مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

الفن والأدب والموسيقى.. كعلاج

غسان عبد الله

عادة ما تساعدنا الفنون والموسيقى والأدب على أن نعيش الحياة إذ تمنحنا قوة ونشاطاً وسلواناً. فحين نقرأ قصيدة أو رواية نشعر بأنها تزوّدنا بما يجعلنا أكثر قدرة على التحمل والتشبث بالبقاء وبالاستمرار لفترة أطول.

إن الفنون عامة صيدلية، وكلّ نوع هو ضرب من الأدوية التي نقاوم بها الأمراض وتدفع عنّا الموت أو تؤجّله. فمثلما يتناول المريض دواءه حبات تؤكل أو شرابا يُشرب أو مراهم للدّلك، فإنّ محبّ الفنّ والأدب يتناول “دواءه” استماعا أو قراءة أو كتابة أو نقاشاً. وقد يكون من الصعب جدّا ضبط تاريخ دقيق لفكرة كون الأدب دواء. ولكنها لا شكّ فكرة قديمة.

يمكن أن نعود إلى أرسطو وإلى فكرة التطهير، فالتطهير هو تنقية نفس المشاهد وتنظيفها بإثارة خوفها وفزعها ممّا حدث لبطل المسرحية، أي تحريره وتفريغه جسدياً ونفسيّاً من الداء.

إن هدف الفن حسب أرسطو إذن طبي. فالفن يُفرغ الإنسان من الانفعالات ومن العنف ويحرضه على السمو وعلى الفضيلة، بل إنّ علاقة الفنّ والأدب بالعلاج تعود إلى زمنٍ أسبق من ذلك، إلى زمن الأساطير والقصائد الأولى ذات الوظيفة العلاجية.

والحقيقة أن الفنّ والأدب شعراً وقصة عبر تاريخهما الطويل لم يتخليا عن مطلب العلاجية، وإنقاذ الكائن والعالم حتى في كتابات من وُصفوا بأنهم "أساتذة اليأس".

إننا في حياتنا الواقعية أناس نحبّ الحياة والنظام ونحبّ احترام المواعيد والمحافظة على العلاقات والتقاليد العائلية وعلى أشيائنا الرمزية.. "ولكننا كقراء أو متفرجين نفعل العكس: نمتدح دعاة العدم، نبشّر بسلوك جنسي استعرائي بقدر ما هو عقيم، ونصغي بلا توقف إلى لازمة مضجرة من أفعال البشر الدنيئة".

تُرى ما سبب هذه المفارقة التي صارت أكثر وضوحاً بين ما نرغب في أن نحياه (تضامن، عطاء، ديمقراطية) وما نرغب في أن نستهلكه كثقافة (انتهاك، عنف، عزلة، يأس)؟!.. بين الإقبال على عيش الحياة من جهة والإقبالِ على قراءة أدب الموت والعدم من جهة ثانية؟!.

إن العدمية في الأدب والثقافة وُلدت بدخول الإنسانية مرحلة الحداثة، وهي المرحلة التي تحررت فيها المرأة وتعلمت وصارت تنافس الرجل، فحرمته من احتكار الحياة الثقافية والفكرية.

وبفقدان الرّجل سلطته التقليدية صارت الحياة عبثية في رأيه فكتب ما يمكن تسميتُهُ بـ "أدب اليأس". من هنا، نقول، جاءت العدمية، وكانت اتجاهاً ضداً للطوباوية، وهما إن بدتا متناقضتين فهما في رأينا متفقتان في طبيعتهما "المطلقة". وذلك هو السبب المهم والأكبر، حسب رأينا، في نجاحهما لدى الجمهور.

وعلى الرغم من أنّ العدمية حملت معاني ودلالات عديدة، إلاّ أنها، صارت تعني العزلة والاشمئزاز من الأنثويّ واحتقار الحياة الأرضية. وهي رؤية تعود إلى القرن السابع عشر عصر تركتنا الآلهة لأنفسنا فتعاظم خوفنا و"وعينا التراجيديّ". ذلك هو عصر ميلاد الحداثة.

وعلى الرغم من النجاحات في الكثير من الميادين إلاّ أنّ زوال "سحر العالم" والشعور بالسعادة كان أقوى وأشد خصوصاً عند الرجال الذين ظلوا مقتنعين بأنّ عليهم "واجب إثبات الفحولة"!!.

وفي خضم الحروب المتتالية والمدمّرة وسياسات الاستبداد كفّ معظم الكتاب الأوروبيين عن اعتبار الأدب مساعداً على فهم العالم وعلى العيش فيه، وازداد توسّع الرؤية العدميّة حتى صارت كأنها شرط إنساني. ولكن أحد أشهر الرسامين أطلق بياناً نارياً دعا فيه إلى أن "نواصل بفرح حاجتنا الوحشية إلى التحرّر"، وإلى أن نظل نمارس الفنّ ونكتب الأدب علاجاً لأمراضنا ولهشاشتنا وما حلّ بالعالم وما يتهدّد المستقبل. فإذا كنا من النساء كان من الضروري، تبعاً لذلك، ألاّ نخاف الجمع بين الولادة والكتابة، بل لعلّ المرأة "مانحة الحياة"، أكثر قدرة على ذلك لأنّ الكتابة ليست غير عشق للحياة وتحرّر من الألم والداء.

وعلى الرغم من أنّ العلاقة في ما يبدو معقدة بين الأدب والصحة إلاّ أنّ لقراءة الأدب، حتّى ذلك الذي كتبه "يائسون" أو "مجانين" حاولوا الانتحار أو انتحروا، وكتابته لا شكّ فضائل صحية ونفسية وعقلية وعضوية. فبالإضافة إلى التثقيف والتعليم تمثل كتابة الأدب وقراءته مناسبة للتحرّر وتصعيد المكبوتات وللتواصل مع الذات ومع الآخرين، ولإعادة اكتشاف الأشياء وتجريبها، وتعزيز الثقة في النفس والقيم واللعب باللغة وبالخيال.. على الرغم من أنّ قصصاً وحكايات كثيرة يرويها لنا الكتّاب والرّاوة مؤلمة وقاسية. أليس الألم جزءاً من الحياة والقبح جزءاً من الحقيقة؟.

في هذا السياق نؤكد أهمية الأدب علاجاً ونؤكد أيضاً فكرة أن الأدب والرّواية علاج نافع لأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم والإدمان والشيخوخة.. والحقيقة أن هذه الأطروحة، كما ذكرنا، ليست جديدة فالوظيفة العلاجية للقراءة فكرة قديمة عرفت مثلاً في مصر الفرعونية من خلال تسميتهم المكتبة "مكان إنعاش الروح"، روح الأفراد والأمم. ولنتخيل فرداً أو جماعة لا يقرآن ولا يكتبان.. إنهما ميّتان وليسا مريضين يحتاجان إلى دواء.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد