مجلة البلاد الإلكترونية

الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن فرض حرب على إيران

العدد رقم 189 التاريخ: 2019-07-19

الفضيلة الصامتة.. والصمت المنتج

غسان عبد الله

يقول أدموند بيرك: "إذا مررت بحقل وسمعت عدداً يُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة من الصراصير يملأ عليك الهواء بصوته القبيح.. بينما ألوف الماشية العظيمة تمضغ طعامها في صمت فلا تحسبن أن ليس في الحقل إلا تلك الصراصير.. وإنه ما دام صوتها يملأ فلا بد أن تكون كثيرة العدد.. بل اعرِفْها على حقيقتها فهي جماعة صغيرة ضئيلة نحيلة نطاطة.. هي حشرات تصيح فتقلق بصياحها الكثرة العاملة بصمت..".

ولو نال المجتهدون في صمت جزاءهم الحق وخرج الصائتون بِخِفَّى حنين، لما كان في الأمر عيبٌ يعاب.. ولكن الخشية أن يحدث العكس.. وتفقد الرؤية الصحيحة كما حدث لبنات الملك "ليرفي" في رواية الأديب الإنجليزي "شكسبير".. فقد أراد الملك أن يقسم ملكه بين بناته الثلاث فطلب منهن أن يعربن له عما تكن له صدورهن من حب ليجيء نصيب كلُّ واحدةٍ منهن متناسباً مع حجم الحب.. تقدمت كل منهن نحو أبيها، فراحت الكبرى والوسطى منهن تُسْمِعان الوالد من عبارات الحب ما لم تسمع بمثله إذن.. فانتفخ الرجل زهواً وخلع كل منهما ثلث ملكه ثم اتجه إلى الصغرى ليسمع ما تقول؟ فأجابت في ضبط النفس وقصد العبارة: أحبك كما تحب كل فتاة مخلصة أباها.. فعاد يسألها أهذا هو كل ما عندك نحوي؟ فأجابت: نعم هو كل ما عندي.. فهاج وماج وقال لها: إذا كان هذا هو مقدار حبك لأبيك فليس لك شيء عندي.. وأمر بالثلث الباقي من مملكته أن يقسم إلى نصفين لتأخذ كل من الكبرى والوسطى نصفاً يضاف إلى نصيبها الأول.

ثم دارت الأيام فإذا بالكبرى والوسطى تتنكران للوالد المسكين وتلقيانه شريداً.. ولم تخلصه من محنته إلا البنت الصغرى التي نذرت حياتها للفضيلة الصامتة!!. هكذا كانت الفجوة واسعة بين القول والعمل عند الابنتين الكبرى والوسطى كما كانت هي واسعة عند الصراصير في الحقل بين صوتها وحقيقة حجمها ونفعها.

ومن الناس بيننا يعيشون على مثل هذه الفجوة الواسعة بين صوتهم المسموع وإنتاجهم النافع وأعجب منها كما يقول.. فجوة أخرى في حياتهم بين ما يتسامرون به في أحاديثهم الخاصة لأصدقائهم وخلصائهم وبين ما يعلنونه في المحافل حين تقام المناقشات. فمن أيسر الأمور عليهم أن يرسموا الصورة على لون في مجالسهم الخاصة حيث يدور الكلام بينهم همساً.. ثم يرسمونها على لون آخر حين يصبح القول جهراً.. إنها مهارة تثير العجب والأسف معاً للنقلة الغريبة في التلون.

يقول علماء الطبيعة النووية إن الكهارب التي تدور حول نواة الذرة قد لا تثبت في مسارها على فلك واحد.. بل ربما قفزت من فلك إلى فلك آخر دون أن تدرك الأبصار قفزتها وشيء كهذه الخفة السريعة والبراعة البارعة يتسم به الصاعدون من أصحاب الصراخ الأجوف، وأن هذه القدرة على التشكل الحربائي السريع عند هؤلاء، هي التي تضمن للحروب طول البقاء ودوام الصعود.

ليس فصاماً في الشخصية هو ما عند هؤلاء.. لأن المصاب بالفصام لا يدري أنه ذو وجهين.. أما هؤلاء فيكذبون وهم عالمون بأنهم كاذبون..

إن بعض من يخلصون للعمل لا يصعدون وأن بعض من يصعدون هم الذين لا يخلصون! فماذا أصنع؟.. فلنصنع ما يصنعه الصامتون المنتجون.. فمن حسن الحظ أنهم هم الكثرة.. وأما الصائتون الفارغون فلقد شاء لنا فضل من الله أن يكونوا قلة تتوهج ثم تخبو في أقل من لمح البصر.

من الناس صامتون وينتجون ولا يرتفع لهم صوت في المسامع.. ومنهم صائتون يملؤون الدنيا صياحاً دون أن يضيفوا إلى حصيلة الإنتاج الحقيقي النافع مثقال ذرة!.

 

 

إخترنا لكم من العدد