مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

التَّقدُّمُ الحَضَارِيُّ.. بَيْنَ فَشلِ الدّاخِل وتَحَدِّياتِ الخَاْرج

يعتبر موضوع "التقدم العربي" من أكثر المواضيع التي انشغلتْ بها فضاءاتنا الثقافية وأروقتنا السياسية العربية منذ زمن طويل في ظلّ تخلّف مجتمعاتنا ومحاولات البحث عن حلول لأمراضها.. خصوصاً على مستوى تحديدِ الأسباب التي منعت تحقُّقه على الرغم من كثرة موارد الأمة وضخامة ثرواتها وطاقاتها..

فهل العلة في الشعوب أم في الحكام؟ في المجتمعات أم في النخبة المسيطرة؟!.. أم أن للثقافة والتراث دوراً في الإعاقة التقدمية والنهضوية إذا صح التعبير؟ ثم لماذا نجدُ أنَّ شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم تنتج وتتقدم كالغرب مثلاً، بينما نجد شعوباً ومجتمعات أخرى فاشلة كسولة مسترخية غير منتجة بل وطفيلية كالعرب مثلاً؟ ما السبب في هذا الفارق النوعي والكمي الكبير في السلوك والحضور؟!..

فسّر الاستشراق الغربي هذا التباين الكبير والفوارق العملية بين الغرب والعرب إلى ما أسموه بالطبائع الثابتة والراسخة لدى العرب، بينما لدى الغرب صيرورات تاريخية متبدلة.. وأن العرب ملتصقون بالغيب والدين والماورائيات التي تهيمن على عقولهم وسلوكهم.. طبعاً لا نشك لحظةً أن خطاب الاستشراق هذا لم يكن موجهاً للعامة، بل للنخبة الاقتصادية والعسكرية والصناعية الغربية.. وبرأيي لا يوجد شعب أذكى من آخر، أو أمة متفوقة عقلياً على أخرى، يوجد شعب حاصل على حقوقه وشعب مطموس وغارق بمظالمه، ومكبل بمشكلاته وحاجاته الأساسية.. التّخلف ليسَ طبْعاً بل حالة مكتسبة من واقع خارجي مهيمن؛ وهذا هو حال مجتمعاتنا العربية، وحال واقعنا وأجيالنا العربية التي تربّت ونُشِّئتْ على الرأي الواحد والفكر الواحد والقناعة الراسخة الواحدة.. تعبدت الشخوص دون الأفكار المعيارية، أُلقِمتْ فكراً يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة دونما معرفة ووعي حقيقي.. هذا كله شوّه نفسيتها وروحانيتها، فافتقدتْ للحس القيمي الإنساني، ولفضيلة التعارف وقيمة الحوار والتفاعل الخلاق مع الآخر.. المفترض أنه -حتى من وجهة النظر الدينية- هو: "نظيرنا في الخلق".

وفي ظل تغير الحياة وتسارعها، وتقدمها الهائل والمطرد، لم تتمكن تلك الأجيال من الدخول في العصر إلا شكلياً، جهازياً آلاتياً.. غابت عنه (أو غُيِّبتْ) عقلياً وعلمياً، فعانت فراغاً فكرياً وتربوياً، بات قابلاً للامتلاء بأي شيء، أي شيء، بلا مساءلة ولا تأمل ولا أدنى نقد معرفي رصين.

وكان من نتائج ما تقدم، شيوع أفكار اليأس والعدمية في مجتمعاتنا، وتزايد الملحدين واللا أدريين، وارتفاع نسبة الانتحار بين صفوف الشباب وتفشي تعاطي المخدرات.. نعم يحدث هذا في مجتمعاتنا العربية.. وهكذا عندما يشيع الفراغ، وتَضْعُف الحقوق، وتُفْتَقد القيم العملية، وعلى رأسها العدل (والمساواة)، وتتحرك بلا مرجعية من أخلاق إنسانية حقيقية (مبنية على الحقوق)، من البديهي أن تصل مجتمعاتنا العربية إلى القاع، في كل شيء، ولا يصبح عندها لكلمة التقدم والنهضة أي معنى..!. هذا على مستوى الداخل العربي.. حيث الأزمات الناشئة من أمراض الذات..

.. ولكن للأسف، على الرغم من مسؤولياتنا عن أزماتنا وامتناع تقدمنا، ما زال يسيطر على مختلف مواقعنا السياسية والفكرية العربية مناخٌ ثقافي وسياسي عام يقوم على فكرة الربط بين متطلبات التنمية الداخلية، واستحقاقات المواجهة الخارجية مع المحاور والقوى الإقليمية والدولية الكبرى.. وذلك لجهة تأجيل استحقاقات البناء والتنمية الداخلية ريثما يتم الانتهاء من إيجاد حول ناجعة لمجمل أزمات الخارج وتحدياته المفصلية، ومنها تحدي الصراع "العربي - الإسرائيلي".

وقد وجدنا سابقاً كيف نجحت الدول العربية الحديثة المتشكلة بعد عهود الاستقلال قبل أكثر من سبعة عقود، في استغلال وتوظيف الصراع مع إسرائيل للتغطية على فشلها في تحقيق أي تقدّم مهم في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحياة السياسية.

ولدى البحث في مسبّبات هذا الفشل التّاريخي الكبير، قدّم مفكرون كبار إجابات فكرية ومعرفية على شكل رؤى ومشاريع نهضوية متعددة ومتناقضة أحياناً، قد نتفق معها أو نختلف، ولكننا بالنتيجة لا نرغب في تثوير الواقع وتجييش المشاعر وتسخين المواقف، ولسنا في وارد توزيع الاتهامات على أحد.. لا على الحكام ولا على المحكومين، إذ أنه من الطبيعي جداً التأكيد هنا على أن معظم الزعامات والقيادات العربية التي وصلت إلى مواقع الحكم والقيادة بالطرق التقليدية المعروفة، لا تتحمّل وحدَها فقط مسؤولية تردّي أوضاعنا، على الرغم من أنّ هذه القيادات هي التي حكمتْ وخطّطتْ، ولكن هؤلاء الحكّام هم جزء من تراثنا وثقافتنا، ولم ينزلوا إلينا من كوكبٍ آخر، فقد ولدوا في أحضان مجتمعاتنا التي تحكمها نظم وتقاليد فكرية وسلوكية محددة، كما أنهم تربوا على عادات وأنماط ثقافتنا ومناخاتنا الفكرية والسياسية المهيمنة منذ قرون عديدة.. وبالتالي فهم – بمعنى من المعاني - صورة لنا، يعكسون طبيعة الثقافة التقليدية السائدة، ويشكلون قطعة أو جزء من صورة وضعنا العام الذي تشكل منذ فترة طويلة في هذا العالم المشرقي.

من هنا ليس من المنطق أن نوجه اللوم فقط لحكامنا ونخبنا السياسية، بل ينبغي علينا الوقوف ملياً ومطولاً أمام طبيعة البيئة والبنية "الثقافية – النفسية - السياسية" السائدة التي تهيمن على وعي الناس عندنا، وتوجه مساراتهم، وتحدد اختياراتهم القيمية والعملية.

وحالياً لا تبدو ولا تلوح في أفق هذه الأمة الغائم والعاصف بالتحديات والمتغيرات الكبيرة أية إمكانية أو فرصة حقيقية للخروج من مأزقها الوجودي المقيم الذي تسببت به تلك البنية المترهلة، حيث أنه طالما هناك هزيمة داخلية للفرد العربي في داخل مجتمعاته وأوطانه، وطالما أنه فاقد للثقة بسياسييه وسياساته، وطالما أنه غير قادر على تحصيل معاشه اليومي بشكل طبيعي من دون ذل أو مهانة، وطالما لا يشعر بالحرية الحقيقة في التعبير عن رأيه وتقرير مصيره، وطالما أن تنميته الداخلية مقرونة –أولاً وأخيراً- بحل كامل للصراع مع إسرائيل، فإنه لن يكون هناك أي أمل واقعي في تحسن الأمور وتطور البلاد ونهضة العرب على الإطلاق.

ثم إنه وبعد صراع طويل مكلف مع إسرائيل، لم يجد العرب من طريق لاسترجاع أرضهم المحتلة سوى طريق السلام مقابل الأرض (أو بعض الأرض مقابل السلام، ولا أدري لماذا لم يطرح العرب عودة باقي أراضيهم المحتلة الأخرى هنا وهناك؟!!) وطرحوا مبادرتهم الشهيرة بهذا الخصوص (السلام خيارنا الاستراتيجي - والسلام مقابل الأرض)، وذلك بعد حدوث جملة متغيرات استراتيجية إقليمية ودولية على الصعيد السياسي والاقتصادي، أثرت آنذاك على الموقف العربي من قضية فلسطين.. وهنا نفتح هلالين لنقول (بأنّ هذا الصراع سيبقى قائماً ولفترة زمنية طويلة، في موقعه الهام والمصيري، وسيأخذ أبعاداً وتطورات جديدة طالما أن منطق القسر والظلم هو المنطق السائد حالياً في معالجة كل مشاكل الساحة الراهنة المتعددة والمتفرعة من المشكلة الأم، وأعني بها مشكلة "الصراع العربي الإسرائيلي").

ويجب ألا يغيب عن أذهان العرب أن مجتمعاتهم قد وصلت إلى أدنى حالات السوء من تخلف وفقر وأمية حضارية، وشارفت درجة الغليان من الإحباط والاحتقان الكلي الشامل نتيجة انعدام أملها ونفاذ صبرها في تحسن الأمور وتغير الأوضاع واليأس شبه الكامل من قصة هذا الصراع الطويل والمكلف مع إسرائيل، ودفعهم لفواتير وأثمان باهظة من دمهم وعرقهم وأموالهم ومواردهم وثرواتهم.. الأمر الذي يحتم على كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في السلطة وفي المعارضة العربية – على حد سواء - أن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة لإعادة التوجه نحو داخل بلدانهم، بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس تنظيماتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب في الصميم نتيجة لتاريخ طويل من تفشي الفساد والإفساد والقهر والتسلط والظلم في كل مواقعها وامتداداتها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل وانعدام الفاعلية الحضارية.

وبالنتيجة نقول: إن معادلة التعامل مع الآخر لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم اليوم والغد إلا بتغيير مقدماتها الأساسية والتي تتمثل أساساً في تأمين شروط النهضة العربية المنشودة بما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الداخلية، ويقود مباشرة إلى إحداث تغير (واختراق) نوعي كبير في الاستراتيجية التي اعتمدتها النظم العربية في تعاملها مع الآخرين في مجمل ملفات الأزمات القائمة. والأولوية في تلك المعادلة هي لإصلاح وجودنا العربي الداخلي الهش المبعثر، وليس للمتاجرة بالعروبة وفلسطين في ساحات وبازارات السياسة الإقليمية والدولية. وأول إصلاح الوجود يكمن أساساً وجوهرياً في إصلاح السياسة والدولة كما ذكرنا، أي إعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وأنسنة السياسة والدولة.. بما يتطلبه ذلك من بناء للدولة العادلة القادرة، وتمكين الحريات للمواطن الحر.

وهذا ما يعني إعادة الاعتبار القوي للمجتمع في مشاركته الحقيقية في العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود عن مشاركة الناس في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والشعور بالحرية والثقة بالنفس.

ونحن نجزم هنا بأن مجتمعاتنا وشعوبنا العربية عموماً كانت تقف على الدوام في موقع التضحية والبذل والعطاء، وهي لا تزال مستعدة الآن وفي المستقبل أيضاً لتقديم المزيد من التضحيات والعطاءات في سبيل الخروج من نفق الانهيار الوطني العام، شرط أن تكون هناك نتائج حقيقية مضمونة لتضحياتها على صعيد العمل والإنتاج والتطوير والازدهار المجتمعي، خصوصاً إذا شعر – أبناء مجتمعاتنا - أن النوايا طيبة وصادقة، والعمل الجدي الصحيح يسير على طريق الحرية والإصلاح والتغيير الحقيقي. وإلا فإنّ المصائر المجهولة تتهددنا، وسنواجه لا محالة واقع الإفلاس والهامشية الحضارية، ولن ينفع عندها الندم ولطم الصدور والبكاء على الأطلال!!...

.. فبالعلم والعدل والمعرفة... تقوم الدول وتبنى الحضارات وتتطور الأمم وتتقدم الشعوب.

نبيل علي صالح

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد