مجلة البلاد الإلكترونية

الثلاثية الماسية: الجيش والشعب والمقاومة سياجٌ لحماية لبنان من أي خطر داهم، ومن أي عدو أتى..

العدد رقم 194 التاريخ: 2019-08-24

قطر.. الدور والمال في خدمة الإمبريالية الأمريكية

توفيق المديني

تُعَدُّ منطقة الخليج العربي مركباً صراعياً وأمنياً بالغ التعقيد والتشابك، من جراء احتوائها على أهم الثروات النفطية الغازية في العالم، وبسبب الوجود العسكري الأمريكي الذي يدافع عن مصالح الإمبريالية الأمريكية في السيطرة على النفط، ويرتبط في الوقت عينه بشبكة كاملة من القواعد العسكرية في كل الدول الخليجية العاجزة عن الدفاع عن نفسها بمفردها، ولذا فهي بحاجةٍ إلى قوة أمريكية أكبر تحتمي خلفها إذا دعت الحاجة، ولاسيما قطر.

فقطر دولة صغيرة، تبلغ مساحتها 11.586كيلومتراً مربعاً، ويبلغ تعداد سكانها نحو 2.250 مليون نسمة، منهم 25% فقط من أهالي البلاد الأصليين. أما باقي عناصر التركيبة السكانية، فيتكون من 18% من الهنود، و18% من الباكستانيين، و10% من الإيرانيين، وتتوزع النسبة الباقية على جنسيات أخرى عديدة.

 ويبلغ عدد القوات المسلحة القطرية 11800 فرد، ينقسمون إلى 8500 في القوات البرية، و1800 في القوات البحرية، و1500 في القوات الجوية. وتفيد الدراسات العسكرية بأن 70% من الأفراد العاملين في القوات المسلحة القطرية من الأجانب ولا يحملون الجنسية القطرية، وتصل ميزانية وزارة الدفاع في قطر إلى 4.4 مليار دولار أمريكي.  والحال هذه، فإنَّ قطر تدعم حمايتها الأمنية والعسكرية من خلال علاقات التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.

وكان الوجود العسكري الأمريكي في قطر، لا سيما في القاعدة العسكرية الشهيرة عيديد، مدفوعاً في الأعم الأغلب باعتبارات جيوسياسية، مثل ضمان الدعم اللوجستي لحروب الإمبريالية الأمريكية في أفغانستان والعراق، وتأمين مضيق هرمز الذي يعد محطة كبرى للنقل البحري الاستراتيجي، وواحدًا من أكثر الممرات المائية التجارية في العالم، خصوصاً لجهة مرور ناقلات النفط العملاقة، والحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج (وفقاً للفهم الأمريكي). من هنا تأتي أهمية تجديد هذه القاعدة الأمريكية الموجودة في قطر.    

قطر تتحمل تكاليف توسيع القاعدة الأمريكية العديد

في الزيارة التي قام بها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لواشنطن يوم الاثنين، (لم يعلن عن مدتها)، التقى خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعددا من كبار المسؤولين بالإدارة الأمريكية وأعضاء بالكونغرس، وشهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهُم تتعلق بالدفاع والطاقة والاستثمار والنقل الجوي.  

وأعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شكره لأمير قطر لتحمله كافة التكاليف لتوسيع قاعدة العديد الأميركية في قطر.  وقال ترامب، خلال مؤتمر صحفي مع تميم بن حمد يوم الاثنين في واشنطن، "إن 8 مليارات ستدفع قطر أغلبها لتستضيف قاعدة العديد المزيد من العسكريين الأمريكيين". وتابع: "أشكر الله أنها كانت غالباً أموالكم وليست أموالنا وأفضل أن تكون كلها من أموالكم وليس من أموالنا".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان صريحاً وواضحاً، ولم يستخدم الديبلوماسية المعهودة، بل فجر فضيحة من العيار الثقيل في وجه ضيفه القطري تميم بن حمد آل ثاني، وكشف المستور أمام القطريين، وقال إن تطوير أكبر قاعدة جوية أمريكية في قطر (قاعدة العديد) جاء بإنفاق قطري بامتياز ومن أموال القطريين وأن الإدارة الأمريكية لم تتكلف سنتاً واحداً.

ولما كانت قطر تعتمد اعتماداً مباشراً على الحماية الأمريكية، فقد بدأ التعاون العسكري القطري - الأمريكي في العام 1991 بعد فترةٍ وجيزةٍ من حرب الخليج الثانية، حيث وقّعت الولايات المتحدة الأمريكية وقطر اتفاقًا للتعاون في مجال الدفاع.  وأصبح من حق الولايات المُتحدة بموجب هذا الاتفاق إنشاء قاعدة عمليات عسكرية في قطر.  وكان من نتائج تلك الاتفاقيّة، بالإضافة إلى القاعدتيّن التالي ذكرُهما، معسكر سنوبي، والطريف أن سنوبي ليس سوى شخصية كرتونية أمريكية تمثل كلبًا أبيض، يقوم بمُغامراتٍ طريفةٍ.

لكن المُعسكر لم يدم طويلاً وتم إغلاقه، ولم يدم إغلاقُه فترةً طويلةً كذلك وأُعيد فتحه في عام 1996.  ثم شهد عام 2000 توسعاتٍ شارك فيها أعضاء الحرس الوطنيّ بولايتي بنسلفانيا وأوهايو وأفرادٌ من مشاة البحرية الأمريكية الذين شيدوا 15 مشروعاً أمنياً، شمل مرافق ترفيهيةً، ومرافق صيانة للطائرات.  كان المعسكر مُعداً لاستيعاب لواءين مدرعين، مع كتيبة مشاة ميكانيكية، أُغْلِق المعسكر عام 2004 وتوزيع مهامه العسكرية على قاعدتي العديد والسيلية.

وتضم قطر أكبر قاعدتين في الشرق الأوسط:

 أولاهما قاعدة العديد التي تبعد 20 ميلًا فقط عن العاصمة الدوحة، وبها ما يُقارب 11 ألف جندي أمريكي. والقاعدة بها أطول مُدرج في الخليج العربي، والبالغ طوله 12. 500 قدم، والقادر على استيعاب 120 طائرة، وتضم القاعدة أكثر من 1000 قاذفة ومقاتلة وطائرات استطلاع، كما تحتوي القاعدة على سرب طائرات F -16.

في عام 1999 قال أمير قطر آنذاك حمد بن خليفة آل ثاني، للمسئولين الأمريكيين إنه يود أن يرى أكثر من 10 آلاف جندي أمريكي في القاعدة. ووفقًا لورقةٍ بحثيةٍ رعاها الكونجرس وقام بها المُتخصص في الشرق الأوسط كريستوفر بلانشار، فقطر قد استثمرت حوالي مليار دولار من نفقتها الخاصة في التسعينيات لبناء قاعدةٍ جوية، مما عَمّق من التعاون مع القوات العسكرية الأمريكيّة. وطبقاً لما ذكرته قيادة القوات الجويّة في القاعدة، فإنّ تلك القاعدة تُشرف على الضربات الجوية الأمريكيّة في أفغانستان، وسوريا، والعراق، و18 دولةً أخرى.  ووصفت القيادةُ الجويةُ القاعدةَ بـ "المركز العصبي" للحملات الجويّة في جميع أنحاء المنطقة.  

وتعد قاعدة العديد نقطة قيادة في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على أعدائها بالمنطقة العربية.  =ويقام داخل القاعدة الأمريكية حفلات "غير أخلاقية" تحت مسمع ومرأى تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر. وتحولت القاعدة لـ "وكر لممارسة الدعارة والشذوذ" بين الجنود الأجانب الذين يخدمون بداخلها. وتضم القاعدة قوات قطرية وبريطانية وأمريكية وغيرهم من قوات التحالف الأجنبية، كما تستضيف مقر القيادة المركزية الأمريكية.

 بدأت القاعدة باستضافة معدات وأسلحة لا تتجاوز ما يحتاج إليه لواء عسكري واحد، قبل أن تتحمل قطر تكاليف توسيعها تدريجيا. وفي عام 2001، استخدمت القاعدة في الحرب ضد أفغانستان، وفي عام 2003، تم تزويد القاعدة بمخازن استراتيجية للأسلحة لتنطلق منها الحرب ضد العراق. واستخدمت القوات الجوية البريطانية "العديد" كقاعدة لوجستية لقواتها في حربي أفغانستان والعراق، وذلك منذ عام 2001 حتى 2009. ومنذ عام 2014 وحتى الآن تستخدم القاعدة مركزاً استخباراتياً لجمع المعلومات في منطقة الشرق الأوسط.

وينتشر أكثر من 11 آلاف عسكري أمريكي في قاعدة العديد، وتضم القاعدة المقرات الرئيسية لكل من القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية والمركز المشترك للعمليات الجوية والفضائية والجناح الـ 379 للبعثات الجوية. وتعد القاعدة مقرا للمجموعة 319 الاستكشافية الجوية التي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاعية، إضافة لعدد من الدبابات ووحدات الدعم العسكري وكميات كافية من العتاد والآلات العسكرية المتقدمة، ما جعل بعض العسكريين يصنفونها أكبر مخزن استراتيجي للأسلحة الأمريكية في المنطقة.

والقاعدة الثانيّة هي قاعدة السيلية، وأُنشئت القاعدة في عام 1995، وتقع هذه القاعدة خارج العاصمة القطرية الدوحة على بُعد 30 كم، وجرى تطويرها لاستضافة قيادة الجيش الثالث الأمريكي والقيادة المركزية الأمريكية.  وتُقدر كُلفة بناء تلك القاعدة بـ 110 ملايين دولار، وتحوي 150 دبابة "إم 1 إبرامز" وكذلك 116 مدرعة "إم 2 برادلي" بالإضافة إلى 112 ناقلة جنود ومشاة مختلفة الطراز.  وتبلغ مساحة القاعدة الإجمالية 1. 6 مليون قدم مربعة، وبها طرق يصل طولها إلى أكثر من 10 كيلومترات.

ولكل ما سبق ذكره، أصبحت القواعد الأمريكية في قطر أكبر قواعد أمريكية خارج حدودها في جميع أنحاء العالم، وأكثرها حيويةً.  ولعل حيوية هذه القواعد ومركزيّتها بالنسبة للبنتاجون هما السبب وراء تصريحات البنتاجون المُتحفظة بشأن الأزمة الخليجيّة الأخيرة، وعدم انسياقه وراء جنون ترامب في إشعال الأزمة أكثر وأكثر.  فكما صرّح المقدم داميين بيكارد، المتحدث باسم القوات الجوية التابعة للقيادة المركزية العسكرية للولايات المتحدة، وذكر أنّ الولايات المُتحدة ممتنةٌ للدوحة لدعمها للوجود العسكريّ طويل الأمد في قطر، والتزامها الثابت بتعهداتها تجاه الأمن الإقليمي.

استغلال أمريكا للأزمة الخليجية ودور قطر في دعم الإرهاب

عندما اندلعت الأزمة الخليجية بين المملكة السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى، في نهاية ربيع 2017، دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قطر لوقف تمويل الإرهاب، مُحَاكِيًا تصريحات المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر التي اتهمت فيها الدوحة بدعم الإرهاب، وقطعت بناءً عليها العلاقات مع قطر.

لا شك أن دولة قطر استثمرت كثيراً في الإرهاب، إذ أنفقت ما يعادل عشرات المليارات من الدولارات لتقديم الدعم للحركات الإرهابية والتكفيرية في سورية.  لكن أن يلقي السعوديون عليها باللوم بالوقوف وراء دعم الإرهاب أمر مثير للسخرية.  فمنذ 60 عاماً على الأقل والسعودية تمثل أكبر مُصَدِّرٍ للإرهاب في العالم، عبر نشر الأيديولوجيا الوهابية المتطرفة، وساهمت في زعزعة استقرار العديد من مناطق تواجد المسلمين في مختلف القارات، بما في ذلك أوروبا الغربية.

وعندما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطر بشكل مباشر دعمها للإرهاب، وهوما يتعارض مع هدفه الأساسي من القضاء على الإرهاب في المنطقة، التجأ النظام القطري إلى تركيا وإيران لطلب الدعم العسكري منهما، بهدف تأمين الدوحة، وتأمين أفراد العائلة المالكة ضد أي أعمال عدوانية محتملة من قبل السعوديين والإماراتيين.

وقد استغلت إدارة ترامب الأزمة الخليجية بين قطر وكل من المملكة السعودية والإمارات والبحرين، وكذلك التقارب القطري مع إيران، لكي تبتز النظام القطري أكثر من الناحية المالية، فقد فشلت أموال النظام القطري في استرضاء الولايات المتحدة الأمريكية لغض الطرف داخل مؤسساتها عن دعمه للإرهاب في العالم، ومازال تحت قبة الكونجرس الأمريكي معارضات شرسة لسلوك هذا النظام.

وفي سياق فعاليات مؤتمر، نظمه منتدى الشرق الأوسط البحثي، تحت عنوان: "قطر: شريك أم تهديد استراتيجي؟"، قال النائب الجمهوري، روجر مارشال، إن إصرار قطر على ترديد "عبارات فضفاضة" لواشنطن بشأن دعمها للتطرف والإرهاب "لم ولن يعد بالإمكان التغاضي عنه". وأضاف مارشال: "إن دعم القطريين للعنف والإرهاب وسفك الدماء يضع الشراكة الأمريكية محل تساؤل".  وألمح مارشال إلى أن الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو يمكن أن يعيدا النظر في أمر وجود قاعدة أمريكية (قاعدة العديد) في ضوء استمرار تعامل الدوحة مع إيران واحتضان جماعات الإرهاب الإقليمية الأخرى، مثل حماس وحزب الله وطالبان.  وقال مارشال: "يدرك الوزير بومبيو مدى تعقيد هذه القضية وسيتخذ الخطوات المناسبة".

وأبدى عضو الكونجرس جاك بيرجمان العديد من الملاحظات المماثلة بشأن التناقض بين إعلان الدوحة نبذ الإرهاب وجهود مكافحته شفوياً ودعمه وتمويله عملياً، قائلاً: "إنه من الواضح أن قطر تعد دولة إشكالية، ولكن لم تتخذ الولايات المتحدة إجراءات كافية لوضع حد لهذا الأمر (المشكلات التي تصدرها قطر لمنطقة الشرق الأوسط والعالم)".

وانتقد بيرجمان، الذي عمل كجنرال في البحرية الأمريكية قبل انتخابه عضواً بالكونجرس، قطر لضلوعها في طائفة من الممارسات الشنيعة، بداية من تقمص أدوار ذات وجهين متناقضين بين ما تدعيه من مكافحة للإرهاب ودعم لجهود إحلال السلام والمصالحات من جانب، وعلى الوجه الآخر تقوم بتدعيم علاقات التعاون الوثيقة مع إيران وجماعات إرهابية مسلحة، بل وإقامة مزيد من الشراكات مع إيران.  إضافة إلى شن حملات ضغط ولوبي ينفذ إلى الولايات المتحدة، والتي اشتملت على اقتراف جرائم القرصنة الإلكترونية وسرقة رسائل البريد الإلكتروني وغيرها من الحسابات الإلكترونية الخاصة لمواطنين أمريكيين.

وكان أمير قطر قد أكد في زيارته الأخيرة لواشنطن، أنّ علاقات بلاده مع الولايات المتحدة "استراتيجية وقوية"، وأنّ البلدين سيعملان عن كثب معاً من أجل القيام بالحد من التصعيد في المنطقة. وجاء ذلك خلال جلسة مباحثات ثنائية عقدها الشيخ تميم، الإثنين، مع وزير الدفاع الأميركي بالإنابة مارك إسبر، في البنتاغون بواشنطن. وأضاف أمير قطر أنّ "المنطقة تمر بظروف صعبة، وهناك خلافات لكننا نظن أنه بالعمل معاً يمكننا أن نجد طرقاً مناسبة من أجل نزع التوتر الذي يعمّ منطقتنا".

من جانبه، لفت وزير الدفاع الأميركي بالإنابة، إلى أهمية قاعدة "العديد" العسكرية في قطر، واصفاً إياها بأنّها "استراتيجية وحيوية". وأضاف أنّ "التحالف والجهود المشتركة بين بلدينا سيحققان أمناً أفضل يعود على كل الشعوب بالسلام".  وتابع: "نقدر كثيراً دعم دولة قطر، وأتطلع خلال نقاشنا إلى تناول عمل بلدينا المشترك". وسبق أن زار أمير قطر واشنطن، والتقى الرئيس الأميركي في إبريل/نيسان عام 2018، بدعوة من الأخير، الذي أكّد وقتها أنّ علاقات بلاده تسير بشكل ممتاز مع الدوحة، مشيداً بجهود أمير دولة قطر في الحفاظ على وحدة الخليج، وذلك في خضم الأزمة الخليجية المفتعلة التي تسببت بها السعودية والإمارات والبحرين منذ يونيو/ حزيران 2017.

التحالف الأمريكي – الخليجي لمواجهة إيران

تأتي زيارة أمير قطر لواشنطن في سياق دفع حلفاء ترامب ومستشاروه المتشددون باتجاه المواجهة مع إيران، لا سيما بعد أن وجدت الولايات المتحدة صعوبة في إقناع حلفائها التقليديين في أوروبا وشمال أمريكا لدعمها في هذه المواجهة والتصعيد الحالي في منطقة الخليج.  

وفيما حاولت إدارة ترامب نشر أخبار أمنية على حلفائها في أوروبا والدول الخليجية بتهديد "محتوم" من إيران أو الجماعات الموالية لها، أقنعت الولايات المتحدة بضرورة نشر قواتها وتعزيز وجودها في المنطقة، تلقت أوروبا ودول أمريكا الشمالية هذه الأخبار بنوع من الشك.

فهذه الدول الأوروبية، وبينها أعضاء حلف الناتو، التي اتبعت في الماضي واشنطن في حروب مثيرة للشك، دعت إلى الهدوء والحفاظ على الاتفاقية النووية، وهي مواقف أغضبت ترامب وإدارته، التي وجدت دعماً في مكان آخر، فقد شكلت السعودية والإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني تحالفاً قوياً ضد إيران.

ومن هذا المنطلق، ترى إدارة ترامب، أنَّ على النظام القطري، إنْ أراد البقاء، أن ينحاز لهذا التحالف، وأن يقبل بتجديد القاعدة الأمريكية العديد على نفقته الخاصة، لا سيما أن هذا التحالف يرغب في إضعاف إيران، ووقف تأثيرها في المنطقة، لافتا إلى أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قام بنحت مصطلح جديد للتحالف المعادي لبلاده، فأطلق عليه "فريق باء"، في إشارة لمستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.  

وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال جوزيف دانفورد تحدث يوم الثلاثاء الماضي عن عزم، الولايات المتحدة تشكيل تحالف عسكري في غضون أسبوعين، أو نحو ذلك لحماية المياه الاستراتيجية قبالة كل من إيران واليمن، حيث تنحي واشنطن باللوم على إيران ومقاتلين تدعمهم في تنفيذ هجمات.

وستوفر الولايات المتحدة بموجب الخطة، التي لم تتبلور سوى في الأيام القليلة الماضية، سفن قيادة للتحالف العسكري، وستقود جهوده للمراقبة والاستطلاع. وأوضح دانفورد تلك التفاصيل للصحفيين في أعقاب اجتماعين بشأن التحالف، أحدهما مع القائم بأعمال وزير الدفاع مارك إسبر والآخر مع وزير الخارجية مايك بومبيو.

وقال دانفورد: "نتواصل الآن مع عدد من الدول لتحديد ما إذا كان بإمكاننا تشكيل تحالف، يضمن حرية الملاحة في كل من مضيق هرمز ومضيق باب المندب". وأضاف: "ولذا، فإنّني أعتقد أن من المحتمل أن نحدد خلال الأسبوعين المقبلين الدول التي لديها الإرادة السياسية لدعم هذه المبادرة، وسنعمل بعد ذلك بشكل مباشر مع الجيوش لتحديد الإمكانيات المحددة التي ستدعم ذلك".

وفي محاولة منها لاسترضاء الولايات المتحدة واستمالة الإدارة الأمريكية، أعلنت قطر أنها ستنفق 8 مليار دولار لتطوير القاعدة الجوية التي تستخدمها الولايات المتحدة لعملياتها العسكرية ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وأفغانستان، بحسب ما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست".

ويأتي هذا في الوقت الذي تواجه فيه قطر مقاطعة عربية منذ أكثر من عام بسبب دعمها للإرهاب وتمويلها لجماعاته.  وبعد الموقف المتشدد الذي تبناه إزاءها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومطالبته للإمارة بالتوقف عن تمويل الإرهاب، سعت الدوحة لتحسين صورتها وأنفقت ملايين الدولارات على شركات اللوبي ذات تأثير واسع في واشنطن وتقربت من أعضاء للكونجرس من محاولة لدفعهم لتبنى موقفها.

وتسعى الدوحة بكل ما أوتيت من قوة لنيل رضا الولايات المتحدة، وتقول "واشنطن بوست" عنها إنها ينظر إليها كمانح رئيسي في خطط الإدارة الأمريكية لتقديم مساعدات تنمية لغزة والضفة الغربية كجزء من خطة سلام أمريكية لم يكشف عن تفاصيلها بعد، لكنها لا تجد صدى من الأطراف المعنية في الشرق الأوسط.

مقابلة وزير الدفاع القطري مع "واشنطن بوست" استعرضت جهود إمارة تميم لكسب واشنطن لصالحها في أزمتها مع الدول العربية التي تفرض عليها عزلة كبيرة.  حيث قال العطية إنهم قاموا بشراء الكثير من العتاد العسكري من الولايات المتحدة حتى يستطيعوا التحليق يدا بيد مع شركائهم.

وتعد قاعدة العديد محور العلاقات الأمريكية القطرية، كما أن هذه القاعدة مفتاح للجهود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد لعبت دورًا مركزيًا في الحملة الجوية التي شنها البنتاجون ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق.  وبالإضافة إلى الوجود الكبير للقوات الأمريكية، فإنها تمثل مقر للقيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية. وتقول صحيفة "واشنطن بوست" إن استعداد قطر للسماح لأمريكا للتحليق بقاذفات من قاعدة العديد له أهمية خاصة، لأنه لا تسمح دول أخرى في المنطقة بالقاذفات.

القواعد العسكرية في الدول الخليجية لخدمة الاستراتيجية الأمريكية

منذ مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئاسة في واشنطن، طرحت الإدارة الأمريكية وثيقتين مهمتين في ديسمبر 2017، تحددان الاستراتيجية الأمريكية، حيث أكدت الوثيقتان أنَّ التهديد الرئيس والأول للولايات المتحدة هو روسيا والصين، مما يستلزم مواجهة القوة العسكرية الروسية والقوة الاقتصادية الصينية. وفضلاً عن ذلك، تركز الولايات المتحدة الأمريكية تركيزًا شديدًا على القوة الإقليمية الصاعدة لإيران، لا سيما بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، التي صدق عليها مجلس الأمن بالأمم المتحدة، مخالفة بذلك باقي حلفائها الموقعين على الاتفاقية. فقد ذكرت الوثيقتان أنّ الاتفاق النووي مع إيران لم يردعها عن ممارسة بعض الأعمال العدائية داخل الإقليم.  

أما عن "صفقة القرن"، فالرؤية الأمريكية الحالية تتحدد في أنّ الكيان الصهيوني ليس المشكل، فقد اتخذت الاستراتيجية الأمريكية من التحالف بين بعض الدول الخليجية والكيان الصهيوني ذريعة للقول إنّ الكيان الصهيوني لا يمثل مشكلة في المنطقة، ويدل على هذا، محاولة الإدارة الأمريكية الحالية تمرير "صفقة القرن"، من خلال تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وبالتالي تصفية المسألة الفلسطينية، وتوطيد علاقات التحالف بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، وتعزيز الولايات المتحدة تحالفها مع الكيان الصهيوني.  

هذه هي الاستراتيجية الأمريكية التي تستند إليها إدارة ترامب كمرجعية أساسية في إقليم الشرق الأوسط، وفي منطقة شرق آسيا، والحال هذه تنطلق إدارة ترامب من مبادئ الواقعية الدفاعية، واستعراض القوة العسكرية، وحصر التمدد الروسي في المنطقة، والحفاظ على أمن الطاقة، ومواجهة القوة الاقتصادية الصينية الصاعدة التي باتت تهدد المصالح الأمريكية.

وفق هذه الرؤية الاستراتيجية عمدت واشنطن الى ايجاد قواعد عسكرية تابعة لها في مناطق مختلفة من العالم ومنها الشرق الأوسط التي تحولت الى فناء خلفي لأمريكا وسخرت مقدراتها لخدمة الهيمنة الامريكية في العالم.  

وعلى الرغم من عدم وجود قواعد عسكرية لدول أجنبيّة على الأراضي الأمريكيّة، فإنّ الولايات المُتحدة تمتلك أكثر من 800 قاعدة عسكرية في مختلف بلدان العالم، منها 174 في ألمانيا وحدها، رغم مرور 70 عاماً على الحرب العالمية الثانية، ومنها 113 في اليابان، و83 في كوريا الجنوبيّة، على الرغم من مرور 62 عاماً على الحرب الكوريّة، و106 قواعد في العراق طبقاً لإحصائيات دولية. أما قاعدة أنجرليك في تركيا هي نقطة تمركز أساسية للقوات الأمريكية منذ عام 1954 وتقع في مدينة أضنة خامس أكبر المدن التركية وتستخدم بشكل رئيسي كمركز لمهام الاستطلاع ومخزناً لقنابل نووية أمريكية حيث تضم وفقا للعديد من التقارير نحو 60 قنبلة.

ولكن بعد زوال الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو، أصبحت الإدارة الأمريكية مكشوفة، وأُثيرت التساؤلات في الداخل الأمريكي عن هذه القواعد وجدواها، حيث يُكلف الاحتفاظ بتلك القواعد دافعي الضرائب ما يُقارب 156 مليار دولار سنويًا.  وتسكينًا للتساؤلات بدأت الولايات المُتحدة بالزج باسم "القاعدة" و "داعش"، ومُكافحة الإرهاب، والخطر الإيراني، إلى مُبررات وجود تلك القواعد.

وجاءت حرب الخليج الثانية في عام 1991 لتشهد نقلةً نوعيةً في الوجود العسكريّ الأمريكيّ في المنطقة، حيث عملت الولايات المُتحدة على إنزال مئات الآلاف من الجنود في السعودية والدول المُجاورة، ولكن بعد انتهاء الحرب لم يعد العديد من هؤلاء الجنود إلى أوطانهم. وتُعَدُّ المملكة العربية السعودية من أهم الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المُتحدة؛ فمنذ عام 1990 كانت المملكة السعوديّة قد بدأت باستضافة عددٍ من القواعد العسكريّة شبه الدائمة، وحين حدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، كان للقيادة المركزيّة الأمريكيّة 13 مرفقاً خاصاً بها، بالإضافة إلى حقها باستخدام 66 مرفقاً تابعاً للقوات المسلحة السعودية.

تُجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من الحديث المعلن عن رفض المملكة السعودية انطلاق الضربات الأمريكية للعراق من أراضيها، فإن تقارير تؤكد أن المملكة تكفلت بأكثر من خمسين بالمائة من العمليات اللوجستية غير القتالية ضد العراق بشكل سري، وسمحت السعودية للطائرات الأمريكية بحرية الحركة في أجوائها، كما سُمح لقوات العمليات الخاصة الأمريكية وغيرها أن تنطلق من الجوف في شمال السعودية باتجاه العراق.

أما الإمارات التي تسعى للتفوق على جارتها قطر، فقد وقعت اتفاقية التعاون العسكري والدفاع المُشترك مع الولايات المُتحدة عام 1994، وبمُوجب هذه الاتفاقية حصلت الولايات المُتحدة على تسهيلاتٍ بخصوص إنشاء قواعد عسكريّة - بحرية بالأخص- في ميناء زايد، جبل علي، دبي، والفجيرة وقاعدة اﻟظﻔرة الجوية؛ وتضم الفرقة الجوية الأمريكية رقم 380، وتحتوي على منصات انطلاق لطائرات استطلاع يو-2، وطائرات إعادة التزود بالوقود وتنتشر أيضاً طائرات أمريكية من نوع جلوبال هوك وطائرات الأواكس، وحسب التقديرات تصل القوات الأمريكية في قاعدة الظفرة الجوية إلى 5000 فرد من القوات الأمريكية، كما يوجد في ميناء جبل علي سفينة حربية كبيرة، بالإضافة إلى أن ميناء وليد ورشيد مُستعدان لاستقبال السفن الأمريكية.

منذ عام 1967 تستضيف البحرين القواعد العسكرية الأجنبية وهي كانت قواعد بريطانية وبعد انسحاب البريطانيين ملأ الأمريكيون هذا الفراغ وفي عام 1995 تحول البحرين رسميا الى مقر للأسطول الأمريكي الخامس وقد رست السفن الأمريكية قرب المنامة واستقر 4200 عسكري أمريكي في هذا البلد. فقاعدة الجفير، تم إنشاؤها عام 1997، وتقع جنوب شرق العاصمة البحرينية المنامة.  وتضم مركز القيادة البحرية للأسطول الخامس الأمريكي.  وتستخدم أمريكا القاعدة للتدريبات البحرية والدعم اللوجيستي.  وسبق أن استخدمتها عام 2003 في غزوها للعراق.

اما الأسطول الأمريكي الخامس فهو يضم عددا من حاملات الطائرات والغواصات الهجومية والمدمرات كما استقرت في البحرين أيضاً 70 طائرة مقاتلة أمريكية وعدد من القاذفات التكتيكية وطائرات تزويد الوقود في قاعدة الشيخ عيسى الجوية، وعلى الرغم من ذلك تبقى القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسية في البحرين قاعدة الجفير جنوب شرق المنامة وهي مقر الأسطول الخامس، كما تضم المنامة معظم مراكز قيادة القوات البحرية الأمريكية في قاعدة الجفير التي فيها 40 مركز قيادة امريكية وهي مرتبطة جميعا بالقيادة الأمريكية الوسطى.

حسب تقرير لمركز أبحاث الكونغرس الأمريكي تم تحديثه في 28/6/2005، توجد في سلطنة عمان منذ ما قبل 11 سبتمبر 2001، خمس قواعد أمريكية تتبع مباشرة للقيادة الوسطى الأمريكية، كما توجد اتفاقات تعطي أمريكا حق استخدام 24 مرفقاً عسكرياً عمانياً غيرها.  ولا توجد قوات عسكرية أمريكية كبيرة في عمان اليوم، كما كان الحال وقت غزو أفغانستان، بل تواجد رمزي ومخازن ضخمة للأسلحة والعتاد والذخائر الأمريكية.

الخاتمة

مع مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب، أعلنت أنها ستتدخل بقوة في المنطقة العربية، عبر تفكيك الدول الوطنية فيها، ولن تتركها لروسيا وإيران، روسيا التي ستحجمها وتتقاسم معها النفوذ، وإيران ستخرجها من المنطقة.  ويربط كثير من التحليلات بين استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للتوجه نحو آسيا بسبب اشتداد التوتر مع المارد الصيني، وبين تعزيز القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية، من أجل تأمين الولايات المتحدة امتداد النفط والغاز للعالم الغربي، ومحاولة خنق الاقتصاد الصيني الذي يشهد معدلات نمو غير مسبوقة، واتساع الطبقة الوسطى في الصين(ثلث الطبقة الوسطى في العالم)، بما يؤهل الصين أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم خلال العقود القليلة القادمة، في ضوء الاستثمارات التي تضعها الصين من أجل تطوير البنية التحتية (تطوير شبكة المواصلات، والقطارات شديدة السرعة، وتطوير المطارات)، ما يجعلها بيئة جاذبة للاستثمارات والشركات الأجنبية.  

لهذا كله، الولايات المتحدة الأمريكية، تريد إبقاء هيمنتها العسكرية والاقتصادية على إقليم الشرق الأوسط، تحسبا للتهديدات الأمنية الإرهابية، وللصعود الإقليمي الإيراني، ومن أجل توظيف القواعد العسكرية في الدول الخليجية لخدمة الاستراتيجية الأمريكية المتجهة نحو آسيا لمواجهة التحديات الجديدة الصينية، بما يحافظ على الهيمنة الإمبريالية الأمريكية و قيادتها للنظام الدولي ومؤسساته التي أسستها الولايات المتحدة، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لتعزيز مكانتها في النظام الدولي الجديد عقب نهاية الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفياتي، وزوال حلف وارسو.

الإمبريالية الأمريكية تهنئ الأنظمة العربية ركيزة الوجود الإمبريالي، وحليفة الكيان الصهيوني على تبذير أموال النفط والغاز التي هي ملك للشعوب العربية في استثمارات حروب المئة عام القادمة من حروب عربية – عربية، إلى صراعات طائفية ومذهبية ودينيّة وقبائلية، مروراً بالحرب الباردة بين الدول الخليجية وإيران، وفي حسابات كل ذلك، الكيان الصهيوني هو المستفيد الأكبر، عبر قتل الشعوب العربية، ومنعها من تحقيق تنميتها المستقلة، والغرب الاستعماري والإمبريالي، مارس ذلك مع الوطن العربي عبر قرن ولا يزال.

الحقيقة الساطعة في الوطن العربي أنّ لا صوت يعلو فوق صوت فلسطين، على الرغم من حالات الوهن العربي وانحسار المقاومة والتجاهل المقصود للقضية المركزية للعرب ولأحرار العالم، إذ لا تزال فلسطين مجمّعة ومحركة للشارع العربي عموماً. والشعوب العربية، وهي في أسوأ حالاتها ليست مستعدة في التفريط في أي شبر أو في جزء من الحقوق الثابتة للأمة العربية والإسلامية، فهو خط أحمر، وهي مستعدة للانخراط في خيار المقاومة المستند إلى مشروع قومي عربي جديد، لخوض الصراع مع الأنظمة الرجعية العربية، والعدو الصهيوني، الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، بوصفهم معسكر أعداء الأمة.

 

إخترنا لكم من العدد