مجلة البلاد الإلكترونية

سياسة الصبر الاستراتيجي: ترامب يستجدي الإيرانيين ويدعوهم للجلوس إلى مائدة الحوار

العدد رقم 180 التاريخ: 2019-05-18

دبلوماسية التجارب الصاروخية: بيونغ يانغ لواشنطن لدينا خيارات أخرى

 

لم يكن لقاء القمة الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الكوري الشمالي كيم جونغ أون في سنغافورة، حدثاً عابراً في المشهد الدولي، وإنما محطة مفصلية في تاريخ العلاقات بين البلدين، كان يؤمل منها الانتقال بتلك العلاقات من حالة العداء والاستعداد الدائم للحرب، إلى مرحلة التعاون لنزع فتيل التوتر القائم.

لكن الحوار الذي أدى إلى وقف التجارب النووية من قبل كوريا الشمالية، لم تستكمل الولايات المتحدة شروط نجاحه برفع جزء من العقوبات عن بيونغ يانغ، الأمر الذي أدى إلى تعطيل مساره وعودة الأخيرة إلى تجاربها الصاروخية.

فشل القمة الثانية

عودة التوتر إلى شبه القارة الكورية كانت نتيجة متوقعة لفشل اللقاء الثاني بين ترامب وجونغ اون في شباط الماضي، في قمة استضافتها العاصمة الفيتنامية هانوي. في ختام تلك القمة التي انتهت دون التوصل إلى اتفاق، رفضت واشنطن مطالب بيونغ يانغ برفع العقوبات عنها، وحاول ترامب تحميلها المسؤولية بادّعاء عدم التزامها بتفكيك برنامجها النووي، وقال في مؤتمر صحافي في ختامها: "إن كيم كان مستعداً لتفكيك مجمع يونغبيون النووي لكنه أراد في المقابل رفع كافة العقوبات، وهو أمر لم تكن الولايات المتحدة مستعدة له".

لكن رواية ترامب دحضها في حينه وزير خارجية كوريا الشمالية بإعلانه أن بلاده عرضت خلال القمة في هانوي، تفكيك مجمع يونغبيون النووي مقابل الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، نافياً بذلك تصريحات ترامب، بأنها طلبت رفعاً كاملاً للعقوبات المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي والصاروخي.

بيونغ يانغ تبحث عن خيارات بديلة

الثناء الأمريكي على شخص الزعيم الكوري الشمالي في القمة الفاشلة لم يبدد عوامل الارتياب من النوايا الأمريكية خصوصاً في ضوء ما تلمّسته بيونغ يانغ من محاولات واشنطن دفعها للتخلي عن أوراق قوتها وتفكيك برنامجها النووي من دون أن تقابل ذلك بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن تنفيذ التزامات تعهدت بها في إطار البحث عن حلول للتهديد النووي القائم في كوريا الشمالية وفق الأدبيات الأمريكية، لذلك قامت بعدة خطوات أرسلت من خلالها إلى البيت الأبيض رسائل بأن الحوار معه ليس آخر المطاف وبأن لديها خيارات أخرى على المستوى الخارجي. وكان من أبرز تلك الرسائل زيارة جونغ أون إلى روسيا ولقاؤه الرئيس الروسي فلادمير بوتين في الخامس والعشرين من شهر نيسان الماضي، حيث اتفقا على تعزيز العلاقات بين بلديهما، الأمر الذي عدّ انذاراً من كوريا الشمالية لإدارة ترامب بأنها تملك شركاء محتملين آخرين في العالم. وما عزز هذا الانطباع تأكيد الزعيمين على العلاقات التاريخية المتينة بين بلديهما ورغبتهما المشتركة في تطويرها، كما أبدى بوتين رغبته في المساعدة في تهدئة التوتر في شبه الجزيرة الكورية، وهذا يعني محاولته لأن يكون طرفاً في المفاوضات الدائرة حول الملف النووي التي تشترك فيها بشكل أساسي إلى جانب واشنطن وبيونغ يانغ، "سيول" عاصمة كوريا الجنوبية حيث تلعب دور الوساطة لتقريب وجهات النظر بين البلدين، إضافة إلى بكين صاحبة النفوذ القوي في كوريا الشمالية، والتي قصدها جونغ اون قبيل توجهه إلى سنغافورة في حزيران الماضي للقاء نظيره الأمريكي.

الإعلان عن التجارب النووية

وعلى إيقاع هذه الرسائل السياسية، قررت بيونغ يانغ على ما يبدو رفع مستوى الضغط على واشنطن لإعادتها إلى التفاهمات السابقة، وبما أن المتغطرس لا يفهم سوى لغة القوة، فإنها أعادت إحياء تجاربها الصاروخية التي كانت قد التزمت بوقفها كبادرة حسن نية لإنجاح المفاوضات مع أمريكا، فأطلقت صواريخ قصيرة المدى في اتجاه بحر اليابان، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ تشرين الثاني 2017. وبحسب وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية فإن بيونغ يانغ أجرت تجارب على صواريخ قصيرة المدى غير محددة قبالة ساحلها الشرقي، ومن ثم نفذت تدريباً على توجيه الضربات لراجمات الصواريخ، في تدريب عسكري أشرف عليه الزعيم الكوري الشمالي شخصياً. وقالت وكالة "الأنباء المركزية الكورية" إن الهدف من التدريب هو اختبار أداء "راجمات الصواريخ البعيدة المدى المتعددة الفوهات ذات العيار الضخم والأسلحة التكتيكية المُوجّهة من قبل وحدات الدفاع"، مضيفة أن كيم "أصدر أمراً بإطلاق النار، وشدد على ضرورة زيادة القدرة القتالية من أجل الدفاع عن السيادة السياسية والاكتفاء الذاتي الاقتصادي للبلاد في مواجهة التهديدات والغزوات".

إلى ذلك أرفقت الدولة التي تؤرق ترسانتها النووية واشنطن، رسالتها الصاروخية برسالة سياسية جاءت على لسان نائبة وزير الخارجية، "تشوي سون هوي" التي أكدت أن قرار بلادها على صعيد نزع السلاح النووي "لا يزال سارياُ وسنطبقه عندما يحين الوقت، لكن ذلك لن يكون ممكناً إلا إذا أعادت الولايات المتحدة النظر في حساباتها الحالية وأعادت صياغتها".

الموقف الأمريكي من التجارب الجديدة

الرد الأمريكي على عودة كوريا لـ "دبلوماسية" التجارب الصاروخية، لم يكن تصعيدياً هجومياً وإنما جاء تحت سقف التقليل من أهمية الخطوة التي أقدمت عليها، وفي هذا الإطار أعرب الرئيس الأمريكي عن اقتناعه بأن بلاده ستتوصل وكوريا الشمالية إلى اتفاق لتسوية قضية الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية، وقال إنه "لا يزال يثق في أن بإمكانه التوصل إلى اتفاق مع كيم" وإنه يعتقد أن الزعيم الكوري الشمالي "يدرك تماماً الإمكانات الاقتصادية الكبيرة لبلاده ولن يفعل شيئاً يعطلها أو يقضي عليها، يعرف أيضاً أنني معه ولا أرغب في النكوث بوعدي معه. الاتفاق سيتم".

بدوره وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، اعتبر أن اختبار كوريا الشمالية عدة صواريخ "لم يشكّل تهديداً على واشنطن أو حلفائها"، مؤكداً أنه يرى مساراً للأمام في المحادثات. وأشار بومبيو إلى أن الاختبار لم يتخطّ أي حدود دولية، قائلاً: "إننا نعلم أن تلك الصواريخ كانت قصيرة المدى نسبياً، كما أننا نعلم أنها لم تكن صواريخ باليستية عابرة للقارات".

خاتمة

الرد الأمريكي الفاتر على العودة لسياسة التجارب الصاروخية أعطى الانطباع بأن الرسالة لم تصل كما يجب أن تفهمها واشنطن، لذلك عاجل زعيم كوريا الشمالية نظيره الأمريكي برسالة أخرى، أعطى الأمر فيها للقوات المسلحة المعنية في بلاده بالبدء بتمارين إطلاق صواريخ بالستية بعيدة المدى، وهو تطور من شأنه أن يعيد شبه القارة الكورية إلى أجواء التوتر التي سبقت لقاءات ترامب - جونغ أون ويفتح المنطقة من جديد على مختلف الاحتمالات.

ابتسام الشامي

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد