مجلة البلاد الإلكترونية

إلى مملكةِ الشّرِ: "ازرعي ما شئتِ.. فلن تَحْصُدي سوى الشّر"

العدد رقم 176 التاريخ: 2019-04-20

نكاد اليومَ لا نشهدُ سوى.. "موتِ القارئ"!!

غسان عبد الله

إن المفاهيم الوافدة على ثقافتنا، بما فيها الإنشائية أو الأدبية أو الشعرية و"التناص" وغيرها، غير مؤسَّسَةٍ في النقد العربي القديم، ناهيك عن الحديث؛ إذ لا يعدو الأمر أكثر من "نقل" عن المصادر والمراجع الغربية، عند من رزقوا حظاً أو حصلوا نصيباً من اللغات الأجنبية.

ولعلَّ هذا ما يفسر كون الأخذ بمفهومٍ لم يتأسسْ بعدُ لا يخلو من بعضِ مجازفةٍ، ومن قَدْرٍ غير يسيرٍ من المغامرة؛ بل هو يمكن أن يُفضي إلى خللٍ منهجيٍّ بسببِ الخلطِ بين التياراتِ والاتجاهاتِ، بدون سندٍ من اختبارِ النصوصِ والاستئناسِ بها. وهو ما لا يمكنُ تلافيهِ، إلا بشواهدَ دقيقةٍ؛ تنمُّ عن حسِّ صاحبِها النقديِّ، ومن غير أن يتّخِذَها مسلّمات، أو يغفَل عن تحليلها، ويحْذَرَ أن يجعلَ منها حجاباً عن أوجهِ الاختلافِ بين النصوص، وهي التي تدور على أكثرِ من شكلٍ من أشكالِ التداخلِ؛ مما يُدْرَك في سياقِ التداخلِ النصيّ بين ثقافتينِ في مستوى أول: ثقافةِ الأذُنُ أو ثقافةِ السلطةِ، وثقافةِ العينِ أو ثقافةِ العقل؛ ثم في مستوى المؤثِّراتِ الأجنبية.

ولعل حساً نقدياً مدرباً، أن ينبهنا إلى أن الزمنيّة الخطيّة لا تُناسِبُ الزمنيةَ الروائيةَ أو الزمنيةَ الشعرية؛ فالأمرُ أشبهَ ما يكونُ بشريطٍ سينمائيٍّ، حيث لا نرى الحَدَثَ في ذاتِهِ، وإنما إعادةَ إنتاجِهِ. إن هذه الزمنيةَ في ثقافةٍ عربيةٍ لا تزال مرتبكةً؛ لا تتوزعُ إلى ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ، وإنما هي ـ على ما نرجِّحُ ـ حاضرٌ أبديٌّ، ولا يحتاجُ الباحثُ أو الناقدُ أو القارئُ شأنُهُ شأنُ الكاتِبِ، إلى أن يُعيدَ إحياءَ "الموتى" (موتانا وموتى الآخر) فهم حاضرونَ في النصوصِ، ونحن نحاورُهم باستمرار. وضمن الوعي بأن الأدبيَّ قائمٌ على التداخل، فإنه منشدٌّ إلى نفسِهِ مثلما هو منشدٌّ إلى سابقِهِ بل إلى لاحِقِهِ؛ إذ هو ينشأ "قرائياً".

إن القراءة ـ ولا نقول النقد، فهذا على ما يبدو اصطلاحٌ ولى زمانُهُ ـ استئنافٌ لإنشائيةِ الأثرِ، والأثرُ الأدبيُّ، وخصوصاً السرديُّ والشعريُّ؛ هو في صميمهِ ذو طبيعةٍ "قرائية"؛ فهو لا ينشأ كتابةً أو تشكيلاً أو تنغيماً؛ ثم يُقرأ. إنما هو ينشأ منذ البداية قرائياً، ينشأُ وهو يَقْرأ موادَّهُ وخاماتِه وكلَّ ما يدورُ في فضائهِ؛ أي في سياقِ ما يُصطَلحُ عليه بمنظومةِ الاستقبالِ أو التلقي.

ولكنّ هذا الأثرَ يَقرأُ ما يَقرأُ أساساً حَسْبَ ما تُمليهِ عليه طبيعةُ جنسِهِ، وبِحَسبِ ما يستعيرُهُ من عناصر من الأجناسِ الأخرى، فلا يمكن أن ننفي لا في "الشفوي" ولا في "الكتابي" التراسلَ أو التجاوبَ أو التناص. وما دام النصُّ يتَسِعُ لهذه الظواهر، فلا ضير أن نصلَ بعضَها ببعضٍ، وأن نتَنَبّهَ إلى أن مَنْبِتَها الأصليَّ هو الأدبُ نفسُهُ. كما أنه لا ضيرَ أن نستدعي إلى مفهومٍ جديدٍ مثلَ "التناص"، ظاهرةً قديمةً كالـ "السرقات"؛ وإن لم تكن بالوضوح الكافي في النقد القديم. ومثلما لا حَرَجَ من تهجينِ الأجناسِ الفنيةِ أو الأدبيةِ، لا ضير أيضاً من تهجينِ المفاهيمِ شريطةَ مراعاةِ قواعدِ التهجين، حتى لا يكون المُنتـَج مِسْخاً.

وحتى لا يحجزنا النظريُّ، نسوق مثالين أحدهما من الأدبِ السياسيِّ، والثاني من الشعر؛ وفيهما نتبَيّن كيف تنتقلُ الأفكارُ والنظرياتُ شأنُها شأنُ الناس، عبر الأفراد والمواقف، وحجب الزمان والمكان، فتطعم الحياة الثقافية، وتغذيها بأسباب الحياة والبقاء؛ وتصنع القارئ الكاتب.

أما المثال الثاني فهو استعارة المرآة في الشعر. وهذه كلمة أغرت السرياليين ومريديهم إذ وجد هؤلاء وغيرهم في صورتها تماثلاً بينها وبين الحلم، وقدرةً على التقاط تحولات الأشياء والكائنات. والقصيدة السريالية كالمرآة ذات سلطان سحري. وكلُّ سحرٍ هو ضربٌ من الدهشة، وكل دهشةٍ هي ضربٌ من السحر. وما بين هذين القطبين يسري ضوءُ القصيدةِ، ويجري في الاتجاهين من السحرِ ومن الدهشةِ إلى السحر؛ فيلتبس الواقع بظلِّهِ، والشيءُ بصورتِهِ، والحقيقةُ بوهمها. والشاعر السريالي هو شاعرُ المفارقات؛ والمفارقةُ احتجابٌ وسفورٌ في آن. وهل شعرُنا العربيُّ في نماذِجِهِ الحداثيةِ اللافتةِ سوى صورةٍ من "مرابِطِ الاختلافِ" هذه أو "الأبدال" أو "محطات الترحيل"؟. ومن ثمة لا غرابة إن كان القناع والمرآة من أظهر الأدوات الشعرية التي توسل بها السرياليون العرب ومن نحا منحاهم.

على أن "المرآة" من حيث هي أداة، بإمكان الشاعر أن يرفعها في وجه الماضي مثلما يرفعها في وجه الحاضر، ليلتقط الكائنات والأشياء من الزاوية أو المنظور الذي يريد وهي ليست أسلوباً في الشعر العربي الحديث. وعلى الرغم من أن شعراءنا ينوّعون مراياهم حتى لا يكاد شيء يفلت منها؛ فإن مرايا المجسدات قد لا تختلف عندهم عميقاً عن مرايا السرياليين؛ فهي عين الخيال التي ترى ما لا يرى، فتخرق قشرةَ الشيء حتى يصبح مرآةً لنفسه، وتصلُ المتخَيَّلَ بالبصيرة؛ فاذا العين "نافذةٌ محفورةٌ في لحمنا، تنفتحُ على قلبنا، فنرى فيه بحيرة شاسعةً وشجرةً كبيرة".

لنقل نحن في الأدب وغير الأدب، لا نرى بعيوننا بقدر ما يُرى بعيون الآخرين، أو عينِ المجتمعِ الذي نعيشُ فيه، حتى الأعمى لا يُستثنى، فصوتُ محدِّثِهِ الحادُّ أو الأجشُّ، يثيرُ في نفسهِ إذ يُدْرِك أنه موضوعُ نَظَر، ردوداً واستجاباتٍ غرزها المجتمع فيه. وهي عادةً ردودٌ واستجاباتٌ خاصةٌ بعالَمِ المبصرين، حيث لا قيمةَ للألوانِ إلا من حيثُ هي حاملةٌ لرسالةٍ أو مشحونةٌ بمعنى، وليس من حيث هي مجرد ظواهرَ بصرية. واللون كالصوتِ مرئيٌّ بِقَدْرِ ما هو مُتَخَيّل؛ فنحن نراهُ بالبصرِ مثلما نراهُ بالبصيرة، بل لعله عرفانٌ صوفيٌّ أو سيماءٌ، أو ضربٌ من السحر والطلسمات؛ قد يكونُ من غاياتِهِ إحداثُ أمثلةٍ وخيالاتٍ لا وجودَ لها في حقيقةِ الحسِّ. وأقدِّرُ أن أكثرَ شعرِنا اليومَ يجري في هذا المجرى، وهو من ثمةَ أحوجُ ما يكون إلى نظامٍ قرائيٍّ مؤسسيٍّ خاصٍ ينهضُ به قارئٌ جديدٌ؛ عسى أن يكون ذاكرةَ لغتِنا قبل أن يكون ذاكرةَ الآخر.

كان بعضُ المفكرينَ وخصوصاً النقّاد منهم ينعَوْنَ منذ عقودٍ قريبةٍ "المؤلِّفَ" ويبشِّرونَ بميلادِ "القارئ"، ولكننا اليوم نكاد لا نشهدُ سوى موتِ القارئ.

 

 

إخترنا لكم من العدد