مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

أمريكا وإيران وخيار المواجهة العسكرية

توفيق المديني

بعد الإخفاقات العسكرية والسياسية الأمريكية على الجبهة السورية، ها هي الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب بعد إزاحة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي السابق وجيمس ماتيس وزير الدفاع السابق وبروز كل من جون بولتون ومايك بومبيو كأبرز وجوه صقور الإدارة الأمريكية.

تحاول أن تأخذ زمام المبادرة من خلال الانتقال إلى الهجوم العسكري المضاد عبر تمديد استراتيجيتها لمقاومة التحركات الإيرانية في الشرق الأوسط.

أمريكا واستعراض قوتها العسكرية

لقد حددت إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر فأكثر مواجهتها مع إيران بوصفها مواجهة شاملة، إذ وجدت دعماً كاملاً من الكيان الصهيوني وبعض الدول الخليجية، حيث سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرم في عام 2015، إلى فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية ضد إيران على مرحلتين رئيستين، في أغسطس/ آب ونوفمبر/ تشرين الثاني 2018، وتصفير صادرات النفط والغاز الإيرانيين يوم 3مايو/أيار الجاري، وإضافة قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس الإيرانية إلى قائمة العقوبات، وتصنيف الحرس الثوري الإيراني "منظمة إرهابية"، وصولاً إلى حشد قوة بحرية وجوية ضاربة، تنفيذًا لاستراتيجية "الضغوط القصوى" التي أعلنتها "الإدارة" لمواجهة ما تعتبره خطراً إيرانياً.

 فقد أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وقطع بحرية إلى المنطقة كخطوة تحذيرية بعد تزايد مؤشّرات إلى أن إيران تستعد لاستهداف القوات والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والخليج. واستمرت الولايات المتحدة الأمريكية في استعراض عضلاتها العسكرية في المنطقة وإرسال المزيد إليها من قاذفاتها وبوارجها وحاملات طائراتها تحت مزاعم تنامي الخطر الإيراني على قواتها في المنطقة حيث أعلن البنتاغون الخميس الماضي عن نشره سرب قاذفات استراتيجية في الشرق الأوسط رداً على زعمه "مؤشرات على وجود خطر حقيقي من قبل القوات الإيرانية".

ونشرت القيادة المركزية الأمريكية مؤخراً صوراً تظهر قاذفات B-52 H "ستراتوفورتريس" التابعة للسرب الـ22 لسلاح الجو الأمريكي، عقب وصولها إلى المنطقة. وفي وقت سابق من الخميس الماضي، نشر البنتاغون صوراً تظهر تزويد أربع قاذفات من هذا الطراز بالوقود، وهي في طريقها إلى الشرق الأوسط. وأفادت قناة" فوكس نيوز" بأن القاذفات قادرة على تنفيذ القصف بقنابل نووية. وغادرت قاعدة "باركسديل" في لويزيانا إلى قاعدة العديد للقوات الأمريكية في مشيخة قطر. وحسب بيان البنتاغون، تستطيع تلك القاذفات تنفيذ الهجمات الاستراتيجية والدعم الجوي وعمليات المنع الجوي والعمليات الهجومية ضد الأهداف الجوية والبرية وذلك "لدعم استقرار المنطقة" حسب زعم البيان.

ويعتقد المحللون أنّ إدارة الرئيس ترامب قررت تصعيد المواجهة ضد إيران، وأنّها تنفذ سلسلة خطوات حتى تحقق هدفين: أولاً تجييش الشارعين العربي والإسلامي مذهبياً ضد إيران عبر تضخيم وتهويل خطر التمدد الشيعي - الفارسي. وثانياً، استدراج طهران إلى حرب مع أمريكا والكيان الصهيوني والدول الإقليمية. فصقور الإدارة الأمريكية الحالية (جون بولتون، ومايكل بوميو، وغيرهم) والقيادة الصهيونية يخططون لإشعال حرب مع إيران يجد الكونغرس الأمريكي نفسه مضطراً للموافقة عليها، واستدراج إيران حالياً لشن هجوم على قوات أمريكية يكون له تأثير على الشعب الأمريكي مشابه لهجوم اليابان على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية، والذي دخلت أمريكا الحرب على أثره.

فقد أعاد الموقف المتشدد الجديد للرئيس دونالد ترامب حيال إيران وحشده العسكري في الخليج إلى الأذهان بعض مظاهر قرع طبول الحرب التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وكما حدث آنذاك، فإنّ إدارة ترامب تعلن الآن عن مزاعم بشأن إيران من دون أن تقدم أدلة.

هناك مجموعة من العوامل القوية التي قد تدفع باتجاه الحرب الأمريكية مع إيران، منها:

1- وجود قيادة أمريكية متشددة برئاسة دونالد ترامب، وهي قيادة تشكل أشبه ما يكون بحكومة حرب، خصوصاً مع تسليم وزير الخارجية بومبيو الكامل برؤية ترامب للسياسة الخارجية، ورحيل الوزراء والقيادات الأمنية والعسكرية التي كانت على خلافات مع الرئيس، ووجود دور فاعل للمحافظ المتشدد جون بولتون مستشاراً للأمن القومي.

2- سعي ترامب الحثيث وبكل الطرق لإرضاء اليمين الإنجليكاني واليمين الصهيوني، وهي تيارات تميل للتشدد مع إيران بسبب اعتقادها أن هذا التشدد وربما الحرب قد تصب في مصلحة الكيان الصهيوني.

3- صعود قيادات خليجية أكثر تشدداً مع إيران، وخصوصاً في السعودية والإمارات، وهي قيادات تمتلك تأثيراً على الرئيس ترامب وفي حالة تحالف شبه كامل مع سياساته، ما قد يدفعه للتوجه للحرب أكثر من أي وقت مضى.

في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية المحتملة، يبقى الميزان العسكري مائلاً بدرجة واضحة لمصلحة واشنطن، ولا يمكن لإيران أن تصمد عسكرياً، نظراً للاختلاف الجذري للبلدين اللذين يعيشان في عصرين مختلفين: عصر إيران الذي يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعصر أمريكا المتفوق على جميع الصعد تكنولوجياً ونووياً، وعسكرياً، واقتصادياً. فعلى الرغم من قدرة طهران على إلحاق الأذى بقواعد واشنطن في الخليج وبالكيان الصهيوني، فإنّ هذا "الأذى" سيفوق بالتأكيد الضرر الاستراتيجي المترتب على حيازة طهران للسلاح النووي.

الضغط العسكري الأمريكي من أجل التفاوض

على الرغم من ذلك فإنّ هناك إدراكاً أمريكياً أنّ أي إجراء عنيف من عقوبات أو ضربات عسكرية سيؤجل البرنامج النووي الإيراني ويؤخر تنفيذه ولن يهدمه تماماً ولكنه سيزيد من شرعية النظام الإيراني ومن التفاف الشعب الإيراني حوله، وهو ما يعني أن تحقق واشنطن هدفاً مرحلياً بتدمير المفاعلات النووية الإيرانية وهو أمر مشكوك فيه عسكرياً مقابل التضحية بالهدف الرئيسي في الإطاحة تماماً بالنظام الإيراني.

ضمن هذا السياق من سيطرة شبح الحرب الأمريكية على الجمهورية الإسلامية، أكدت مصادر الاستخبارات الروسية أن القوات المسلحة الأمريكية المرابطة في الخليج أكملت تقريباً استعداداتها لتوجيه ضربة صاروخية ضد الأراضي الإيرانية، وأن واشنطن حددت لائحة بالأهداف المحتملة التي تنوي ضربها في إيران. وتضيف هذه المصادر أن الاستعداد العسكري الأمريكي في المنطقة وصل إلى المستوى الذي كان عليه في مارس/آذار عام 2003 عند غزو العراق، ما يعني أن هناك ضربة عسكرية وشيكة.

بيد أن هذا الاستعراض العسكري الأمريكي في الخليج، واقتراب الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من اجتياز الخط الفاصل بين المواجهتين، السياسية والعسكرية، بانتقالهما من التصعيد السياسي إلى التحرّكات العسكرية، تقابله إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجديد عرضها على إيران للتفاوض حول تسوية دبلوماسية للمواجهة الحالية حول ملفها النووي. فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي إنه مستعد لإجراء محادثات مع القادة الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق جديد بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015 قبل عام.

وقد حثّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، القيادة الإيرانية على الجلوس والحوار معه بشأن التخلي عن برنامجها النووي، ولمزيد من الضغط مرّر رقم هاتفه إلى القيادة الإيرانية عبر الحكومة السويسرية التي ترأس مكتب رعاية المصالح الأمريكية في طهران، في إشارةٍ إلى أنّه ليس لديها خيار آخر. وكانت (الإدارة الأمريكية) قد وضعت شروطها للتفاوض، وهي اثنا عشر أعلنها بومبيو في مايو/ أيار العام 2018، والتي تستهدف برنامجها النووي والصاروخي الذي يحمل تهديداً كامناً لحلفاء واشنطن، ودورها ونفوذها وأذرعها الإقليمية. وقالت الإدارة الأمريكية إنّها لا تريد "تغيير النظام"، وإنّ هدفها من هذه الإجراءات "تغيير سلوك النظام"، كما أنّها لا تريد الحرب مع إيران، لكنها سترد "رداً سريعاً وحازماً" على "أي هجوم" قد تشنّه إيران أو أيٌّ من حلفائها على مصالح أمريكية، وفق إعلان وزير الخارجية، مايك بومبيو.

ردة الفعل الإيرانية على الحرب المرتقبة

يعتقد خبراء ومحللون سياسيون أن استراتيجية التصعيد التي تعتمدها إيران تقوم على استبعاد فرضية المواجهة العسكرية، واعتبار أن الضغوط الأمريكية تهدف إلى تحقيق نتائج سياسية، ولذلك يرفع المسؤولون الإيرانيون سقف تهديداتهم، وقد يأذنون بتنفيذ عمليات محدودة لإرباك خطط الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تراهن إيران على مواجهة عسكرية مباشرة إذ تعتبر ذلك خطوة انتحارية، فقد تعطي الضوء الأخضر للحرس الثوري وقوات العمليات الخاصة التابعة له للقيام بعمليات محددة مثل استهداف مرور السفن قبالة ساحل الإمارات.

كما أن خطط إيران منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 تقوم على توظيف حلفائها من قوى المقاومة في المنطقة لتنفيذ عمليات مناهضة للوجود الأمريكي في، مثلما حصل ضد قوات المارينز الأمريكية في بيروت، 23 أكتوبر 1983. والآن الوضع بات مغايراً تماماً بعد أن توسع نفوذ أذرع إيران في الشرق الأوسط، وبات سلاح حزب الله اللبناني أكبر من إمكانيات الجيش اللبناني. كما توسعت أنشطة قوى المقاومة الحليفة لإيران في العراق وسوريا واليمن، وباتت تمتلك قدرات متطورة بما في ذلك القوات التي تم تدريبها على يد حزب الله وهي قوى مختلفة لبنانية وعراقية ويمنية، وصارت القوات البدائية نسبياً في اليمن اليوم تطلق طائرات مسيرة. ولعب حزب الله، بالدرجة الأولى، وحركة حماس والجهاد الفلسطينيتان على شن حرب المقاومة ضد الكيان الصهيوني، التي تخدم أيضاً استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تزال إيران تقدم الدعم لكل حركات المقاومة الفلسطينية، لا سيما لحركة الجهاد الإسلامي التي تدين بالولاء للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي يمكنها أن تطلق مجموعة صواريخ لاستثارة الكيان الصهيوني ودفعها إلى ردة الفعل مثل اجتياح القطاع، وهو وضع لا يسمح لواشنطن بفتح جبهة أخرى مع إيران. وتقول تقارير صهيونية وغربية إن حركة الجهاد الإسلامي باتت تمتلك صواريخ أكثر من تلك التي تمتلكها حماس التي لا تزال تحتفظ بدعم إيران وحزب الله، ولكن بوتيرة أقل بسبب مخلفات الأزمة السورية.

وفي سياق آخر نقلت صحيفة "هآرتس" الصهيونية عن وزير الطاقة في كيان الاحتلال الصهيوني يوفال شتاينتز، الحليف المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حزب الليكود، يوم الأحد الماضي، قوله إن إيران قد تهاجم الكيان الصهيوني مباشرة أو عبر حلفائها في حال حصلت مواجهة عسكرية بينها وبين الولايات المتحدة. وتابع يوفال في تصريح للتلفزيون الصهيوني: "الأمور في الخليج تتسارع، إذا كان هناك من مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة فإني لا أستبعد أنهم سينشطون حزب الله والجهاد الإسلامي في غزة، أو حتى تمكّن طهران من أن تحاول إطلاق صواريخ من إيران إلى الكيان الصهيوني مباشرة".

وارتفع مستوى التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، أخيراً، لاسيما بعد تعرض أربع سفن شحن تجارية لأعمال "تخريبية" بحسب ما أعلنت الرياض وأبو ظبي، فيما عدّل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خطط جولته للتوجّه إلى بروكسل وبحث الملف الإيراني مع المسؤولين الأوروبيين. وفجر الاثنين الماضي أعلنت السعودية عن تعرض ناقلتي نفط سعوديتين لـ "هجوم تخريبي" قبالة السواحل الإماراتية. وكانت الإمارات أعلنت، الأحد الماضي، أنّ أربع سفن شحن تجارية من جنسيات عدّة تعرّضت لـ "عمليات تخريبية" في مياهها الواقعة قبالة إيران شرق إمارة الفجيرة. وعلى ضوء ذلك، حذّر الرئيس ترامب إيران، الإثنين الماضي، قائلاً إنها سترتكب "خطأً كبيراً" إذا فعلت شيئاً. وقال خلال لقائه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض "إذا فعلوا أي شيء، فسوف يتألمون كثيراً".

الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، تلعبان على حافة الهاوية لتحسين شروط التفاوض بينهما، إنه اللعب على حافة الهاوية المصحوب بإعلان المرشد علي خامنئي أنه لا يريد حرباً وباعتقاده أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يريد حرباً أيضاً.. وتدرك واشنطن جيداً أنها لن تحقق هدفها بتصفير تصدير النفط الإيراني، إذ ستنجح ناقلات إيران في بيع القليل إلى هذه الجهة أو تلك، بما لا يكفي سدّ عجز الموازنة الإيرانية الذي يتفاقم بوتيرة متسارعة مع العقوبات غير المسبوقة التي تفرضها الولايات المتحدة علناً ودول أخرى من غير إعلان.

فقد كانت للعقوبات الأمريكية تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني، إذ تراجع سعر صرف الريال الإيراني، وفقد أكثر من 150% من قيمته، وتراجع النمو العام بنسبة 3.8% وبلغ التضخم نسبة 30%، حسب المصادر الرسمية الإيرانية. وقدّر صندوق النقد الدولي تراجع الاقتصاد الإيراني هذا العام بنسبة 6% ونسبة التضخم بـ 40%، وتوقع انخفاض صادرات النفط الإيراني إلى 1.3 مليون برميل في اليوم، كان في العام الماضي 2.8 مليون، ما سيؤدي إلى تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي يعتمد على مبيعات النفط والغاز، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بنسبة 80%، وارتفاع الأسعار ارتفاعاً غير مسبوق. هذا قبل بلوغ صادراتها من النفط نسبة الصفر التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى بلوغها. فقد تبنّت إيران في مواجهة العقوبات تكتيك الصبر الاستراتيجي، "التأقلم مع الظروف الجديدة"، عبر إعادة التأكيد على خيار الاقتصاد المقاوم الذي طرحه المرشد الأعلى، علي خامنئي، و"رفض التفاوض مع تجنب الانزلاق نحو الحرب"، بغية كسب مزيدٍ من الوقت، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الداخلية الأمريكية ونتائج الانتخابات الرئاسية في العام 2020.

ما علاقة الحرب بالأزمة الدورية للرأسمالية؟

بعض المحللين يرون أن المخرج الحقيقي للأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها العولمة الرأسمالية في طورها الراهن، لن يكون سوى من طريق حرب جديدة ومؤثرة، من شأنها أن تساعد في إيجاد سبيل لاجتياز هذه الأزمة البنيوية للعولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة. وفضلاً عن ذلك، فقد أظهرت الأحداث من الناحية التاريخية أن هناك ترابطاً جدلياً بين أزمة الرأسمالية الامبريالية والحرب.

عمل المؤرخون والاقتصاديون على تحديد الأسباب الاقتصادية للحروب ونتائجها، معطين أحياناً لهذه العوامل وظيفة محددة في شن الحروب، وللحروب وظيفة محددة في انفجار الأزمات الاقتصادية. ومع ذلك، فإنّ المؤرخين الذين يقومون بدراسة تسلسل القرارات السياسية والتاريخية التي تقود إلى الحروب، أو العلماء المتخصصون بدراسة علم الحرب أيضاً الذين يحللون الحروب "كواقع اجتماعي شامل" واضعين تحت- توتر الأنشطة الاقتصادية، لا يعتقدون أن هذه الأخيرة هي المحددة في تفجير الحروب أكثر من غيرها. فحسب المؤرخ هوغوس تيرترايس، المتخصص في حروب الهند الصينية، فإنّ الدافع الرئيسي لخوض حرب فيتنام هو المركب الصناعي العسكري الأمريكي، إذ إن سباق التسلح النووي، وبرنامج أبولو، يمنحانه موازنات مهمة.

لقد كلفت حرب فيتنام في عام 1968، 26 مليار دولار، أما الصواريخ النووية 80 مليار دولار. إذاً فالسبب الرئيس لاندلاع الحرب في الهند الصينية كان بالدرجة الأولى سبباً جيوبوليتيكياً، من أجل محاصرة المد السوفياتي في جنوب شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

انطلاقاً من هذا التحليل يمكن أن نستنتج فكرتين جوهريتين، الأولى: إذا كان الاقتصاد، والصناعة، والبرامج التسليحية هم المكون الأساس للقوة السياسية، فإنّ البيانات نظراً لما تمتلكه الفواعل السياسية والعسكرية من وسائل النجاح والإرغامات في محيطها الاقتصادي، هي التي تؤثر على قراراتهم. الثانية: إن الحرب سواء أكانت مولدة للكوارث، أو للفوائد الاقتصادية، بمجرد أن تندلع، تتحول إلى شركة رأسمالية عملاقة، بما يتضمنه ذلك من وجود نفقات، ومداخيل، ونمط من الإدارة والتصرف.

وتؤثر إدارة الحرب من قبل السلطة السياسية – العسكرية، على الأحوال والبنية الاقتصادية للأطراف المتحاربة، أكثر منها كلفة الحرب الحقيقية. فعلى سبيل المثال، نظراً لشعور فرنسا بالعجز المالي على دعم الحرب في الهند الصينية، فقد "باعتها" للولايات المتحدة باستخدام حجة "الماركنتلية" من أجل محاصرة المد الشيوعي، حيث تكفلت هذه الأخيرة بتحمل كلفتها المالية (50% بداية من عام 1953)، ثم أعبائها السياسية. وبالمقابل عندما أصبح التدخل العسكري في فيتنام- المقرر سلفاً كعملية سهلة التكاليف- صراعاً طويل الأمد، عاندت واشنطن على عدم برمجته على أنه كذلك، بالطريقة نفسها للصواريخ النووية. وظهرت الحرب في فيتنام باهظة التكاليف، لأنها لم تكن متوقعة، مجبرة الولايات المتحدة على مطالبة الكونغرس والمكلفين بزيادة في موازنة الحرب، اللذين اعترضا على هذا الصراع لأنّه أصبح غير شعبي.

في هذا السياق من التحليل، فإنّ احتمال وقوع حرب كبيرة في منطقة الشرق الأوسط أمر وارد بشكل كبير، ولا سيما أن هناك اتجاهاً يمينياً فاشياً في الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى اليمين الصهيوني المتطرف يدفعان باتجاه تفجير حرب إقليمية كبيرة، لحسم بؤر التوتر المزمنة في منطقة الشرق الأوسط، وفرض التسوية الاستسلامية لأزماته المستعصية، ولا سيما تصفية القضية الفلسطينية، عبر فرض ما يسمى تسوية "صفقة القرن" وأخيراً لتحقيق الانتعاش للاقتصاد الأمريكي الذي تراجع وتأثر نتيجة عدم الدخول في حروب واقعية.

فالاقتصاد الأمريكي بوصفه القاطرة التي تجر بقية الاقتصاد العالمي، لم يتمكن من الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالعالم منذ خريف سنة 2008، وهو معرض في الوقت الحاضر بالتحديد للدخول في النفق المظلم الذي يخشاه الجميع، وأنّ مكانة الدولار الأمريكي في العالم تتراجع بشكل ملحوظ. والحال هذه تصبح الحرب من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة تاريخية للخروج من مرحلة الكساد التي يعيشها العالم. كما أن الحرب ستقود إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وستؤدي أيضاً استطراداً إلى زيادة الطلب على الدولار الأمريكي كوسيلة للمدفوعات النقدية في عمليات بيع وشراء النفط.

ما يؤكد المبررات المنطقية التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لشن حرب على إيران، هو تعالي الأصوات التي تدق طبول هذه الحرب داخل أمريكا نفسها، نظراً لأنّ العقوبات المسلطة على إيران لن تنجح في ثنيها عن المضي قدماً في تنفيذ برنامجها النووي.

 بعض هذه لأصوات هي ذاتها التي دعت إلى الغزو الأمريكي للعراق في 2003 وشجعته ودفعته. وفي نظر العديد من المحللين الأمريكيين فإنّ المشاريع المقترحة لإقامة نظم مضادة للصواريخ في بلدان الخليج إلى جانب "القبة الوقائية" في الكيان الصهيوني هي بمنزلة المؤشرات التي تدل على أن الخيار العسكري يتقدم في واشنطن، وأن الاستعدادات للحرب قائمة.

في نظر العديد من المحللين الأمريكيين فإن إدارة ترامب ستواصل انتهاج استراتيجية مزدوجة تقوم، أولاً، على إبقاء الباب مفتوحاً للمفاوضات والعمل في آن على تطبيق العقوبات المشددة التي فرضتها أمريكا أخيراً على إيران، وثانياً، الاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران.

خاتمة

من المعلوم أن قرار الإدارة الأمريكية باستخدام القوة العسكرية لتدمير المفاعلات النووية الإيرانية سوف لن يقود إلى محو كل المراكز النووية، أو على الأقل استئصال القدرة العلمية والتكنولوجية لخبراء إيران النوويين، إذ إن المراقبين يعتقدون إيران تملك مفاعلات أخرى مخبأة جيدا، وبوسعها استخدامها للمضي قدما في مشروعها. علاوة على ذلك كله، فإن قرار الحرب سيفجر سلسلة من ردود أفعال إيرانية ضد الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية في المنطقة.

إيران قادرة على تحريك "حزب الله" في لبنان وفتح جبهة مع الكيان الصهيوني، وتحريك الشارع في العالمين العربي والإسلامي الذي يعادي السياسة الأمريكية في المنطقة بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل، وهو لن يقف على الحياد. وإيران قادرة أيضاً على تحريك الأحزاب العراقية الموالية لها ضد أمريكا في العراق، فتصبح القوات الأمريكية عرضة لهجمات مختلف أطياف الشعب العراقي على اختلاف طوائفه. كما أن خيار الحرب، سيعزز من الوحدة الوطنية للشعب الإيراني، التي من المؤكد أنها ستنسى مشاكلها الاقتصادية، وتصاعد الغلاء والتضخم، وزيادة البطالة، لكي تتخندق في الخندق الواحد مع قيادتها السياسية، التي ستركز على ضرورة محاربة العدو القومي، الذي يريد إذلال إيران المسلمة، ومنعها من امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.

إذا كانت مخاطر الحرب تعد كبيرة على الولايات المتحدة الأمريكية، لجهة تفوقها على إيجابياتها من ناحية، ولإخفاق الإدارة الأمريكية في العراق وسورية التي تريد التستر عليه من خلال البحث عن كبش فداء يتمثل في التركيز على دور إيران السلبي جداً من ناحية أخرى، فهل يستطيع الكيان الصهيوني أن يتعايش مع إيران النووية؟.

الصهاينة يعتقدون أن إيران على مسافة ثلاث أو أربع سنوات من إنتاج القنبلة النووية، (ولكنهم يقولون إن هذه التقديرات لا تأخذ بعين الاعتبار احتمال أن يكون لإيران برنامج نووي سري)، بينما يتحدث الخبراء الأمريكيون من خمس إلى ثماني سنوات.

ويفضل قادة الكيان الصهيوني أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الضربة العسكرية المعقدة والمحفوفة بالمخاطر. فهم يعتقدون أن الأمريكيين مجهزون بصورة أفضل على صعيد الوسائط العسكرية في ميدان العمليات، وهم من دون أدنى شك يستطيعون أن يتحملوا النتائج الدبلوماسية لمثل هذه الحرب المدمرة. بالنسبة للكيان الصهيوني، الأمر يتعلق بتحدي من طبيعة استراتيجية: المواقع النووية الإيرانية هي متفرقة، وغالباً مخبأة تحت الأرض، وتبعد عن الكيان الصهيوني بمسافات تتراوح ما بين 1200 كيلومتر إلى 1500 كيلومتر، وهذه المسافات قابلة للزيادة إذا كان على الطائرات الصهيونية أن تتجنب المجال الجوي الأردني، بل العراقي.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد