مجلة البلاد الإلكترونية

انكشاف المخطط الأمريكي في إدارة الحراك في لبنان

العدد رقم 207 التاريخ: 2019-11-22

الْعِلْمُ وفَلْسَفَةُ الدِّيْن.. هل العلم والدين متناقضان؟!

بعضُ المثقفين في دنيانا العربية، ممن تعلموا قليلاً من علوم الحياة بالتجربة والتراكم المادي المنقول والمنسوخ عن غيرهم، وليس بالممارسة الخاصة المبنية على تجاربهم وإبداعاتهم الذاتية، تأخذهم بالعلم الحديث – والتطبيقات العلمية الحديثة الهائلة - عزة النفس وضخامة الذات..

.. فيعتبرون أنَّ العلمَ – في اكتشافاته واختراعاته - هو كلُّ شيءٍ في هذه الحياة؛ فهو القانون الحاكم والمنهج المهيمن وصاحب الكلمة الفصل؛ وأن الدين شيء آخر ينتمي لعالم الخرافات والخيالات البشرية، ولا علاقة له بالعلم أو المنهج العلمي المعروف، بل هو على تناقض معه، ويشكل أكبر عائق في طريق التفتح العلمي والازدهار المجتمعي العربي.

هذا الكلام النظري الذي تحول - في وعي هؤلاء - إلى ما يشبه "الهوية" أو الفكرة الخلاصية المغلقة غير قابلة للنقاش، يحاولون دعمها ببعض الفذلكات البيانية الخطابية البعيدة عن منطق العلم والمنهج العلمي ذاته.

بطبيعة الحال هؤلاء لا يفرّقون بين مجال عمل واختصاص العلم، ومناخ عمل اشتغال الدين والفكر الديني.. ولا يعلمون معنى الدين وفلسفته وغاياته ومعانيه.. هم فقط يرون أمامهم معادلات الرياضيات وقوانين الفيزياء وتجارب المختبرات وأجهزة الحاسوب ومصانع الطائرات والصواريخ وتقنيات البرامج الناعمة وثورة المعلومات الاتصالية الهائلة.

ومن المعروف أن العلم والحداثة العلمية التي تفجّرت في الغرب الحديث، (وهي بذاتها كانت امتداداً لنهضة أمم وحضارات أخرى سبقتها، حيث التبادل المعرفي والتراكم العلمي)، جاءتْ (هذه الحداثة العلمية في نظرياتها وقوانينها واكتشافاتها واختراعاتها) داخلَ سياقٍ ومناخٍ ثقافي وتاريخي مؤطّر ومحدّد بسياق تجربة غربية شبه خاصة على صعيد المواجهة العنيفة التي حصلت بين الفكر والمعرفة التقليدية النمطية السائدة هناك وبين ثورة العقل البشري الرافض للسائد والنمطي التقليدي الديني، كما كان من أهم وأبرز تجليات وتمظهرات ذلك المناخ العملية هو وجود علاقة قوية وشبه عضوية بين الواقع المتغير وبين النص الثابت الجامد الخاص باللاهوت الدّيني المسيحي، وكأنّهما حالة متلازمة على مستوى الفكر الديني والفلسفي.. وهكذا استمرت تلك العلاقة المتوترة والعنيفة بينهما، حيث امتلك "إكليروس الكنيسة" فيها – منذ البداية - مواقع قوية لرفضها ومحاولة إسقاطها في مهدها.. وقد كان من الطبيعي أن تميل الكفة وقتها لصالح هذا الكهنوت و"الإكليروس" الديني، حيث كان الإقطاع الديني المسيحي في أوروبا يحظى بكثير من الإمكانيات المادية ومواقع القوة المعنوية، نذكر منها:

1- التمتع بوجود النصوص المقدسة وهيمنتها القاطعة على شعور الناس وسلوكياتها وممارساتها في طبيعة تفكيرهم وقناعاتهم، وطرق ممارستهم لحياتهم وأكلهم وشربهم وملبسهم ومعيشتهم ومجمل تصرفاتهم وأحوالهم الخاصة والعامة.

2- وجود مواقع اقتصادية مؤثرة في الحياة الاقتصادية والمعيشية للناس، مما كان يستتبع ولاءً شبه مطلق منهم للعقيدة والدين، تقديم خدمات مقابل كسب الولاء..

3- وجود تأييد شعبي كبير "للإكليروس" والعقيدة الدينية نتجت عن تغييب عقول البشر الذين كانوا غارقين في ظلام العصور الوسطى.

4- وجود دعم لا محدود من قبل السلطات الزمنية الحاكمة للدين الكنسي، حيث كان لا يهمها من الدين كله سوى ما يعطيه (هذا الدين) ويضفيه من طابع الشرعية و"تاج الملوكية المذهّب!" الذي كان يضعه البابا أو زعيم الإكليروس الديني على رأس القادة الزمنيين.

وهكذا بقيت واستمرت تلك المواجهات والصراعات (بين الناس والعلماء) لقرون عديدة، كلّفت المجتمعات الغربية عشرات الآلاف من الضحايا والأبرياء الذين سقطوا على طريق العقل والتفكير والعلم.. حتى تمكنت أفكار الحداثة والتنوير المستندة إلى العقل والتفكير البشري وحده من أخذ موضعها الرصين والمعياري في بنية التفكير والحضارة الغربية، ومن أن تثبت وجودها وتفعل فعلها على صعيد تطورات العلم والمعرفة العلمية والتقنية ومجمل الاختراعات والاكتشافات في كل مجالات الحياة البشرية، لتعلن عملياً عن انتصارها الحاسم على خطرين داهمين كانا دائمين ومؤثرين بصورة سلبية على تطور وسيرورة الحداثة الغربية، أولهما، خطر وعبء أفكار الدين الخرافية ومعارف الكنيسة القروسطية الرثة والبالية التي كانت تتلاعب بالمعطى الديني باعتباره رسالة محبة ووئام وسلام داخلي، لتدخله في مواجهات خاسرة مع العلم والعقل والتفكير والبحث والتطور، وثانيهما، خطر النظم السلطويّة المرتبطة والمتصلة عضوياً بدعم الكنيسة.. أي خطر الاستبداد السياسي، وتوظيف واستغلال الدّين ومفاهيم الدين في مضمار السياسة.

وقد أضحت أوروبا والغرب عموماً – بعد سيادة قيم العلم والعقل، وإجراء فصل نهائي بين الجانب العقائدي الديني والجانب الحياتي الدنيوي العملي - نموذجاً لسيادة قيم الحداثة العلمية والتنوير الفكري والمجتمعي التي أفرزت واقعاً حضارياً مدنياً جديداً، قاعدته العلم والعقل ونسبية الأخلاق والقيم، وتعميم ثقافة الحوار والتسامح والمشتركات الإنسانية، وقمته التطور والازدهار وسعادة الإنسان.

طبعاً يجب أن نلاحظ هنا أنّ هذا الصدام التاريخي بين الدين المسيحي والعلم والعقل البشري، والذي أفضى إلى بناء نهضته الحديثة على العقل والعلم، لم نجد له أي أثر أو أي وجود تاريخي حقيقي في حضارتنا العربية الإسلامية التي تكامل فيها العلم والدين دونما أية صراعات اجتماعية وفكرية واضحة ومحددة أو مضبوطة.. ويعود السبب إلى أنّ الإسلام في نصوصه المقدسة كان دعوةً للعلم والمعرفة العلمية، وضرورة نهج طريق العقل والتفكير العقلي للبناء الحياتي والوجودي الخاص والعام.. ولا أجد هنا أية ضرورة لإعادة كتابة وتسجيل كثير من تلك النصوص الواضحة الواردة في القرآن الكريم أو في أحاديث الرسول الكريم(ص) والأئمة الكرام(ع).

لكن هذا كله لا يمنعنا من ضرورة التمييز والتفريق المنهجي بين العلم وقيامه على التجربة والحس والبعد المادي، وبين الدين القائم على الهداية والقيم والأخلاق والفضائل والدعوة القيمية للخير والسلام والعدل ومبادئ الإنسانية.

لقد بنى العلماء المعادلات وأنتجوا نظريات وقدموا دلائل حسية على وجود نواميس كونية حاكمة.. ولكن كيف يمكن استخدام كل هذه الحقائق والمعادلات واستثمار وجودها ومعانيها في حياة الإنسان؟ هنا يأتي دور الدين ودور الفلسفة.. والمشكلة لا تكمن في طبيعة العلوم التجريبية، بل في قصور وعي وإدراك بعض المثقفين والعلماء لها.. فنحن نلاحظ أن كثيراً من الفلاسفة الغربيين حتى التجريبيون منهم اهتموا بالفلسفة والدين، ولو لم يعطوه أهمية بالمعنى المادي العملي.. وقالوا بوجود فلسفة للعلوم، وإلا ما الغاية من بناء المعادلات الرياضية والعلمية؟.. هل العلم لغاية العلم؟..

الدين والفلسفة يطرحان أسئلة تتصل بوجود الإنسان في خلقه وغايته، وتعطي معاني متعددة لتسهيل حياة الناس.. وهذه الغايات والتطلعات ذات المعاني الإنسانية والحياتية القيمية الكبرى يوفرها الدين والفلسفة الدينية.. أما العلم والرياضيات فهي مجرد معادلات أنتجها العقل البشري في سياق تفاعله مع الطبيعة ملاحظةً وتجربة..

من هنا أنا أعتقد أنّ من أهداف العلم – والعلوم الرياضية منها بالذات - هو عملها على تنظيم فكر الإنسان بمعادلات ومعايير قياسية، ليتمكن عبرها من فهم حياته ومحيطه وقوانين الوجود.. مثلاً هناك القياس والطول والعرض والارتفاع والأشكال الهندسية.. هذه كلها باتت لها معايير رصينة وضعها الإنسان ونظّم من خلالها حياته ووجوده (هندسة وعمراناً وغيرها).. ومن المعروف أن كل العلوم تختزن في داخلها معادلات رياضية، بمعنى أن فيها قدر من المنطق الرياضي.. لماذا؟ لإعطاء الأِشياء – من خلال معادلات الرياضيات - معناها الأقرب لواقعها الصحيح، أي كما هي كائنة في معيارها العملي، وليس كما يجب أن تكون عليه في ذاتها الأولى.

إن العلم – الذي أبدعه العقل البشري وصاغه ضمن قوانين ونظريات وحقائق - لا معنى له لوحده، بل بقرينة ما يستفاد منه في تطوير واقع الإنسان والمجتمعات البشرية نحو الأرقى والأفضل والأسعد.. فمثلاً معادلة قانون الجاذبية، أو معادلة الطاقة لآينشتاين، وغيرها، هي مجرد معادلات رياضية لها بيئة فيزيائية عملية، ولكننا لا نستطيع أن نفصل بين علم وآخر، كله مرتبط ببعضه بعضاً لأن الإنسان بعقله وتجاربه تمكن من الوصول إليها، واكتشافها، ومن ثم قام بتقعيدها ضمن معادلات محددة.. أي أن العقل نفسه هو الذي صاغ بيئة تطبيقها ونجح في استثمارها.

وهناك من يقول بأن ثورة العلم أنتجتها فقط متعة الاكتشاف عند الإنسان.. نعم صحيح أن الإنسان بذاته وفطرته مجبول على حب التطلع والتأمل والاستكشاف والمعرفة.. ولكن لماذا يتطلع ويختبر ويضع القوانين، هل يضعها فقط للمتعة وللإثارة؟! طبعا لا.. لأن الحاجة هي التي حرّضته ودفعته لهذا.. الحاجة التي هي كما قالوا أم الاختراع.. والدين هنا، في فلسفته، ليس بعيداً عن الموضوع، بل هو في صلبه الحديث العلمي وهو من أصل الموضوع، ومن ذاتيته الجوهرية.. نعم بالنسبة للرياضي أو لبعضهم، من أتباع العلم الحديث، قد يعتبرون الطبيعة مجرد ظواهر أو ظاهرات تدرس كما هي بذاتها من الناحية الرياضية أو توصف بذاتها. وهي –كما يقولون- لا تستند إلى نظام أعلى في الحقيقة، ولكن الأمر مختلف بالنسبة للدين، حيث تعبر الظاهرات الطبيعية رموزاً، أو آيات للخالق (المبدأ الأول والعلة الأولى)، وهي تأتي كدلالات على عظمة النظام الإلهي والسبيل إلى هذا النظام.. وهذا المعنى ورد على ألسنة كثير من علماء الغرب الحديث من المخترعين والمكتشفين والمتفلسفين.. ولم يرد فقط على ألسنة فلاسفة أو علماء مسلمين.. الدين بهذا المعنى يعطي الغاية والهدفية فقط، ولا دور له في الاختراعات والاكتشافات وتنظيم القوانين التي قبض عليها العقل البشري، وهي موجودة في الكون والطبيعة والوجود كله... واليوم يظهر لنا أهمية إعطاء معاني إنسانية للمنطق العلمي البشري، إعطاء غايات إنسانية، وليس التعلم لغاية التعلم، والبحث لغاية البحث.. وقد لاحظنا أن العلم والفلسفة الغربية تعبّدت العقل (بمعنى العلم الأداتي)، وجعلته وثنها الجديد، بعد ما أعلنت موت الإله الديني.. ولم يكتف الغرب بهذا، فسرعان ما تحول - في سيرورة معبّرة عن ذاتٍ قلقة ناظرة باحثة - إلى وثنٍ آخر جديد، لعله يضفي عليها معاني جديدة، وهو وثن الآلة التي اكتشفها العلم من خلال العقل ذاته.. هذا هو واقع الغرب الحديث – في سيرورته التاريخية - منذ تفجر عصور الحداثة، ترك الدين وأهمل الغيبيات المنسوبة إليه، انفتح على الفلسفة جاعلاً منها أفقه ومعناه الكلي الجديد.

وبقراءة كثيرٍ من كتبِ الرياضيين والعلماء حتى الغربيين منهم، نجد أن كثيراً منهم تحدثوا عن الانسجام والمفهومية، عن هذه العقلانية والتكاملية التي لم يجدوا لها معنى في المنطقية الرياضية، وكيف أن كل هذا العالم (وهنا موضوع التفلسف والمعنى والربط الهدفي) الذي درسه العِلم (والذي عرف أكثر وأتم من خلال كل أنماك وأشكال العلم والمعرفة المدمجة) يقدم لنا لغةً مفهومةً من أجل حكاية ذات معنى، وذات غاية، وذات غاية قيمية سامية.

إن العدل والظلم، الحق والباطل، تكافؤ الفرص، المساواة، العدالة، الخير، المحبة، حق الحرية حق التعبير، وكل الحقوق الأخرى.. هل يبحث العلم فيها؟..

العلم والدين، لكل منهما مجال عمل وفضاء للاشتغال.. فالعلم يبحث في الماديات، والدين يبحث في القيم والمبادئ والهداية الروحية..

الدين لا يكتشف ولا يخترع ولا يضع نظريات علمية، هذا ليس مجاله الحيوي، الدين يتحرك على صعيد بناء الإنسان نفسياً وروحياً، وهدايته لقيم الخير والحق والمحبة والجمال..

العلم هو معادلات واختراعات.. هو اكتشافات لقوانين ووضع لنظريات قد تصبح حقائق وقد تتغير بعد فترة.. العلم تجارب ومختبرات ومقاييس ومعايير ونسب ومعدّلات وكميات وحجوم وأبعاد.. العلم يصنع لك طائرات وصواريخ تمخر عباب الفضاء ويكتشف المجاهيل، ولكنه لا يحدد لك هدف بناء الصاروخ، لا يحدد لك قيمة الحق من فعل الباطل، ولا يحدد لك الخير من الشر، ولا يعطيك هو لوحده معاني وجودية، وغايات إنسانية سامية (أتحدثُ عن العلم بما هو علم حصولي).. هو لا يستطيع لأن منطقة القيم ومعاني الوجود والغايات من الخلق ليس مكان اشتغاله.

أي أن العلم أداة ووسيلة خالية من المعنى الغائي، قد تستخدم للخير، للبناء والرفاهية، وقد تستخدم للشر، للتدمير والإفناء وفعل القبائح.. يعني قد تستخدم للنهضة والبناء الحضاري المتين، وقد تستخدم للحروب والصراعات وتدمير المجتمعات... العلم يخترع ويكتشف، وهنا ينتهي دوره؛ يأتي بعدها دور القيم والدين وفلسفة الدين لتستكمل الدور، وهو دور ومهمة تحديد الوجهة، وجهة السير، الدين والقيم هي التي تحدد بوصلة التوجه للغايات الصحيحة والحقانية.

من هنا يجب ألا نسقط تحت تأثير مكتشفات العلم واختراعاته لنطلق أحكاماً نهائية، كما ينبغي ألا يغترَّ المرء كثيراً بالعلم (الذي لا شك أنه اكتشف أشياء، وأضاء زوايا معتمة في الوجود، كانت موجودة أصلاً)، على الرغم من أهميته القصوى للبشرية، وعلى الرغم مما فعله وما قدمه العلماء للمجتمعات البشرية من خدمات عظيمة وجليلة للغاية، وعلى رأسها إشادة هذه الحضارة الأرضية الرائعة.. فالعلم استخدم أيضاً للدمار والقتل، وتم استغلال وسائله في الحروب والصراعات، عندما آمن الناس بأيديولوجيات تدميرية عنصرية فاشية، كلفت البشرية مئات الملايين.. وهذا يقودني للتأكيد على فكرتي الأساسية، وهي أن الدين - كما أفهمه وأعيه كمبدأ إنساني وكحالة في الفكر والإحساس والممارسة وكمنبع للقيم الإنسانية - هو الذي يضفي على العلم الغاية والمعنى، ويرشده على طريق خدمة الناس، وتأمين وجودهم لا تدميره وتحطيم منجزات العلم ومنع استثمار جمالياته على طريق الخير والسلام.. العلم اخترع القنبلة الذرية.. لكن انظر أين استخدمت؟!!.

.. العلم ليس غاية بل وسيلة مهمة للعيش المستقر والرغيد.. انظروا للطائرة مثلاً، هذا الاختراع العظيم الذي تمكن منه العقل البشري، يستخدم في اتجاهين، اتجاه خدمة البشر، واتجاه آخر لقتلهم وتدميرهم.. من يحدد هذا؟.. ليس العلم.. بل قناعات البشر، أفكارهم، مصالحهم، نزعاتهم... وإيمانهم بأيديولوجيات فكرية إقصائية وعنصرية واستبدادية لا ترى إلا ذاتها.

نعم العلم بعدما سما وارتفع، تبيّن لنا مدى صلاحياته وغاية إمكاناته وقدراته، فهو -دون شك أو تعقيد - ضياءٌ لمعرفة الحقيقة ووسيلة مهمة وحقة لرؤية الواقع في مختلف جوانب الواقع وتنوع حقول الحقيقة، بمعنى أنه يكشف الحقيقة أمام الإنسان، ولكنه (أي العلم) ليس محرّكاً للإنسان في حياته ولا دافعاً له في تكامله وقيمه ومعاني وجوده، بل يقتصر دوره ووظيفته - كما قلنا - على كشف الحياة وتوضيح التكامل ووضع الوسائل والأدوات.

ويجب أن يُفهَم أننا لسنا على طرفي نقيض من العلم.. فالعلوم المادية كلها حققت واكتشفت وقدمت وأعطت وأنجزت، وتمكن الناس بفضلها من العيش بهناء وتطور وازدهار ورخاء.. ولكن هل العلم يقود الحياة؟ بمعنى: هل هو الذي يحدد لها الغاية والهدفية؟ العلم - بما هو بحث وتجارب وتراكم خبرات مادية وقوانين علمية ومعادلات، ونظريات - ليس هو ما يعطي الحياة المعنى والقيمة والغاية بذاته ولذاته.. ما يعطي حياتنا المعنى والغاية هو وجود القيمة والصفات الكمالية العليا المتمثلة في خالق المادة وخالق الوجود والعلة الأولى. وكل نظريات العلم لم تتمكن من الإجابة الحقيقية عن تلك الأسئلة المتعلقة بأصل الخلق ومعنى الوجود والغاية منه (من أين جاء الكون؟ ومن أين انبثقت الحياة؟ وما هي الغاية من هذا الخلق والوجود الهائل؟ وما العلة ًالكائنة وراءه؟).. طبعاً عجز العلم عن الإجابة والتفلسف فيها، ليس لأنه لا يستطيع - وهو لا يستطيع - الإجابة عنها، بل لأنها ليست مجال اشتغاله.. العلم يشتغل على المادة، والبحث التجريبي، ما عدا ذلك ليس من شأنه، وهو ليس معياراً لتحديد الصحة والخطأ، وتعيير الأمور المعاني والأخلاقيات والهدفية والغائيات، بل المبادئ العقلية الأولية، هي المعيار الفصل حتى في العلوم المادية.

أي للعقلِ دور حيوي وأهمية وجودية كبرى مركزية في حركة الإنسان والحياة والوجود، خصوصاً دوره النوعي على مستوى تأسيس معرفة إنسانية شاملة حيوية ومفيدة عن الكون والوجود والإنسان والحياة ككل، في ما يمكن أن تعطينا - كأفراد في المجتمع البشري الكبير - دوافع قوية للعمل والتطور، ومستلزمات أساسية وسبل عيش مثمرة للتحرك الفاعل والمؤثر والمنتج في جميع خطوط الحياة، ومواقعها، وامتداداتها الحاضرة والمستقبلية.

وهناك مجموعة من المفاهيم والمقولات والقضايا العقلية لا تستند عملياً إلى الحسّ والمادة والتجارب العلمية "المخبرية" التحليلية القياسية (معايير وقياسات ونسب ومعدلات) لإثبات مصداقيتها وحقيقتها الخارجية، من قبيل مفاهيم وقضايا (العلة والمعلول، الجوهر والعرض، الإمكان والوجوب، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم، وما إلى ذلك من تصورات تصديقية ومفاهيم فلسفية أخرى).. الأمر الذي يجعل النظرية الحسية تخفق إخفاقاً ذريعاً في إرجاع جميع قضايا الإدراك الذهني البشري ومفاهيمه وبديهياته إلى المادة، لأن تلك المفاهيم هي مفاهيم "انتزاعية" أولية وثانوية، ينتزعها العقل البشري من خلال تأمله وملاحظته لحركة الواقع الكوني والإنساني، وعلى ضوء المعاني المحسوسة أيضاً.

من هنا يجب أن نعلم بأن العلوم سعي بشري وجهد عقلي إنساني، وهي لهذا مخلوقة للإنسان، ولا يمكن لها أن تصبح خالقة له، فمهما تقدمت وازدهرت وتفاعلت مع الإنسان، لا يمكن للإنسان الذي صنع العلم والفلسفة والحقوق والأخلاق أن يسجد أمامها بعد الصنع، ولا أن يركن إليها ويعبدها من دون الله، فالعلم ونظائره وسائل وآلات بيد الإنسان، هي مجرد أدوات للاستخدام من قبل الإنسان، سعياً لتمكين عيشه البشري.. أي هي تبدأ من الإنسان وتنبع من الإنسان وتستند على الإنسان. والتجربة الغربية خير دليل، وصلت لما بعد الحداثة العلمية، مفتقدة للمعنى، تعبّدت العقل وتركته، ثم اليوم تتعبد وثن الآلة كما قلنا سابقاً.. واليوم يبحثون عن معاني جديدة لحيواتهم.. صنعوا حضارة علمية هائلة، حيث أنه يمكن بكبسة زر واحدة أو بخطأ تقني بسيط أن تتدمر البشرية كلها وتعود لعصر الديناصورات..!!..

نعم، لا يجب أن يدفعنا العلم وما توصلت إليه مختلف فروعه، للتغطرس والنرجسية و"شوفة" الحال، بل للعمل والبناء الهادف والاشتغال على معنى العلم في بناء حضارة كونية إنسانية، تعطي العلم غاياته الإنسانية النبيلة..

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد