مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

دعوة للتأمل

غسان عبد الله

التأمل هو سباحةٌ في فضاءات التفكير.. نفكّر في نفوسنا.. نفكر في حقيقة الوجود.. في خلق الله.. في كل مفردات الحياة.. ولماذا خلق الله الإنسان؟ ولماذا سخّر الله لنا الأرض بما فيها من خيرات ونِعَم؟.. ولماذا يجب أن نمعن النظر في تكوين السماوات والنجوم؟.. وما هي علاقة البحر باليابسة؟.. ولماذا يجب أن نفكر في تكوين جسم الإنسان الذي يتركّب من أنظمة متعددة وأجهزة متفرقة؟.. وهل تدبَّرْنا الحقيقةَ المرتبطة بالموت؟ وهل فشِلنا أو نجحَنا في تحقيق التصالح المطلوب بين عقولنا وقلوبنا وأجسادنا وكل ما يحيط بنا في هذه الحياة؟.

كل ذلك يكشفه لنا التأمل الذي هو في حقيقة الأمر نعمةٌ.. قليلٌ من البشر يدرك قيمتَها العظيمة، وممارسةٌ يوميةٌ لفترةٍ محددة يبتعد فيها الإنسان عن الكثير من الأفكار والمشاعر المرتبطة بحياته اليومية ليُسْلِم نفسه للحظات استرخاء يستطيع من خلالها تصفيةَ ذهنه وتنقيةَ مشاعرِهِ من الشوائب بحيث يذهب به التأمل إلى ما هو أبعد من المشاعر والذكريات والأفكار.

والتأمُّلُ هو إحدى الممارسات الروحية والدينية الموغلة في القِدَم، وعادةٌ موجودةٌ في الكثير من الأديان وخصوصاً في ديننا الإسلامي.. فهي عادة الأنبياء والأولياء والصالحين.. فقد كان هؤلاء العظام يمارسون التأمُّلَ عبر جلسات طويلة وصور مختلفة كما حصل للنبي إبراهيم عليه السلام وهو يتأمل النجوم والكواكب والأفلاك، وأيضاً ما كان يفعله الرسول (ص) لليالٍ طوال وذهابه للغار في الجبال وعملية تفكُّره بخلق الله، وذلك التفكُّر بطبيعة الحال يشمل التفكير بمكونات الأرض ومخلوقات السماء حتى يتحقق للإنسان ما هو أهم من التأمل ألا وهو اتصال النفس البشرية بالكون وخالقها عز وجل.

والتأمل أيضاً ممارسة مستمرة تمتدُّ نحو دقائق لتُشعِر الإنسان بالسكينة والهدوء والصفاء، وبتكرار هذه الممارسة على فترات متباعدة وبطريقة منتظمة يستطيع الفرد استرجاع ذاته التي سُلِبت منه بفعل شتى الظروف والأوضاع، ويكتسب المرء شعوراً بالانسجام بين روحه وعقله وجسده، فيتحقق التوازن المطلوب في حياته ويكتشف المعاني العميقة للذات ويترفع عن سفاسف الأفكار ويتجنب العثرات والزلات والأخطاء، بل يوجه اهتماماته نحو أشياء أخرى ذات جدوى له ولعائلته ومجتمعه ووطنه، والأهم من كل ذلك أن روحه ستبحر في هذا الملكوت طالبةً القرب والتودد من الله ربِّها وبارئها وخالق الأكوان.

وهذه الفوائد والمنافع أثبتتها كثير من الأبحاث والدارسات العديدة والمتنوعة التي أجريت في شتى بقاع العالم حيث كشفت الدراسات عن فوائد التأمل الكثيرة على صحة الإنسان بكونها إحدى وصفات التقليل من درجة الضغط النفسي والبدني، ووسيلة لتقليص أو تخفيف الآلام الناتجة من مختلف الأمراض.

وفي وقتنا الحاضر كَثُرَ الحديث عن التأمُّل وكُتِبت مؤلفاتٌ ودُوِّنت أبحاث عن أشكال وصور التأمل، واكتُشِفَت تمارين وطرق ذات صلة بالتأمل مثل الاسترخاء والتنفس العميق والتمارين الرياضية المعروفة مثل السباحة، والمشي وغيرها..

أما أنواع التأمل فهي تنقسم لنوعين فهناك أولاً التأمُّل الداخلي، وهو الذي يدفع الإنسان لتخيُّل ما يحدُثُ داخلَ جسده وقلبه وعقله، وهذا النوع ليس سهلاً لأنّه يؤدّي لحدوثِ الحوارِ الذّاتي داخل النفس الإنسانية ما يمهّد نحو إحداثِ تغييرات تساعد في نهاية الأمر نحو تحقيق التوازن المطلوب بين مكونات الإنسان من روح وعقل وجسد لينعكس بعد ذلك على الفعل والسلوك.

وثانياً هناك التأمُّل الخارجي، الذي يشتمل على استحضار مجموعة من الصور بحيث تلعب المؤثرات الخارجية دوراً في جذب المرء نحو مظاهر التأمل مثل الإنصات إلى التلاوة الخاشعة للقرآن الكريم وكذلك الاستماع إلى الموسيقى الهادئة أو الجلوس على الشواطئ الرملية المعزولة أو محاكاة عناصر الطبيعة كصوت الماء وأصوات الطيور ومنظر الأشجار والنباتات.

وفي النهاية يتبادر للذهن سؤال مهم: لماذا لا يأخذ التأمل وقته الكافي في حياتنا؟ لماذا نبخس لهذه اللحظات والدقائق حقها الطبيعي ونحرم أنفسنا من فائدة ستمكننا بمرور الوقت من مصارحة الذات؟ ولماذا نتكاسل عن البحث عن أشكال وصور وطرق التأمل؟.

الحقيقة تقول: "إن التأمُّل هو صنعة الأقوياء ومهارة الفائزين وهبة الله لكل الحكماء والفلاسفة عبر مختلف العصور".

 

 

إخترنا لكم من العدد