهيمن والمتحكم بالفكر والسلوك، والذي يدور - في كثير من معالمه ومناحيه - وفقاً لتعاليم قديمة أو تأويلات دينية مستحدثة غير واقعية وغير صحيحة وغير مفيدة، وربما تَحدُّ من قدرة وفاعلية الناس والأمة على العمل والإبداع والابتكار، بحيث يركز أصحاب تلك الخطوط القديمة بصورة دائمة على قضايا التحليل والتحريم الضيقة مع نسيان شبه كلي لمجال السلوك الاجتماعي الواسع.

من هنا نحن نعتقد أنه لا قيامة لنا ولا نهضة لمجتمعاتنا إلا بوعي التراث وعياً عقلانياً، من داخله، وهذا ما يوفر لموضوعة "النهضة والتقدم والحضور القيمي الإسلامي"، الخلفية الفكرية والمنهج النظري الحضاري والبناء القاعدي المحترم من جانب الأتباع، ويعطي القناعة الذاتية للأفراد التي ستسير على ضوء تلك المناهج التي يوالونها ويؤمنون بها. أي أن النهضة لا يمكن إنجازها لمجرد وجود مشروع لها، بل لا بد من توفّر الإرادة والإحساس العالي بالمسؤولية الرسالية.. حيث أنه من المعروف أن جدوى المشاريع تقل وتتقلص، إذا لم تتوافر لها الإرادات الثابتة القوية، قبل توفر الأرضية اللازمة.

إذاً، إنّ معادلة التقدم والنّهضة المنشودة تبدأ من الداخل الفكري والاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي (الذي هو التراث المنتج والفاعل بالعقل والمثاقفة والحوار النقدي)؛ أي أنها تنطلق من البحث الجدي عن مظاهر الخلل الكامنة، وهي قائمة بدايةً في الفكر والثقافة لتنتهي في السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ولهذا نقول بأنّ شرط التقدم الصحيح ينطلق من خلال بناء الداخل على أسس متينة وصحيحة من المشاركة والوعي والمعرفة والتنمية السياسية والاقتصادية للفرد والأمة ككل.. لأنّ المجتمعَ المريضَ المثقل بالهموم والشجون واليأس والكسل والتقاعس ومختلف التشوهات الذاتية، والذي يستهلك طاقاته وقدراته على طرق لا معنى لها، غير قادر على تبنّي خيار النهضة والتزام السير في طريقها، وتحمُّلِ تبعاتها وتحدياتها، وهو بذلك قد يتمكن من إحداث خلل ما في معادلة النهضة التي لا تزال الدول المتقدمة (التي وضعت "الإنسانَ - الفرد" في موضع القلب من تفكيرها وممارساتها وتطبيقاتها) تمتلك وتقبض على نواصيها بالعلم والعقل والنقد المعرفي والمساءلة العملية.

نبيل علي صالح

 

 

 

إخترنا لكم من العدد