مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

المقاومةُ قدرٌ لا مجرّدَ خَيَار.. دورُ الإسلام في إحيائها وتعاظم دورها الراهن

 

لم يتغير شيء كثير منذ زمن طويل فيما يتعلق بالغرب ودوره ووظيفته وسياساته بالمنطقة العربية، ربما ما تغير فقط هو شكل وآلية السياسة، أما المضمون الاستعماري فهو ذاته لم ولن يتغير..

فمنطقتنا جاذبة له على الدوام، في ثرواتها ومواردها وموقعها.. ولهذا يقوم في سياساته – من جملة ما يقوم - بالقضاء على أية مقاومة له ولخططه، خاصة على صعيد هذه الروح التي اسمها الإسلام..

وفي هذه الأيام نشهد إعادة تركيز على هذا الإسلام الذي هو الوعاء الحضاري لهذه الأمة، بل روحها السارية في أجساد أبنائها منذ نزول الوحي؛ والإسلام الذي نعنيه هو إسلام الفكر الإنساني، إسلام التمرد على الذات المريضة، إسلام الدعوة للخير وقيم المحبة والتعايش والتسامح الإنساني.. إسلام الانفتاح على الحياة والعصر، إسلام التمرد على الذات الخاملة والقانعة، لا إسلام الانغلاق والقتل والتكفير والفوضى الفكرية والانتماءات الجزئية والهويات الفرعية الضيقة..

لهذا نجدُ أنّ هذا اللونُ والنّمطُ من الإسلام الثوري التغييري لا يحظى برضى وقبول القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاربه بشدة مادياً ومعنوياً، وتفتح عليه كل نيران الفتن وجبهات القتال والعنف الدامي لإسقاطه ومنعه من النجاح والامتداد، لأنها تريد شكلاً آخر من الإسلام التكفيري المدجّن والقابل للتكيف مع مصالحها واستراتيجياتها في الهيمنة على مقدرات المنطقة وثرواتها الهائلة وضمان أمن ربيبتها إسرائيل.. وهذا ما بات يعبر عنه كبار الساسة والمفكرين وخبراء الاستراتيجية السياسية الأمريكية بالذات، فها هو مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمن القومي، يعبر في إحدى اللقاءات معه عن حقيقة التصور الغربي عن الإسلام قائلاً: "إن الإسلام سرطان خبيث في جسد مليار وسبعمائة مليون إنسان على كوكب الأرض، ويجب استئصاله..".. هو يقول هذا الكلام وأمريكا حليفة لدولة تدعي الإسلام والنطق باسم المسلمين، وهي السعودية..!!.

إذاً الجماعة هناك باتوا يقولون علناً ما كانوا يفكرون به ويسعون إليه سراً وفي الخفاء منذ عقود.. وهذا ما يدفعُنا إلى ضرورة أخْذِ عبرة وفكرةٍ واضحة، وهي أنّ هذا الغرب السّياسي (النفعي الذرائعي) هو ألدُّ أعداء حريات مجتمعاتنا ونهضة بلداننا العربية والإسلامية، حيث الثروات والموارد والقدرات الجبارة (الموجودة في أراضي هذه الأمة والمفترض أن يتنعّموا بها قبل الآخر)، وحيث ممرات الطاقات التي يحتاجها (هذا الغرب) لتقوية وجوده واستمرار تقدمه، وتأمين شعوبه وتحقيق رفاهية مجتمعاته وإسعادها.. وهذا الغربُ مستعدٌ – كما هو واقع للأسف - أن يشعل الحروب ويفجّر الصراعات – حتى لو كانت دموية مكلفة - للحفاظ عليها، ومنعاً لوصول مجتمعاتنا إلى خياراتها وحقوقها وتمتُّعها بثرواتها.. وقد رأينا وشاهدنا حدوث هذا الأمر في كثير من بلداننا.. كما رأينا كيف أن كثيراً من الحكام مطمئنون ونائمون في العسل، فكل ما يخططون له ويفعلونه موافقٌ عليه مسبقاً من البيوت السوداء والبيضاء.

إنّ للإسلام حقيقةً واضحةً هي أنه ميراث حضاري مميّز للأمة، وقوة إلهام وإشراق نفسي لها على طريق سعيها لتحقيق نهضتها وحضورها الفاعل والمنتج في الحياة والعصر. وهذا أمر معنوي ورأسمال رمزي وقيمي لا يمكن لأحد النيل منه أو مجرد تقزيمه دوراً ومكانة، مهما حاولوا اتباع طرق التدليس والتحريف والتشويه، وصناعة أنماط وأشكال مختلفة من الحركات (المسماة إسلامية) الخاضعة لهم والمعبرة عن مصالحهم والجاهزة مسبقاً لتنفيذ إرادتهم وهيمنتهم.

وهنا يجب أن نؤكد على نقطة جوهرية، وهي: أن ظروفنا ومناخاتنا العملية صعبة جداً اليوم في هذا العالم العربي والإسلامي المليء بالأمراض والتعقيدات والمشكلات المزمنة التي لم تحل على مستوى الداخل، داخل كل بلد.. إذ كيف يمكن للفرد العربي المسلم أنْ يدافع عن وجوده ويواجه قضاياه الكبرى كقضية فلسطين مثلاً، وهو مريض ومنتهك الحقوق ومحروم الحاجات، وجسده مليء بشتى أنواع الفيروسات والجراثيم القاتلة؟.. إننا نعتقد أن الجسد السليم والمعافى (أي "الفرد - المواطن" الحاصل على حقوقه) هو الأكثر قدرة على المواجهة والفوز والنجاح في أية مواجهة أو حرب أو معركة تنموية أو سياسية أو عسكرية..!!.

ويبدو لي أنَّ تعقيدات الواقع العربي المعاش واختلالات حياتنا العربية والإسلامية في مختلفِ المجالات، باتتْ أكبر بكثير جداً من أيّة كلمات عمومية جميلة ومنمّقة، أو طروحات أيديولوجية نظريّة خطابية.. فنحنُ نعيشُ في عالمٍ بشريٍّ كبير فيه أمم وحضارات ومجتمعات كثيرة لا تؤمن بأفكارنا ولا بقيمنا ولا بطروحاتنا، وقليلاً ما تنفتح على مفاهيمنا؛ وحتى في مجالنا الحضاري الإسلامي هناك ثقافة تاريخية سائدة تلغي الآخر وتقصيه ولا تعترف بوجوده، يعني لا تحترم التنوع والاختلاف، مع أن الدين ذاته يعترف بالآخر المختلِف، لكن الثقافة السائدة شيء والنص الديني المقدس شيء آخر، فليس السّلوك هو المعبِّرُ دوماً عن النص.

من هنا، يجب أن نقرّ بأنّ هناك مجتمعات بشرية سبقتنا بأشواط طويلة جداً جداً على صعيد العلم والمعرفة العلمية وبناء واقعيات قائمة قوية ورصينة، تستمد قوتها وحضورها ورصانتها من وجود دول متقدمة متطورة قانونياً وعلمياً، مكّنت الفرد الإنساني من الحضور والتأثير في عالمه، بعد إعطائه حقوقه والسعي الحثيث لإسعاده وتأمين عيشه الرغيد.. بنوا مدناً جميلة نظيفة، وبُنىً تحتية واسعة وقوية، وهيئات ومؤسسات علمية وصناعية ضخمة.. أي باتت لهم وعندهم مواقع قوة في كل المجالات الحياة المادية (ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن الجانب الروحي المهم هو الآخر).. وأما نحن في عالمنا الإسلامي، فلم نتمكن - إلى يومنا هذا إلا ما ندر -  وعلى الرغم من امتلاكنا لرسالة إنسانية تدعو للخير والحق والعدل، من مجرد صياغة إنسان حاصل على حقوقه الحقيقية الفردية وعلى رأسها الحرية والمشاركة.. بلداننا العربية والإسلامية عموماً ينخرها الفساد والإفساد والبنى التحتية المترهلة، وضعف الأخلاق والمبادئ القيمية، وانحطاط العمل بالقيم الوطنية والادعاء الفارغ بضخامة الوجود المؤثر والمنتج.

نحن نحتاج في عالمنا العربي إلى عمل كبير وجهود مضنية جبارة وطويلة.. نحتاج لإرادات فاعلة مؤمنة.. نحتاج لجهاد أكبر ذاتي يقضي ببناء النفس القادرة والفاعلة.. نحتاج أن ننتصر على ضعفنا واستضعافنا لأنفسنا... نحتاج لحوار وثقافة تسامح وتعايش بعيداً عن الطائفية والحزبية والهوياتية المغلقة. خصوصاً وأننا (نحن العرب بالذات) لم نبنِ في مدى تاريخنا "شيئاً" اسمه "دولة" بمعنى الكلمة. كانت لدينا فقط – وما زال الأمر قائماً - عشائر وقبائل تحكم وتتحكم من خلال أشخاص، انتقل حكمها من بيوت الشعر إلى قصور ألف ليلة وليلة مع بقاء العقلية نفسها.. وحتى في تاريخهم الحديث ليس لدى العرب دول مؤسسية مدنية قائمة على القانون وحكم المؤسسات وتقديم الخدمات بعيداً عن الولاءات العصبوية العتيقة أو الحديثة.. بل هي دول محكومة بتوافقات مصلحية ما قبل وطنية وما قبل حداثية.

طبعاً، نحن عندما نتحدث عن هيمنة "الثقافة التاريخية النمطية" ونحملها جزءاً من مسؤولية الفشل الحضاري لا نعني بها تكريس حالة ومناخ اتهام الناس في دينها وعقائدها ومنظوماتها التفكيرية التاريخية، وتحميلها مسؤولية الفشل الحضاري، وسلبيات الواقع القائم، وتفجّر أنماط وحشية من العنف البدائي.. فهذا لنْ يحلّ أية مشكلة عربية قائمة، بالعكس سيؤجّج الصراعات، ويزيد النار اشتعالاً، وسيصاعد من تراكمات مناخ التدخل وتعقيد الأزمات العربية المتفجرة أساساً.

نعم التّراث الديني العربي مليء بالأمراض، وفيه ما فيه وعليه ما عليه، ولكن معالجة أزماته ومشكلاته لا تسير على طريق إلغاء هذا التراث ومحوه بجرة قلم، مع عدم القدرة عليه أصلاً.. بل الحل يكمن في تهيئة أجواء التعافي، في التنمية ثم العلم والإصلاح السياسي والاجتماعي الحقوقي.. بمعنى تغيير الواقع الاقتصادي وتحسين ظروف عيش الناس وفسح المجال السياسي والاقتصادي أمامها للتعبير عن ذاتها سلمياً وضمن قنوات التفاهم الاجتماعي المدني.

وعندما نتحرك على هذا الطريق للتعافي الداخلي من خلال بناء مقومات الفرد المسلم على الحقوق والحريات والتنمية الفردية، يمكن أن نواجه أكبر تحدياتنا الوجودية، وهي مشكلة وتحدي وجود إسرائيل ككيان غاصب للأرض في فلسطين المحتلة..

ولكن ما تقدم كله لا يجب أن يمنع من ضرورة إبقاء قضية فلسطين حية وحاضرة بقوة في النفوس والعقول والقلوب (في ذهنية الأمة ككل) وإعلان الرفض الدائم للهيمنة الصهيونية على فلسطين المحتلة من خلال الاحتجاجات والندوات والمؤتمرات، وغيرها. وهنا يأتي يوم القدس العالمي الذي أعلنه الإمام الخميني(رض) منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م، من أبرز وأهم تلك المظاهر السياسية والثقافية المعبرة عن تلك الرؤية الثقافية والسياسية المقاومة والممانعة بشأن فلسطين المحتلة.. وبشأن مجمل قضايا المنطقة الأخرى، السياسية منها وغير السياسية.

ولكن برأيي هناك مسؤوليات داخلية ضخمة على مستوى دولنا ومجتمعاتنا، قبل أن نتهم الآخرين بالتدخل والإعاقة والمنع، وهي اتهامات صحيحة بطبيعة الحال، حيث أنه إذا لم يتوفر الفرد العربي والمسلم، على الحقوق وإرادة العمل الفاعل، لن يتغير وعينا وانطباعنا وسلوكنا، ولن نكون قادرين مستقبلاً على إحداث التغيير الحقيقي الإيجابي في الوعي والسلوك الممارس.. فالسكوت عن الخطأ، والتستر على العيوب، ومداراة النفس الخاطئة، والاستنكاف عن تحمل المسؤولية، والخوف والإمعية؛ مع التفشي الواضح والواسع لأمراض مجتمعية كبيرة من الفساد، وسوء أخلاق الناس، وانعدام المسؤولية، وشيوع الكذب والنفاق وتمسيح الجوخ، ووووالخ.. فكلها سلوكيات سلبية سيئة تطبّعنا عليها للأسف، وينبغي التخلص منها، مع أنني بتُ أعتبرها أمراً عادياً في بيئتنا العربية التي هي بيئة الظلم والحرمان والقمع، بيئة الفوضى واللا حقوق والحرمان العربي.. ولا حلول حقيقية لتلك الأمراض عن طريق تعميق الدعوات الوعظية وحض الناس على الأخلاق، لأنها ستبقى -رغم أهميتها- مجرّد دعوات "أفلاطونية" غائبة عن الواقع، ولن تجد طريقها إلى النجاح والتطبيق الفعلي في سلوكيات الناس إلا ما ندر، طالما أن الناس محكومين في معاملاتهم بالقسر والضغوط والفساد والفوضى، وطالما أنّ العربَ كنخب ومسؤولين غير جادين بالإصلاح والتطوير الحقيقي على الصعيد السياسي والتنموي والحقوقي..

ومآسي العرب - في حروبهم وصراعاتهم وتدخّلات الآخرين في شؤونهم ومعظم مواقعهم واستفرادهم بثرواتهم ومواردهم - كلها لن تنتهي أو تتوقف طالما أن المرض العربي داخلي ومقيم ذاتاً، وهو يكمن في موضوعة الحكم والسلطة العربية بالدرجة الأولى.. ولهذا ستتكرر وتشتعل صراعات العرب والعنف العدمي (فيما بينهم ومع غيرهم) بين وقتٍ وآخر، طالما لم تحسم أمور التنمية والتطوير المجتمعي والعدالة الاجتماعية، وضرورة بناء الدول المدنية العادلة، وإعطاء الناس حقوقها بالعنوان الأوّلي لا الثانوي؛ فالحقوق أهم من الأحكام، وأهم من القيم والأخلاقيات، لأنها هي الطريق والدخل (والممر الإجباري) إلى تلك القيم والأخلاقيات الذاتية والموضوعية.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد