مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

تونس بين عودة الإرهاب واستهداف التجربة الديمقراطية

توفيق المديني

على الرغم من هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي في كل من العراق وسورية، فإنّ الشعب التونسي فوجئ صباح الخميس 27 حزيران 2019، بعمليات إرهابية متفرقة استهدفت الأولى سيارة شرطة بلدية في شارع تجاري مهم بتونس – شارل ديغول - قرب مقرة السفارة الفرنسية بتونس، والثانية قرب مقر فرقة مكافحة الإرهاب بالعاصمة، وثالثة في قفصة استهدفت محطة الإرسال الإذاعي والتلفزي بجبل عرباطة وأسفرت عن استشهاد عون أمن وجرح آخرين فيما تزامن هذا الحادث الأليم بتعرّض رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى وعكة صحيّة حادة استوجبت نقله إلى المستشفى العسكري بتونس.

ومع تبني تنظيم "داعش" هذه العمليات الإرهابية، طرح الحديث مجددَاً عن إمكانية عودته إلى نشاطه الإرهابي السابق عن طريق الذئاب المنفردة. فبعد الضربات القاسية التي تلقتها المجموعات الإرهابية في تونس  طيلة السنوات الماضية، بفضل الدور الحاسم الذي قامت به المؤسسات الأمنية والعسكرية في محاربة الإرهاب، تطرح في تونس اليوم  تساؤلات كثيرة حول قدرة هذا التنظيم على إعادة تجميع فلوله من جديد والسعي لتحقيق أهدافه بعد تحوله إلى ما يسمى ظاهرة الذئاب المنفردة، لا سيما أننا لسنا بالضبط أمام عمليتين لذئبين منفردين حسب المصطلحات الإرهابية إذ يقتضي حمل حزام ناسف – مهما كانت بدائيته – شبكة دنيا لصناعته ولإيصاله لمنفذي العمليتين، ثم تزامن هاتين العمليتين الأولى التي حصلت في بداية يوحي بالطبع بوحدة مركز القرار والاختيار.

"داعش" لا يزال قوياً

لا يزال تنظيم "داعش" الإرهابي يحظى بجاذبية أكبر لدى المجموعات الإرهابية الصغيرة المنتشرة في بلدان المغرب العربي ولهذا، يُخشى من يواصل فكره في التأثير. ولكن فكره كان فعالاً لأن "داعش" كان يدعي أنه: دولة. لقد كان الكثير من السلفيين حول العالم يحلمون بدولة إسلامية على غرار دولة القرن السابع الميلادي، اقتداءً بالنبي. أما الآن فلم تعد توجد هذه الدولة، لكن التنظيم الإرهابي يدعوهم الى "مواصلة الجهاد"، ويشنون عمليات إرهابية قاتلة في تونس، ويوزعون التهديدات الى دول ما وراء البحار، لكن السؤال يبقى: ما هو العدد المتبقي من المقاتلين الفعليين لتنظيم الدولة الإسلامية؟.

أمام تقديرات دولية مختلفة كثيراً، ودعاية جهادية على شبكة الإنترنت تسعى إلى إقناع العالم بأن هزيمتهم على الأرض ليست هزيمة حقيقية، ونظراً إلى الغموض المتأصل في مناطق الحرب التي لا يستطيع الوصول إليها خبراء مستقلون، فإن الغموض حول الأعداد غير الدقيقة لعناصر "داعش" يمكن أن يستمر، كما يعتبر رسميون وخبراء.

وكتبت مجموعة صوفان الدولية للاستشارات الاستراتيجية والاستخباراتية في تحليل لها "في كانون الأول/ديسمبر 2017، قدر المتحدث باسم التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة بحوالي بضعة آلاف عدد مقاتلي الدولة الاسلامية الباقين في العراق وسوريا". وأضاف خبراء المجموعة "اليوم، حددت وزارة الدفاع الأمريكية لتوها من 15500 الى 17 الفا عدد جهاديي الدولة الاسلامية في العراق، وبما يناهز 14 الفا في سوريا. وهذه الفوارق الكبيرة في التقديرات باتت معهودة في إطار الحملة ضد الدولة الاسلامية منذ بدايتها في 2014".

وفي تقرير حديث، حدد مراقبون للأمم المتحدة بعشرين إلى ثلاثين الفا عدد مقاتلي الدولة الاسلامية، الذين ما زالوا موجودين في العراق وسوريا. ولا تتوافر لأجهزة الاستخبارات الدولية إلا تقديرات حتى الان.

ويتحدث الخبراء في مجال مكافحة الإرهاب أن أعدادا كبيرة من الجهاديين التونسيين انتقلوا سراً الى تركيا وما زالوا فيها، في انتظار أن يتمكنوا من العودة إلى تونس، لكن من الصعوبة بمكان تقدير الارقام. وقد نظم تنظيم الدولة الاسلامية صفوفه منذ فترة طويلة حتى ينقل إلى تركيا الأفراد المهمين للتنظيم، وليتمكن ربما من إعادة نشرهم لاحقاً.

ومع ذلك الخطر الإرهابي في تونس مرتفع جداً، بسبب عودة الكثير من المقاتلين التونسيين التابعين لـ "داعش" إلى بلدهم الأصلي، حيث تفيد التقارير الرسمية التونسية بأن عددهم بلغ 877 إرهابيًا. ومن الاعتقادات الراسخة لدى أصحاب الفكر التكفيري من التونسيين العائدين من بؤر التوتر، أنها تنطلق من وجوب وضرورة حدوث مواجهة مع الطرف الآخر الكافر، سواء المؤسسة الأمنية والعسكرية في تونس، أو المواجهة مع المجتمع الكافر حسب نظرتهم، نظراً لأنهم يعتقدون بأنهم أصحاب قضية عادلة. وعدالة القضية تقتضي المواجهة مع الآخر، لأنه ليس هناك أي بديل شرعي آخر يحقق الأهداف، مثل جهاد الدفع وجهاد الطلب، سوى تلك المواجهة. ومن هنا جاءت فكرة "حتمية المواجهة" التي لا يمكن أن تسقط شرعاً، ولا بد أن تتحقق واقعاً، ولا اختيار فيها، ولا بديل عنها، ولا بد أن تقع بعينها، وأنها لازمة في كل واقع، ولا تخضع للسياسة الشرعية. وهذا ما يجعل أصحاب هذا الفكر يرون أنه لا يمكنهم التعايش مع الآخر، أو التصالح معه.

لا تهاون في محاربة الإرهابيين العائدين من بؤر التوتر

إنّ إحدى أهداف الإرهابيين التونسيين من خلال شن العمليات الأخيرة ضد مفاصل المؤسسة الأمنية التونسية، هو ضرب التجربة الديمقراطية الناشئة، وكذلك ضرب الموسم السياحي، ولهذا فهم يلجأون إلى القتل العشوائي، باعتبار القتل، عند أصحاب الفكر التكفيري، غاية وليس وسيلة، حتى إن إقامة الدول عندهم لا تتحقق إلا بالقتل. فـ "داعش" أعلن صراحة أن دولته باقية، لأنّها بنيت بالدماء والأشلاء. لذا فقتال الكفار (الآخرين) هو أيضاً غاية يجب إدراكها طوال الوقت، لأنها قربى إلى الله، حتى إذا جلب هذا القتل أعظم المفاسد، وسبب أكبر الأضرار، لأنه صار فرضاً عليهم، من باب أن القتال الدائم هو تحقيق لفريضة الجهاد. لذلك، يسرف معتنقو هذه الأفكار في قتل مخالفيهم، واستخدام الوسائل البشعة، مثل الذبح، وفصل الرقاب، والحرق. ولا يقتصر هذا على فئات بعينها، أو من يقاتلونهم فقط، بل يسري على الجميع، حتى المدنيين، وكل من كان في استهدافه مصلحة للإسلام.

وفي نطاق التصدي للإرهابيين العائدين من بؤر التوتر، والذين يتمركزون في حي الانطلاقة بتونس العاصمة، قامت الوحدات الامنية المختصة بالقضاء على الارهابي أيمن السميري الذي أقدم على تفجير نفسه بعد محاصرته، في حي الانطلاقة. ولا زالت إلى حد كتابة هذا المقال تقوم الوحدات الأمنية بعمليات تمشيط وتفتيش دقيق داخل جامع الغفران بحي الانطلاقة بعد العثور مبدئياً على مواد أولية لتصنيع المتفجرات وكمية صغيرة من متفجرات الـ "تي ان تي" ولا تزال عملية التفتيش متواصلة بحثاً عن أسلحة أخرى قد تكون مخبأة بالجامع المذكور.

كما تمكن أعوان دورية تابعة لشرطة النجدة بإقليم تونس قرب حي بن خلدون من ضبط وإيقاف عنصرين مطلوبين في عدد من القضايا الإرهابية حيث تفيد المعطيات الأولية أنهما كانا على متن دراجة نارية وعند الإشارة على السائق بالتوقف زاد من سرعة الدراجة ولاذ ومرافقه بالفرار فتحركت دوريات شرطة النجدة على جناح السرعة وإثر مطاردة مثيرة دامت عدة دقائق أمكن محاصرة المظنون فيهما وإجبارهما على التوقف. وتفيد ذات المعطيات أن هاتف السائق يحمل تسجيلات وصور لعمليات إرهابية من بينها عمليتي شارل دي غول والقرجاني وتمت إحالة الموقوفين الاثنين على أنظار إحدى الوحدات المختصة في مكافحة الإرهاب لمباشرة الأبحاث اللازمة في شأنهما.

وبعد هذا النجاح الذي حققته المؤسسة الأمنية التونسية في محاربة الإرهاب، أشاد رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بالجهود المبذولة من قبل الوحدات الأمنية للقضاء على الارهابيين ودحر آفة الإرهاب. وأضاف الشاهد في كلمة ألقاها من مقر الوحدة المختصة لمكافحة الإرهاب التابعة للإدارة العامة للمصالح المختصة بالقرجاني بالعاصمة، أنّه بفضل عمل الوحدات الأمنية عرفت العملية الأمنية في حي الانطلاقة بالعاصمة البارحة نجاحاً بعد القضاء على آخر عنصر إرهابي من الخلية التي نفّذت التفجيرين الإرهابيين الأسبوع الماضي، والتي كانت تخطّط لعمليات إرهابية نوعية ضدّ مصالح تونس. وأكّد الشاهد أنّ تونس مُستهدفة في اقتصادها ومسارها الديمقراطي أشهر قبل موعد الانتخابات المُرتقبة. وفي سياق متصل، قال الشاهد إنّ لتونس رجالها ونسائها ومن يضحون من أجلها، مُضيفا: "تحية للأمن.. فخورين بالمؤسسة الامنية.. ولن يهدأ لنا بال حتى نقضي على اخر ارهابي في البلاد.. وتونس مُستهدفة من الإرهاب كغيرها من الدول الأجنبية".

ويجب اعتبار هؤلاء الإرهابيين العائدين إلى تونس، والذين لا يزالون ينفذون عمليات إرهابية بأنهم مجرمون ارتكبوا جرائم ضد شعوب عربية شقيقة، وهو ما يتطلب أولاً وأساسًا تنظيم محاكمتهم كمجرمي حرب، وتطبيق قانون مكافحة الإرهاب ضدهم.

عوامل قادت إلى انتشار "داعش"

أولها: إعطاء الدول الامبريالية، وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية الوطن العربي اهتمامَا خاصاً بحكم موقعه الاستراتيجي، وتحكمه بمضائق ومحيطات وبحار عديدة، واحتضانه في مخزونه الجوفي ثروة نفطية هائلة.

 ثانيها: قيام دولة الكيان الصهيوني، سنة 1948، وحرصها على منع تحرر الجماهير العربية من ربقة الأنظمة الشمولية، ومنع وحدتها بكل الوسائل.

ثالثها: ازدياد تغلغل العولمة الرأسمالية في المجتمعات العربية، حتى هزّ كل البنى التقليدية (المدينة، القرية، القبيلة، الطائفة) ودفع قطاعات تقليدية للدفاع عن مواقعها، خشية أن يجرفها سيل "الحداثة" الجارف.

رابعها: إخفاق الدولة الوطنية "الحديثة" في الوطن  العربي في الحفاظ على كينونتها بترسيخ الهوية الجامعة: دولة المواطنين ، ودولة الكل الاجتماعي، أمام الهويات الجزئية "التحت وطنية"، النابعة من دولة العائلة الحاكمة، أو دولة الحزب الشمولي الأوحد، أو دولة أحادية الطائفة، وهو ما أفسح في المجال لظهور هذه التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" وتجذرها في هذه البيئة العربية اليوم، وهو لا يعفينا البتة من التأكيد على الدور الذي قامت به قوى الاستعمار القديم والجديد، وما تزال تقوم به، في تعميم التقسيم الطائفي كمحور جوهري لمشاريعها التوسعية.

خامسها: انشغال الأطراف الدينية والطائفية في كل الدول العربية، بالمعارك الداخلية عن المعارك مع الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، ومحاولة إشغال كل الأطراف، على الصعيد العربي، أو على صعد الدول الإسلامية بالصراعات الداخلية.

وقد التقت هذه العوامل جميعاً، لتدفع القوى الامبريالية، بقيادة الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، إلى البحث عن وسائل ناجعة للجم قوى التغيير الديمقراطي وفرض هيمنة القوى الدينية والطائفية. واكتشفت هذه القوى مجتمعة ما يلي:

أولاً: إنّها تستطيع توظيف الدين، ضد القومية والديمقراطية. فتُجَنِّدُ جماهير واسعة من المؤمنين وتَرُّدُ على الهجوم الأيديولوجي بهجوم أيديولوجي واسع، له جذوره التاريخية، وركائزه الشعبية. وهكذا يرد على البرنامج القومي ببرنامج إسلامي ذي بعد طائفي، ويواجه الوحدة القومية بوحدة إسلامية، ودولة الحق والقانون بدولة إسلامية، والديمقراطية بالشورى، والحريات الديمقراطية بتطبيق الشريعة. فيكون الرَّدُ أيديولوجياً وسياسياً شاملاً، ويصبح الديمقراطيون كفرة وملحدين خارجين على الدين..

ثانياً: إنّها تستطيع أيضاً حشد قوى الطوائف وراء زعامات طائفية، فتسحب من الأحزاب معظم قواعدها ورصيدها الشعبي، وتغلق تجمعات الطوائف في وجه الديمقراطية والقومية، وتثير نزاعات ليس لها حدود، لا تمنع وحدة الوطن فحسب بل تخلق فيه شروخًا عديدة جديدة، وتستنزف قواه في صراعات داخلية متجددة.

ثالثًا: إنّها تستطيع انتزاع زمام المبادرة بتكوين أحزاب طائفية مسلحة، لها مليشيات مسلحة، تمتلك الوعي السياسي، والتنظيم والتدريب..

كيفية محاربة الإرهاب

وبصرف النظر عن هزيمة "داعش" في كل من العراق وسورية، فإنّ الدول العربية، والدول الغربية المعنية حقًا بمحاربة الإرهاب لا بدّ أن تبلور استراتيجية إقليمية ودولية طويلة الأمد لمواجهة التنظيم على مستوى العالم، وإعداد العدّة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لِتِلْكَ المواجهة. وعلينا أن نرى أن العنف المذهبي الناجم عن الانقسام الطائفي في منطقة الشرق الأوسط، وفشل الدول العربية في تحقيق التنمية المستدامة، وتنامي ظاهرة الفقر والاستبداد والفساد في المنطقة العربية، والاحتلال الأمريكي للعراق، والحرب الكونية على سورية، هي الدوافع الرئيسة لوجود تنظيم "داعش"، ولا بُد من وَضْعِ حدٍّ لهَا.

إنّ التهْديدَ الذي يُمَثِّلُهُ "داعش" في المنطقة العربية سيمتد إلى شتّى بقاع الدول العالمية. ففي عصر العولمة، يمكن للمتشددين الترويج لأفكارهم وتجنيد أجانب كي يَشِّنُوا عمليات فردية في أوطانهم. كذلك على الصورة الأخرى إن ّالإرهابيين العائدين إلى بلدانهم يُشَكِلُونَ تهديداً كبيراً للدول العربية. ومع هزيمة تنظيم "داعش" في سورية والعراق، قد ينتقل مقاتلوه إلى فرع آخر، مثل ولاية سيناء، وفي ليبيا المجاورة لتونس، أو لعلهم يدشنون أذرعاً جديدة في مناطق مثل جنوب شرق آسيا، مثلما رأينا في الفلبين. إن ّالدول الفاشلة والمناطق التي يغيب فيها القانون هي ملاذ آمن للتنظيم وأنصاره.

الإرهابيون العائدون من سورية

يرى الخبراء المتخصصون في الحركات الإرهابية، أنّ ظاهرة عودة الإرهابيين من بؤر التوتر، تختلف كثيراً عما كانت في الماضي، لا سيما مع تعدد التنظيمات الإرهابية المحلية والعابرة للحدود، التي أصبحت قبلة هؤلاء المقاتلين حول العالم، لا سيما في العراق وسورية. وقد تطور دور المقاتلين الأجانب، خاصة في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الذي صار يعتمد عليهم بشكل كبير، حيث يتميزون بدرجة عالية من الالتزام الفكري والتنظيمي، وكذلك بقدر كبير من الجرأة، خصوصاً في القيام بالعمليات "الانتحارية"، أو "الانغماسية"، فضلاً عن تقدم الصفوف في المواجهات المباشرة. وبشكل عام، صارت التنظيمات الجهادية تحرص على ضم مقاتلين أجانب لتحقيق مفهوم الأممية، عبر تعدد الأجناس والأعراق، إضافة إلى أن هؤلاء المقاتلين سيشكلون مستقبلاً ركيزة دعوية وتنظيمية في بلدانهم، ومنها تونس. ويمكن رصد أهم ملامح التغير في ظاهرة "العائدون" فيما يأتي:

1- ضخامة الأعداد: فالتقديرات التي قدمتها السلطات السورية تقول إنه يوجد في سورية حوالي 130 ألف مسلح أغلبهم انضموا إلى الجماعات التكفيرية ("جبهة النصرة"، "داعش")، قدموا من 49 بلداً عبر العالم. ويمثل المقاتلون العرب في هذه الحرب قرابة 40 ألف مقاتل أكثرهم قدموا من السعودية حوالي 8 آلاف محارب، وتونس 8000 مقاتل، ثم العراق 6 آلاف مقاتل، وتليهما ليبيا ومصر بأكثر من 4 آلاف مقاتل لكل بلد.

وكان لافتاً أن أغلبيّة المقاتلين التونسيين ينتمون إلى مدينة بن قردان، الواقعة جنوبي تونس، على الحدود مع ليبيا. وتعتبر بن قردان من محافظة مدنين، من أكثر المناطق تصديراً للجهاديين إلى سورية. وهي التي قال عنها زعيم تنظيم القاعدة في العراق سابقاً أبو مصعب الزرقاوي "لو كانت مدينة بن قردان بجانب الفلوجة لتحرّر العراق". لكن مع سقوط النظام التونسي في بداية عام 2011، أصبح السلفيون منتشرين في مناطق عديدة، لاسيما في المحافظات التونسية المهمشة من الشمال الغربي والوسط، وفي مدينة بنزرت، وفي الأحياء الفقيرة من مدينة تونس العاصمة (حي التضامن، وحي الانطلاقة). وإذا كان الجنوب التونسي أول من بادر إلى الذهاب إلى سورية كونه يشكل القاعدة التقليدية للإسلاميين، فإن الوسط والشمال لحقا به، لا بل فاقاه حماسة، وها هي مدينة بنزرت في أقصى الشمال تتحول عاصمة لـ "المجاهدين في سورية"(!!).

2– تركيبة متنوعة: ينتمي المقاتلون الأجانب المنخرطون في التنظيمات المسلحة إلى نحو 86 دولة من مناطق مختلفة في العالم. وإضافة إلى تعدد الجنسيات، تتنوع أيضاً مشاربهم الفقهية والفكرية، التي يغذي بعضها بعضاً، فتمتزج معاً، وتشكل منظومة فكرية جديدة، تتسم غالباً بدرجة أعلى من العنف، وأعمق في التطرف. يعني ذلك الأمر أنّ "العائدين الجدد" محملون بأفكار في غاية التطرف والعنف. تختلف كثيراً عن الأفكار الجهادية والمتطرفة التي عرفتها المنطقة من قبل، مما سيفرض بالضرورة تعقيدات جديدة، وصعوبات في التعامل معهم، أو السيطرة عليهم.

3– انتقال المقاتلين: نتيجة تعدد بؤر الصراع في المنطقة، تشكلت ظاهرة جديدة يمكن تسميتها "انتقال المقاتلين"، حيث تتعدد الخيارات أمام المقاتل، ويسهل عليه الانتقال من بؤرة إلى أخرى، دون اضطرار إلى التوجه مباشرة نحو الوطن. وبالتالي، فإنّ هناك احتمالية لأن تتوجه عناصر تنظيم الدولة إلى أي دولة غير مستقرة أو تعاني اضطراباً. ومن ثم، ستكون المنطقة أمام ظاهرة أخرى، هي "المقاتلون الرحالة"، أو "العائدون غير المحليين"، أو "العائدون الأجانب"، بحيث يعود المقاتلون لكن إلى غير بلدانهم الأصلية.

4 – الفكر التكفيري: من المعروف تاريخياً أنّ العائدين يعتنقون عادة الفكر الجهادي التقليدي، لكن نتيجة التشدد العقائدي الذي تبنته التنظيمات الجديدة، أصبح الفكر التكفيري هو المسيطر على العناصر المنخرطة فيها. كما أن لبعض تلك العناصر سجلاً جنائياً، يتنوع بين جرائم سرقة، أو تجارة مخدرات، وغيرهما. ووفقاً لدراسة أجراها المكتب الاتحادي لمكافحة الجريمة ومركز المعلومات، المختص بالتصدي للتطرف في ولاية هيسن الألمانية، فإن نحو نصف الأشخاص، الذين شملتهم الدراسة ممن سافروا إلى سورية للقتال هناك (نحو 670 شخصاً)، من المسجلين جنائياً بارتكاب جرائم عنف أو مخدرات، وبالتالي، فالعالم أمام شخصيات مقاتلة تجمع بين التشدد الفكري، والسوابق الإجرامية، مما يجعل محاولة تأهيلهم فكرياً أو اجتماعياً في غاية الصعوبة.

وإذ يملك التنظيم مخزوناً بشرياً ضخماً من هؤلاء المقاتلين، فمن المحتمل بشدة أن تعود من جديد ظاهرة "العائدون". لكن الموجة الجديدة من تلك الظاهرة ستأتي مختلفة عن الموجة الأولى في تسعينيات القرن الماضي، حيث الأعداد أكبر، والتركيبة والخصائص مختلفة، والمخاطر أعلى. يثير ذلك الأمر الذي التساؤل حول كيفية تعامل الحكومات العربية مع تلك الموجة الجديدة من العائدين، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها الظاهرة، وما ستفرزه من تحديات جديدة على الدول العربية.

كيف تتعامل الحكومات العربية مع العائدين؟

في 2كانون الأول/ ديسمبر 2016، تطرق الرئيس التونسي، الباجي القائد السبسبي، لمسألة عودة المقاتلين التونسيين في التنظيمات الإرهابية إلى البلاد. وعكست تصريحاته مخاوف كبيرة لدى حكومات المنطقة تجاه ظاهرة "العائدون"، وكيفية التعامل معها، في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يعانيها معظم دول المنطقة، مما يستدعي ضرورة الاهتمام بالمداخل والأدوات التي يمكن من خلالها التعامل مع تلك الظاهرة.

1 – الترشيد الفكري:

لدى عدد من الدول العربية خبرات سابقة في التعامل مع العائدين، أو غيرهم من المتطرفين المحليين، عبر استخدام آلية "الترشيد الفكري"، عن طريق مراجعات فكرية، أو برامج تأهيل للأفراد المتطرفين. وعلى الرغم من أن هذه الآلية لعبت دوراً مهماً في الحدِّ من العنف في الفترة التي سبقت "الربيع العربي"، فإنّ الوضع الحالي مختلف على أكثر من مستوى، حيث لم تعد الأوضاع الداخلية مستقرة بالقدر الكافي الذي يسمح باستخدام تلك الآلية.

كما أن الأفكار، التي كانت تعالجها تلك المراجعات، والبرامج التأهيلية في السابق، قد اختلفت بشكل كبير، حيث صارت أكثر تطرفًا وعنفًا، وأصبحت أقرب إلى الفكر التكفيري منها إلى الفكر الجهادي، خاصة أفكار تنظيم "داعش" الذي يُعَدُّ مصدر الفكر الرئيسي لمعظم العائدين. وبالتالي فإنّ طرق الترشيد التقليدية، التي استخدمها بعض الدول – مثل برنامج "السكينة والمناصحة" في المملكة العربية السعودية، أو "المراجعات الفكرية" للجماعة الإسلامية في مصر، أو مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة – التي أطقوا عليها "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس"، كلها لم تعد تجدي نفعاً مع المنظومة الفكرية الجديدة للعائدين.

كما أن هذه الطرق لم تكن فعالة بشكل كامل مع الأفكار التقليدية، حيث حدثت انتكاسة للعديد ممن خضعوا لهذه المراجعات أو البرامج، ففي السعودية، شارك عدد ممن خضعوا لتلك البرامج في عمليات إرهابية، مثل الانتحاري سعد الحارثي، الذي فجر نفسه في المصلين في مسجد المشهد، في نجران، في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2015. فقد كان ممن خضعوا سابقاً لبرامج المناصحة.

وفي مصر، تعرضت المراجعات الفكرية، التي قام بها كل من تنظيم الجهاد المصري، والجماعة الإسلامية، لما يشبه الانقلاب عليها، حيث عاد بعض الرموز التي كانت تؤيد هذه المراجعات إلى العنف، مثل أبي العلا عبد ربه، قاتل الكاتب فرج فودة. فقد أمضى ما يقرب من 20 عاماً في السجن. وعندما أتيحت له الفرصة، سافر إلى سورية، والتحق بـ "جبهة النصرة"، وظهر في أكتوبر 2016 فوق إحدى آلياتها العسكرية، يحض أعضاءها على القتال.

اعتماد الحكومات إذن على طريقة المراجعات الفكرية، أو البرامج التأهيلية لتلافي خطر العائدين هو أمر نتائجه غير مؤكدة، لا سيما في ظل ضعف هذه البرامج من ناحية، وتطور الأفكار من ناحية أخرى، فضلاً عن أن هذه المراجعات لم تكن وليدة رغبة حقيقية في الإصلاح، أو التصحيح، ولكن نتيجة الأزمات التي تمر بها هذه التنظيمات، ورغبتها في الخروج منها عبر تلك المراجعات الفكرية.

2 – الإدماج المجتمعي:

قد تسهم آلية "الإدماج المجتمعي" في احتواء العائدين، وذلك عبر استقبالهم كمواطنين، ومنحهم الحرية، في ظل رقابة أمنية، لا تنتقص من تلك الحرّية. كما تتضمن هذه الآلية توفير المساعدات اللازمة بواسطة الدولة لتمكين العائدين من التعايش، والاندماج في المجتمع، مع تذليل جميع العقبات التي تعيقهم في الحياة الطبيعية، حيث يرى البعض أنّ ذلك قد يدفع العائدين تلقائياً إلى التخلي عن العنف، ونبذ الأفكار المتطرفة، من أجل الحفاظ على تلك المكتسبات.

ورغم أنّ هذا التوجه يبدو، للوهلة الأولى، خياراً جيدّاً قليل الثمن، فإنّه لا يخلو من بعض المعوقات، على رأسها رفض قطاعات من المجتمعات فكرة استيعاب أولئك العائدين من الأساس، فضلاً عن عدم تقبل فكرة تقديم المساعدات لهم من أجل إدماجهم في المجتمع.

ولكن ربما يكون الأمر الأكثر أهمية أنّه في ظل المنظومة الفكرية التي يعتنقها هؤلاء العائدون، فقد يرون تلك المساعدات حقاً مكتسباً لهم، وبالتالي تكون وسيلة لإكمال طريق "الجهاد" المزعوم، نظراً لأنه فكر قائم على التقية في مواجهة الحكومات "الكافرة". ومن أبرز الأمثلة على ذلك أبو زكريا البريطاني، الذي قام بعملية انتحارية استهدفت الجيش العراقي في شباط/فبراير 2017. وإذا كان قد أطلق سراحه من معتقل جوانتانامو في 2004، وصرفت له الحكومة البريطانية تعويضًا ماديًا بلغ مليون جنيه استرليني. ورغم ذلك، توجه إلى سورية عام 2014، وانضم إلى "داعش". وفي الوقت ذاته، قد لا تسمح الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول العربية، التي ينتمي لها العائدون، بالقيام بهذا الدور كما ينبغي، لا سيما في ظل الأعداد الضخمة المتوقعة من العائدين.

ومن ناحية أخرى، فمن المحتمل جداً أن المراقبة الأمنية لن يكون بمقدورها منع من يرغب في القيام بالعنف من هؤلاء العائدين. فالشاب الذي قام بالاعتداء على كنيسة في شمال غرب فرنسا، في تموز/يوليو 2016، كان يخضع للمراقبة، عبر وضع سوار إلكتروني يسمح للشرطة بتحديد مكانه بشكل دائم. ورغم ذلك، تمكن من تنفيذ العملية، فكيف الحال بالنسبة للدول العربية التي تفتقد مثل هذه الإمكانيات؟ وبالتالي، فإنّ خيار "الإدماج المجتمعي" في التعامل مع ظاهرة "العائدون"، رغم جاذبيته، لا يبدو سهل التطبيق في الواقع.

3– الاحتجاز:

من أكثر الخيارات التي تتبناها الحكومات العربية، في التعامل مع ظاهرة العائدين، هو احتجازهم في السجون، نظراً لأنه يعد الخيار الأسهل، والأقل ثمنًا، خاصة في ظل حالة الاهتزاز الأمني التي يعانيها العديد من الدول العربية في مواجهة التنظيمات الإرهابية المحلية، مما سيجعل من الصعب السيطرة على العائدين بشكل كامل خارج السجون، في تلك الأجواء.

كما أن خيار السجن يمكن أن يمثل فرصة ثمينة للقيام بمراجعات فكرية، لا سيما أن جميع المراجعات الفكرية تقريباً، التي حدثت في المنطقة العربية، تمت داخل السجون.

وعلى الرغم مما يبدو من سهولة هذا الخيار بالنسبة للحكومات، مقارنة بالخيارات الأخرى، فإنّه بدوره لا يخلو من تداعيات سلبية خطيرة، منه – على سبيل المثال – احتمالية نشر العائدون لأفكارهم المتطرفة داخل السجون، خاصة أن بعض الدول العربية، مثل تونس، ليس لديها سجون، خاصة للمتطرفين والإرهابيين. كما أنّ هناك دولاً ترفض عزل المساجين المتطرفين عن بقية السجناء، مثل الجزائر، التي صرح مديرها العام لإدارة السجون، مختار فليون، في 17 أيلول/سبتمبر 2016، بأنّه لن يتم اللجوء إلى عزل المحكومين في قضايا الإرهاب.

ومن ناحية أخرى، فإنّ من أخطر التداعيات السلبية لوضع العائدين في السجون احتمالية تشكيل "خلايا إرهابية" جديدة يمكن الاعتماد عليها بعد الخروج، خاصة أنها ستكون خلايا قوية وغير تقليدية، ستجتمع فيها خبرات العائدين الكبيرة، والمتنوعة تنظيمياً وعسكرياً. كما أن هذه الخلايا لن تكون مقصورة على المتطرفين فقط، بل يمكن أن تضم بين صفوفها الجنائيين، بعد إقناعهم بالأفكار المتطرفة. وقد أثبتت التجارب أن السجون تمثل تربة خصبة لتكوين التنظيمات، وتجنيد الإرهابيين. وربما هذا ما دفع بعض الدول إلى اتباع سياسة "العزل الفكري" في السجون، مثل بريطانيا التي أعلنت في أغسطس 2016، أنها ستعزل الإسلاميين المتشددين في وحدات خاصة في سجون مشددة الحراسة للحد من قدراتهم على نشر التطرف بين السجناء الآخرين.

وأخيراً، فعلى الرغم من أن هناك أكثر من خيار أمام الحكومات العربية في التعامل مع ملف العائدين، فإن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في العديد من الدول العربية، خاصة الدول التي تنتظر أعداد كبيرة من العائدين، بأفكارهم التي أصبحت أكثر تشددًا وعنفاً، سترجح غالباً خيار "السجون"، على الرغم من كل سلبياته، نظراً لكونه الأقل ثمناً وخطورة، مقارنة بالخيارات الأخرى، خصوصاً أن معظم الدول التي لها مقاتلون في صفوف التنظيمات الإرهابية، ولها خبرات سابقة في التعامل مع ظاهرة العائدين، مثل مصر، والسعودية، وتونس، والجزائر، والمغرب، قد فضلت هذا الخيار من قبل. ويبدو أنها لا تزال تفضله، فطلائع العائدين الذين وصلوا إلى الدول العربية، تم إيداعهم السجون، فور عودتهم.

ومن ناحية أخرى، لم تظهر بعد رؤية عربية محددة حول كيفية التعامل مع العائدين، ما يجعل الخيار التقليدي، وهو السجون، هو المرجح في الوقت الحالي، لا سيما مع وجود مطالب في بعض الدول بضرورة بناء سجون جديدة، تخصص فقط للمتطرفين. كما تترد دعاوى بتطبيق العزل الفكري داخل السجون بين المساجين المتطرفين والجنائيين، وكذلك ما يعرف بالتصنيف الفكري بين المساجين المتطرفين والجنائيين، وكذلك ما يعرف بالتصنيف الفكري بين المساجين المتطرفين أنفسهم بناء على انتماء كل منهم لتيار محدد، وذلك لمنع تناقل وتبادل الأفكار الإرهابية، حتى لا تظهر ألوان جديدة من الأفكار المتطرفة، تؤدي إلى تعقيد الظاهرة الفكرية المتطرفة. وبالتالي، يمكن القول إن الخيار الأكثر ترجيحاً في تعامل الدول العربية مع خيار العائدين هو وضعهم في السجون مباشرة، وأي خيارات أخرى تأتي مرتبة تالية لهذا الخيار.

 

 

إخترنا لكم من العدد