مجلة البلاد الإلكترونية

سياسة الصبر الاستراتيجي: ترامب يستجدي الإيرانيين ويدعوهم للجلوس إلى مائدة الحوار

العدد رقم 180 التاريخ: 2019-05-18

تأخر انبثاق النهضة العربية.. الأسباب والدوافع والحلول..

 

انطلقتْ قضيةُ النهضة العربية والإسلامية -في بعدها الفكري والمفاهيمي- منذ أكثر من قرن؛ حيث تصدى لها مجموعة من المفكرين والعلماء النهضويين الكبار ونخبة الفكر والثقافة والمعرفة العربية الإسلامية من شتى بقاع العالم العربي والإسلامي ممن كانوا ينتمون لمدارس ورؤى وتيارات فكرية متعددة ومتنوعة ومختلفة المشارب والانتماءات الأيديولوجية.

وكانت إحدى أهم اشتغالاتهم وأعمالهم الفكرية تتمحور حول محاولة الإجابة الحقيقية على السؤال الذي بات عنواناً للنهضة: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟!.. وهو سؤال إشكالي ما زال له بريقه وحضوره في الثقافة العربية والإسلامية، على الرغم من طول المدة الزمنية التي مرت على لحظة تفجره الأولى في الذهنية الثقافية العربية.

طبعاً، في معرض تفكيك السؤال، ووضع إجابات صحيحة وعقلانية له، تلونت إجابات المشاريع الفكرية، فكانت الإجابات دينية وغير دينية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. اختلفتْ في تحديد أسباب النكوص والتأخر الإسلامي، ولكنها اتفقتْ بالمجمل العام على وجود أمراض عديدة مزمنة في جسد الأمة تتمثل في التخلف والتبعية والانهزام والتقهقر الحضاري.. فهناك من يحمّل الثّقافة التقليدية - القائمة منذ قرون عديدة - المسؤوليةَ عن تخلفنا الاجتماعي والحضاري، وهناك من يلقي باللائمة على السياسة والسياسيين في فسادهم ونهبهم لثروات الأمة، وهناك من يعيد التخلف إلى الطبيعة والقابلية الذاتية لذهنية الإنسان الشرقي التي يُعتقدُ – خطأً بطبيعة الحال - أنها شخصية قدرية ونفسية مستسلمة وعقلية اتكالية ومسترخية تؤمن بالأساطير والخرافات، ولا تملك إرادة تغيير واقعها..

لكن بالإجمال العام يمكن تحديد أسباب فشل النهضة في العناصر التالية:

1- الاستبداد والطغيان السياسي:

فقد لاحظنا أنه منذ نجاح الدولة التحديثية العربية في استلام السلطة في عالمنا العربي عقب نهاية عهود الاستعمار وتحقُّق الاستقلال الشكلي، لاحظنا أن "الواصلين" إلى الحكم اشتغلوا بكل شيء إلا بخدمة مجتمعاتهم وتحديثها وتطويرها واستثمار مواردها الضخمة الهائلة التي توفرت لهم بعد أن سيطروا عليها وهيمنوا على مواقعها وامتداداتها.. فقد بنت الأحزاب العقائدية الشمولية "المشخصنة" وجودها على حكم الفرد والإيمان بقدراته الخارقة فوق العادية "الإلهية" منتِجَةً هياكل إدارية بيروقراطية واسعة وأنظمة سياسية قوية متماسكة وصلبة (ليس من مهمة لها سوى ضمان حكم النخب العسكرية)، بمعنى أن قوتها جاءت على حساب تضعيف ما تبقى من مؤسسات وهياكل "الدولة-الأم"، مما أفقدها قدرتها على السير الطبيعي الطوعي نحو أهدافها التنموية السياسية والاقتصادية كأية دولة أخرى، عبر الاشتغال اليومي الروتيني الطبيعي على تأمين مصالح الناس والمجتمع، خاصة وأنها قدمت نفسها كما قلنا على أساس أنها "دولة - رعاية" و"دولة - أم" اجتماعية.

لقد أرادتْ الدولة التحديثية العربية التي انبثقت عن مشروع النهضة القومي، أرادت "نظرياً وشعاراتياً" إقامة دول العدل والحرية والمساواة والاستقلال، كما زعمت، ولكنها عجزت عن إقامة العدل، واحترام حريات الشعوب، ومنحها حقوقها... وما قامت به عملياً هو تأسيس دول الاستبداد والفساد والمظالم، دول مستلبة الإرادة وتابعة للخارج، حيث أهمل حكامها شعوبهم ومجتمعاتهم، أهانوها في وجودها وكراماتها، واستبدوا بها وقمعوها، واعتمدوا على الدعم والإسناد الخارجي فقط.

نعم، كانت الدولة العربية تاريخياً - وحتى لحظتنا الراهنة - دولة استبداد وقهر وغلبة، هذا هو الثابت في مسيرة الحكم السياسي العربي والإسلامي غالباً، بينما الطارئ والاستثنائي فيها هو أن تكون دولة عدالة وإنسانية...!.

2- التدخل الخارجي ووجود الكيان الصهيوني:

تعتبر المنطقة العربية منطقة الثروات الهائلة والموقع الاستراتيجي الحيوي، ولهذا كانت على الدوام محط أنظار كل القوى الكبرى التي تستهدف تلك الثروات وخطوط إمرار الطاقة إليها، وتثبيت وجود إسرائيل وضمان أمنها واستقرارها في جسد الأمة.. ولهذا كانت كل خيارات وحسابات تلك القوى الدولية الكبرى تتمحور حول السيطرة على تلك الموارد الضخمة، وتسهيل (وضمان) وصولها إلى مجتمعاتهم.. فكانوا أن وضعوا في الدول المعنية رجالات حكم تابعين لها، دعمتهم وساندتهم كي ينفذوا بسهولة من خلالهم إلى منابع تلك الثروات وتسريع استثمارها والتمتع بخيراتها.. وهؤلاء الحكام لم يكونوا مهتمّين بالنهضة والتقدم قدر اهتمامهم بالبقاء والنفاذ الآمن إلى ثروات شعوبهم وتحكمهم بهم.. إضافة إلى ذلك، كانَ وجود الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي والإسلامي، العامل الأكبر والدافع الأهم لتفجر العنف في منطقتنا وحدوث الاختلالات في مجتمعاتنا.. ومنع وصول العرب إلى نهضتهم المنشودة.. فإسرائيل والغرب عموماً الذي زرعها كالخنجر المسموم في صدر الأمة، ليس من مصلحته تحرر العرب واستقلالهم وانبعاث جوهر النهضة في مجتمعاتهم خاصة النهضة العلمية والتقنية والحداثة السياسية. 

 3- عدم توفر العرب والمسلمين على إرادة جدية وحقيقية للنهوض وتحقيق التنمية:

مع تقديرنا واعترافنا بوجود مشكلة تدخلات خارجية تمنع تقدم العرب والمسلمين، وتحاصرهم من خال ترسيخ أمراضهم وتوسيع معاناتهم، ومحاولتها تلك التدخلات فرض أجنداتها ومخططاتهم الاستعمارية عليهم، ولكنْ يجب عدم نسيان وتناسي أو إهمال العوامل الداخلية المسؤولة عن منع النهضة العربية والإسلامية، وهي المتعلقة بضعف إرادة المسلمين أو تضعيفهم لأنفسهم.. وهذه لها أسبابها الثقافية وجذورها الممتدة في التاريخ والفكر التعطيلي المسيطر.

إنّ المشكلة الثقافية العربية والإسلامية التي نحن بصددها هنا والتي نعتبرها من أسباب منع العرب من التقدم، ليست كائنة أو مركوزة في هوية المسلمين الثقافية التي يعبرون من خلالها عن انتمائهم (لرؤية كونية شاملة للوجود الخاص والعام) ووعيهم لوجودهم الإنساني وانبعاثهم الحضاري الغني والمؤثر في عمق حركة الحضارات الإنسانية التي مرت في تاريخ العالم كله، بمقدار ما هي قائمة في طبيعة التعاطي (والتعامل) مع تلك الهوية المعرفية والحضارية، وإدراك ضرورة تحسين شروط مشاركتها الخلاقة والمؤثرة في العالم المعاصر.. وأيضاً بمقدار ما هي (أي الأزمة) قائمة مع كثير من مواقع ومكونات ومعطيات هذا التراث الإسلامي الكبير والواسع الذي لم يتم التعامل معه بصورة منتجة وفعالة وعقلانية حتى الآن على الرغم من كل المشاريع النهضوية الفكرية الحضارية التي انسكب فيها حبر كبير، والتي حاول منتجوها من كبار المفكرين، تقديم رؤى تراثية مستنيرة فعالة يمكن إثارة همم المسلمين على طريق النهوض.

إننا نعتقد أنّ جذر العطالة فيما هو واقع حالياً على المستوى الداخلي - في كل هذه المساحة الكبيرة من العجز والإحباط والتردي والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والإسلامي - يعود إلى النمط الثقافي المعرفي المهيمن على العقول والقلوب، والمحدد بقوة لمختلف استراتيجيات العمل واختيارات السلوك التطبيقي القسري، وأعني به مرجعيات المعنى وأنماط الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس والمجتمعات.

وهذه الأفكار والنتاجات الفكرية التراثية (التي أنتجها رجالٌ غير معصومين) ما زالتْ تتسبب بتكبيل إرادة التغيير والحضور العملي لبناء مواقع النهضة العقلية والعملية في عالم العرب والمسلمين. نعم إنّ العربَ والمسلمين عموماً بعيدونَ كلَّ البعد عن روحِ المبادرة وعقلية المبادأة والتنمية الفردية الحقيقية، والتي هي – بمجملها - أساسُ التواجد الفاعل في الحياة، وجوهر الحضور المؤثر في العصر. إنَّ هيمنة الروح الساكنة في ذاتها والمتساكنة مع التقليد، والعقلية الاتكالية على واقع العرب سيبقيهم في أسفل الترتيب، مرتهنين للآخر الأقوى والأعلم والأفعل والحاضر دوماً في معادلة الإنتاج والإبداع والازدهار والتقدم.. هل تعلمون، أن نسبة بناء الثروات المادية التي تم بناؤها ومراكمتها (نتيجة الجهود الفردية القائمة على المهارة والمبادرة والعلمية والتنمية الفردية والجهود الشخصية والاعتماد على الذات) باتت تشكل اليوم أكثر من 40% من الثروات العامة..!!..

من هنا يمكننا القول بأنّ العرب والمسلمين لن يتمكنوا عموماً من ولوج طريق التقدم والنهضة الحقيقية لتغيير واقعهم المتردي والمنحط الراهن والمستمر منذ عقود طويلة، ما لم يتغلبوا على ضعفهم واستكانتهم واستضعافهم لأنفسهم وخضوعهم للآخر واستلابهم له وعدم تحقق استقلالهم عن إرادات الآخرين وهيمنتهم على ثرواتهم ومواردهم..

إنَّ أحوجَ ما تطلبه أوطاننا وبلداننا - في مواجهة متغيرات وتحديات العالم كله، وقد أصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه - هو العمل على إدارة هوياتنا وأفكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار الجديد من الصيغ والمهام أو الطرق والوسائل والسبل.. أما ثقافة التطرف والعنف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد إلى الوراء وعبادة الأسماء والأفكار والرموز، فمآلها عربياً أو عالمياً تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مأزق إلى سواه، ومن صدمة إلى أخرى، ومن خسارة إلى خسارة أكثر فداحة.

ولا شك أنَّ المدخلَ إلى ذلك كله هو تثميرُ الإبداع العقلي والعلمي وإعادة فتح مغاليق التراث الديني المهيمن والمتحكم بالفكر والسلوك، والذي يدور في كثير من معالمه ومناحيه وفقاً لتشكيلات ورؤى قديمة أو تأويلات دينية مستحدثة غير واقعية وغير صحيحة وغير مفيدة، وربما تحدّ من قدرة وفاعلية الناس والأمة على العمل والتجدد والإبداع الحضاري الفاعل، بحيث يركز أصحاب تلك الخطوط القديمة بصورة دائمة على قضايا التحليل والتحريم الضيقة مع نسيان شبه كلي لمجال السلوك الاجتماعي الواسع.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد