مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

فاصلةٌ للضياء الوافِدِ من "اليمنِ الحزين!!"

غسان عبد الله

فوق مستوى الصمت.. وتحت الرطوبةِ جرّب أن يكون لك بعضُ الأبعاد‏ خارجَ التاريخِ‏ وإن لم تجدْ وردةً تبحثُ عنكَ‏ جرّب‏ أن يكونَ لك ضَياعٌ‏ وماءٌ بطيءٌ وضجّة واضحة‏.. أبعادَكَ جرّبها لتجيءَ.. هكذا فكِّر دائماً‏ أن تكونَ‏ لتحترق‏.. وأن تقرأ‏ لتكون.. ولتحترق دائماً‏ كظلّْ‏.. وأمّا‏ ما يمكن أن تجرِّبَهُ خارج الزمن.. يكون التاريخُ فوق مستوى الصمتِ‏ وتحت الرطوبةِ‏ أي‏ أن تبحثَ عن تجربةٍ توصِلُكَ إلى كل مستوى‏ عن برهانٍ له محيطٌ‏.. وكَلِمٍ متفوّقٍ‏ وأن تكون غريقاً ثرياً‏ وحائطاً يشبه الرايةَ.. جرّب ذلك؟‏ واقترب من كفايتك.. تباطأ قليلاً‏ وصِلْ أبَدِيَّتَكَ‏ بالقهقهةْ‏.. جرّب أن يكون لك أبعادُ ما‏ خارِجِ التاريخِ.. وإن لم تجد؟‏ فأمامكَ مرآةٌ فيها رياحٌ.. وقممٌ.. وإغماضةٌ.. فيها كلُّ شيءٍ..‏ حتى العصافيرُ تزقزق في لبّها‏.. وعندما تحدّقُ بالأجوبةِ اتكئ‏ على ما يشبهُ المخبأ‏.. وانتظرْ جواباً خارقاً‏ وجرّب أن يكون لك‏ بعضُ الأبعادِ‏ أو‏ بعضُ الضوءِ خارج التاريخ‏.

أعرفُ أنها بدايةٌ صعبة أول الكلام على صفحات "البلاد".. لكن لا أزالُ أساءِلُ نفسي وأنا أحدِّثها عن نفسي.. أو أرشدُها إلى نفسي.. كيف أشكِّلُ نداءً على شكلِ طينٍ‏ عبرَ تحوُّلِ القصيدة؟‏ أعدُّ خطواتي‏ لأتألقَ كهاويةٍ ثم أَخْلُصُ للفاصلةِ عبر الصفحات المشرعةِ على الأملِ لأراها جيداً‏ وكيف تنقلبِ روحُها‏ لكلامْ‏.. يمرُّ الهواءُ أمامي‏ كبلّورٍ وأدخلُ أيار لأنطوي كعذابْ.. كلُّ النداءاتِ تصطفقُ وغالباً ما تنتهي جميعاً‏ كرطوبةٍ دَبِقَةْ..‏ دعني.. أتسلَّقُ هواءً‏ يريدُ أن يتسلَّقَني‏.. نحنُ‏ مثيلانِ فقط‏ بالنومِ..‏ وأيضاً‏ بوحوشٍ خالدةٍ‏ لكنَّ بلاداً أمامنا‏ تحبُّ أن تكونَ مجهولةً على الدوامِ‏ ومبتسمةً‏ لأيِّ معدنٍ عنيف‏.

أيها الغارُ اخلطني معكَ‏ ووثّق علاقتك‏ بعمقي‏ واسأل‏ عن كيفية تكوين الفواصلِ‏ والارتجافاتِ.. أُرسُم حدثاً مهمّاً في وجهي‏ وحنّط ثماركَ في بريّتي‏.. سَيدي الهواءَ لا تتفاجأ أبداً‏ فموهبتي‏ تُشْبِهُ إلى حدٍّ ما‏ جلجلةً مذهبّة.‏. الحريةُ مرآةٌ.. عزاءٌ فصيحٌ.. خرافةٌ خالدةٌ مزادٌ صامتٌ.. أريدُ أن أثورَ على نهايتي‏ لكنَّ السّلاحَ الذي يحملني‏ حوّلتُهُ إلى لؤلؤةٍ‏ تتشكّل من جديد..‏ هذا‏ ما استطعت أن أفعلَهُ‏.

بُعَيدَ المنتصف من أيار هذا.. وبجانِبِ الشاطئ‏ الذي رأيتُهُ مرةً واحدةً هذا العام..‏ استعدت أخيلتي‏ كي أروّضَ السهوبَ..‏ وكي أودِّعَ ما تبقى لي من اللغةِ..‏ فلربما‏ يغادرني وجهي‏ لألتقِطَ الرائحةَ التي ستُمَهِّدُ للخلاص أو للخراب..‏ ولأمتشقَ الفرار‏ كي يدخل بإصرارٍ موئلَ البرودةِ.. بجانبِ الشاطئ‏ سيكونُ للنفير‏ بهجةٌ نائمةٌ‏ وانحناءةٌ مبجّلة..

أنا خَشَبٌ صامتٌ‏ وانقسامٌ تحوَّل إلى ما لستُ أدري.. ومن حولي‏ قد يظلّ البياضُ بطيئاً‏ ودافئاً‏ ومذاباً كارتعاشةٍ.. ثم هذه الرطوبةُ حولَّتني إلى اشتعالْ‏.. وإلى نشيدٍ يرتدّ كصخرةٍ..‏ وإلى‏ صدى خائفٍ.. وإلى محاولةٍ تجيءُ على شكل قمر‏..

سأفترضُ جهةً عليلةَ الهواءِ.. وممتلئةً بالورودِ‏ وتعرِفُ‏ متى أستيقظ ومتى يكون دمي على هيئة مخملٍ جيّد‏.. وحين أمتلئُ بضوءٍ عابرٍ لن يكونَ للأزمنةِ‏ جهاتٌ‏ كي تظلَّ تبحثُ عن بقاءٍ‏ أكثرَ عمقاً من الشهداء‏.. وعلى كل حال‏ أنا ضدُّ الافتراضِ وضدُّ أي شيءٍ‏ يشبه أي شيءٍ آخر‏.. ولكن؟..‏ ما ذنبُ روحي حين تراني في مكان هامٍ‏ للتامُّل.. لتعذِّبَني بشكلٍ مشروعٍ وتُحيطَني‏ بأفق يشبهني‏ وبأضواء مبتليةٍ بالنجاوى.. إذن‏ لا بدّ من حقيقة أتمرّد فيها‏ وَ.. ما دامت الأشياءُ كلُّها‏ سواءً‏ بسواء‏.. ماذا لو صنعتُ جبلاً‏ له حدودٌ.. وسبايا‏.. وألماً نرجسيّاً يشبهُ كلَّ شيءٍ.. ولا يُشبِهني.. فأنا..‏ لا أعرفُ كلمةَ زمنٍ‏ ولا‏ أعرِفُ كيف أنتشرْ.. هناك‏ نداءٌ أعبرُهُ ويعبرني‏.. رصاصٌ معرَّفٌ ‏وسقوطٌ يأتيني لأنساهُ.. أنا أيضاً‏ لا أستطيع إلاّ أن أكون جبلاً مثَلَ مقاومٍ‏ لأتعلَّمَ الدعاءَ‏ وكيف أشتعل.. أنا‏ متَّهمٌ بهدفي.. وبإضاءةٍ‏ قضمت سلاحنا العميق.‏. بمقاومةٍ لا أُنكِرُها.. لكنني عاشقٌ حدَّ الثمالةِ فماذا أصنع؟. ‏

لا بدّ من فاصلةٍ تُطلُّ علينا‏ لتتعرف على اختفائنا‏.. وحدَها عرّفتنا بلونها‏ وباختزالِها للعدم..‏ في عمقِها‏ نعضُّ العتابَ‏ لنرى مجرانا فيها‏.. دلالتُها‏ تحتَنا‏ وبحاجةٍ إلى ترسّبٍ يغلّفها‏ وبحاجةٍ أيضاً‏ إلى غذاءٍ راكد‏.. جراحاتُنا‏ لها‏ وفيها‏ ننام‏.. لا سرّ فيها‏ كي نكون أحراراً‏ نراقبها‏ لترتفع‏ ومن أحزاننا‏ سنعرف كلَّ شيءٍ‏ عن‏ بعضنا البعض.. لا بدَّ من فاصلةٍ لهذا الضياءِ الأبديّ التوقُّدِ.

الضياءُ الذي سيعرِّجُ عليَّ أحْرَجَ خزائني الفارغةَ ومقترحاتِ الرثاء التي افترضْتُها لشعبي والفواصلَ التي زينتها بالموسيقى وكأسَ الندمِ الذي نسيهُ المذنبُ في المنزل.. الضياءُ الذي سيعرِّجُ عليّ أشار إلى عينيَّ.. فنمتُ.. أشارَ إلى منامي.. حَلُمْتُ.. أشارَ إلى حلمي.. فتطايرَ المكان.. مرَّ بي على بقايا المدينةِ.. أطلالٌ، وغرقى، توابيتُ معتَّقةٌ، وخيولٌ عمياءُ يلتهمها الحريق.. الضياءُ الذي سيعرج إلي أدْخَلَ القمرَ إلى غرفتي وعكَّرَ سكوني.. أراني البِحَارَ تتحطَّمُ.. وحين خَلَدَ الرُّبّانُ إلى النومِ أقلعَ بنا القاعُ.. ونسينا تنفُّسَنا على المراكبِ نفتّش عن أدلائنا ونمسحُ الخسارةَ بالسكوت.. الضياءُ الذي سيعرِّجُ عليَّ.. يا أيها الضياءُ ليس في دفاتري سوايَ.. أبيضُ مكومٌّ كالرمادِ العربيِّ وليسَ في غرفتي غيرُ فجرٍ سريٍّ أخبئهُ عن غيومٍ كاذبةٍ تضحكُ وسماءٍ ملبدةٍ بما لا يقالُ.. وليس في دفاتري غيرُ بيوتٍ وأسفارٍ مخطَّطَةٍ على الورق وعاصفةٍ لم تنفجر بعد.. وصفاتٍ ألعبُ بها وأحياها وأهذي بتأثيرها.. وليس لدي سوى كونٍ واحدٍ أُشعِلُ حرائقي فيه وأتدفَّأُ على الوهمِ وأوقدُ تاريخيَ المبتلَّ بين أسئلته.. وليس لي سوى حياةٍ واحدةٍ لذا قَطَعْتُ تذكرةَ الإيابِ فقط.. فكيف لي أن أخبِّئَكَ أيها هذا الضياءُ عن دمٍ فاسدٍ وأصوِّرَكَ في هيئةِ حطامٍ.

هذا الضياءُ يا أحبَّتي.. تذوّقَ قلبي وأخرجَ من الجليدِ مراكبي وتوابيتي الناشفة وأشعل بيوتي وبحاري وأمكنتي ضخَّ الدمَ إلى وريدي شدّني إلى اليقظة من ثوبي فاشتعلتُ أبحثُ في الأماكِنِ كالحريقِ عن الأسئلة.. يا ذا الضياءُ الذي وفَدَ من "اليمن الحزين"، ويعرِّجُ على الذاكرةِ يُوقِدُها.. تذكَّرْ من هنا مروا، ومن هنا اندحروا، ومن ها هنا، يبتدئُ الزمانُ رحلَتَهُ نحو الألقِ الأبديِّ في أفقِ عذاباتِنا، من ها هنا مرَّتْ جحافلُهم، ومنا ها هنا اشتعَلَتْ بنادِقُ الأحبةِ في صدورهم فكان الفجرُ، وتوقَّفَتْ دورةُ الأحزانِ بقلبي.. فكن يا ذا الضياءُ رفيقاً بي.. واتركِ الفواصلَ للصباحات القادمةِ، سيكون فجرٌ لا مكانَ فيه للنجوم والأقمار، وحدها الشمسُ ستأخُذُ بتلابيب الفضاء، ووحدهُم الأبطالُ يفرشون الترابَ للضياءْ. 

 

 

إخترنا لكم من العدد