مجلة البلاد الإلكترونية

الإدارة الأمريكية تهين الشعب اللبناني بأكمله بوضعها نواب عنه على قائمة الإرهاب

العدد رقم 188 التاريخ: 2019-07-12

أن تكون كاتباً

غسان عبد الله

 

أن تكون كاتباً

بدايةً فلنتفق على بعض الأمور.. ككاتب، أو كشخص يطمح أن يكون يوماً كاتباً، مهما بلغت ثقتك بنفسك أو بعملك لا بد من الاحتفاظ بمقدار معقول من الشك. الشك الذي يُبقي قدميك على الأرض ويحميك من التحوّل إلى الجانب الدفاعي إذا ما أشار أحدهم إلى سقطات لغوية أو فنية أو إيقاعية في النص الذي قد يتراءى لك كاملاً إلى حد ما. ذلك الشك الذي يعينك على تقبّل النقد مهما كان لاذعاً، ويذكّرك بأنّ الكتابة عملية مستمرة من التجربة والاكتشاف. الشك الذي يوفر عليك عناء التبرير ومحاولة إرغام القارئ على ابتلاع نصك بشكل قسري حين يتعذر وصوله إليه.

بعد الاتفاق على ما سبق ذكره، يمكننا عمل الاستنتاج المنطقي التالي: ككاتب، وخصوصاً ككاتب مبتدئ لم يخط أكثر من كتابين أو ثلاثة جلُّ من قرأها أفراد عائلته وأصدقاؤه المقربون، لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تمدح نصاً كتبته، ولو أصبح من أكثر الكتب مبيعاً، فإن كان مادحُ نفسِهِ كذاباً فمادِحُ نصّهِ موهومٌ أو نرجسيٌّ لدرجة مرضية، أو هذا على الأقل ما سيتراءى للقارئ الذي قد يحرص على قراءةِ نصِّكَ لا لشيءٍ إلّا ليوجّهَ لك ضربةً تعيدُ إليكَ رُشدَكَ وتشفيكَ من بعضِ وهمكَ. وعليه، فإنه لا يجوز للكاتبِ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ مثلاً أن يعطي كتابَهُ تصنيفَ "خمس نجوم" على المواقع التي تعنى بالقراءة والكتب.

بعد الاتفاق على ما سبق يجدر التذكير بحقيقة قد يغفل أو يتغافل عنها كثير من الكتّاب، مغمورين كانوا أم مشهورين. كل كاتبٍ لديه شيطانٌ صغيرٌ يعيشً في زاويةٍ من دماغِهِ ويُقْنِعُهُ بأنّ ما يكتُبُهُ هو أفضلُ نتاجٍ بشريٍّ يمكنُ قراءتُهُ على الإطلاق!!.

طبعاً تتفاوتُ القدرةُ على مقاومةِ هذا الشعورِ من شخصٍ لآخر، إلا أنها تنحدِرُ إلى مستوياتٍ متدنيةٍ جداً لدى البعضِ لدرجةِ أن تراهم، هم أصحاب النصوص الزاخرة بالشخصيات الهلامية والقصص المبتورة، لا يجدون حرجاً في انتقاد أعمالٍ لعمالقة الأدب، أو تجدهم كلما "دقّ الكوز بالجرة" يشبهون أنفسهم بهذه الرموز، خصوصاً حين تفشل نصوصهم في الوصول إلى القراء كما يريدون.

يخطر ببالي صديقي ـ لن أذكر اسمه ـ من وقت لآخر وأتذكر كلامَهُ عن روايته التي لم يكتُبْها أبداً والتي كان يقول إنها كانت لتضعه ضمن مصاف الكتّاب العالميين. أكرهه في هذه اللحظة، أتمنى لو أنه كتبها فعلاً ليثبت صحة كلامه، بدل أن يكتفي بكلام قد تظنه نابعاً من ثقةٍ زائدةٍ ويعطي المجالَ لهواةِ الكتابةِ بتقديمِ ادّعاءات مماثلة. لكن لنتفق على شيء آخر قبل أن تسوّل لأحدٍ نفسُهُ التذرعَّ بالادِّعاءِ نفسه: أين أنتم من صديقي؟.

وعليه عزيزي الكاتب، عزيزتي الكاتبة، تذكر دائماً أنّ هذا العالم مليءٌ بالكتّابِ وبمن يطمحون لأن يصبحوا كتّاباً، ولا أسهل من أن تصبِحَ كاتباً في العالمِ العربيّ حيث يمكن أن تجِدَ ناشراً لا يكلّفُ نفسَهُ عناءَ قراءةِ ما تريدُ نشرَهُ طالما أنكَ من سيدفَعُ ثمنَ الحبرِ والورقِ. لكن هناك فرق أساسي بين الكاتبِ الحقيقيِّ ومن "يشخبط" على الورق ويوهم نفسَهُ أنّ ما يُنتجُهُ هو الأدب والأدب منه براء. الواهمُ يرى كلَّ ما يكتُبُه أدباً مهماً يستحقُّ أن يُنْشَرَ ويُقرأ، وربما أن يُكتَبَ بماءِ الذّهَبِ. لكن الكاتبَ الحقيقيَّ فقط هو من يكتب، ويكتب، ويكتب، ثم يقرأ، فيمزّق الصفحة إرباً ويلقيها في سلة المهملات لأنه يرى أنّ ذلك هو مكانها الصحيح.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد