مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

إيران وأمريكا في لعبة المواجهات الإقليمية والدولية

توفيق المديني

دخل التوتر والتصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة حافة الحرب، لا سيما عندما قامت وحدات من الحرس الثوري الإيراني باحتجاز ناقلة النفط البريطانية (ستينا إمبيرو)، وهو تحرك تراه طهران انتقاماً لاحتجاز ناقلة النفط (غريس وان) في مياه البحر المتوسط قرب جبل طارق، بتهمة انتهاك العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سورية.

فقد نقلت إيران التوتر والتصعيد مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة إلى مرحلة تحدي خطيرة تبلغ درجة "حافة الهاوية"، إذ أصبحت منطقة الخليج على حافة الاشتعال بسبب حرب ناقلات النفط بين إيران من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة اخرى. وتعتزم بريطانيا فرض عقوبات اقتصادية على إيران، بحسب صحيفة ديلي تلغراف البريطانية، وذلك بعد احتجاز ناقلة النفط البريطانية في الخليج العربي. كما تسعى لإرسال غواصة نووية إلى مضيق هرمز لردع إيران في المنطقة. وبينت الصحيفة أنّ بريطانيا قد تضغط على الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لإعادة فرض العقوبات على إيران والتي تم إلغاؤها بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2016.

ويعود هذا التصعيد في منطقة الخليج إلى الموقف الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب الأحادي الجانب في أيار/مايو 2018من الاتفاق النووي (الاتفاق النووي الإيراني) بين إيران ودول الخمسة زائد واحد (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وألمانيا) المبرم في يوليو/تموز 2015 والذي دخل حيز التنفيذ في 16 كانون الثاني/يناير 2016.

وفضلاً عن ذلك، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقسى العقوبات على إيران، بل أكثر حتى من روسيا، أو الصين، أو كوريا الشمالية، إذ فرضت عقوبات اقتصادية على ما يقرب من ألف من الشخصيات والكيانات، واتخذت خطوات لجعل محاولات إيران لبيع نفطها مهمة بالغة الصعوبة، وصنفت أحد أفرع الجيش الإيراني (فيلق الحرس الثوري الإسلامي) كمنظمة إرهابية.

الواقع أن هذه السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة ناجحة، بمعنى أن أغلب الدول (بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي التي لا تتفق مع سياسة ترامب) ارتأت أنّ الحفاظ على العلاقات التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة أفضل من الحفاظ عليها مع إيران. وقد سجلت صادرات إيران من النفط انخفاضاً حاداً، ومن الواضح أن عزلتها الاقتصادية حقيقية ومتزايدة.

كما تقلص اقتصاد إيران بنحو 4% في عام 2018 ومن المتوقع أن ينكمش بنحو 6% أخرى هذا العام 2019. وتواصل العملة الإيرانية الانخفاض. وهناك تقارير عن ارتفاعات حادة في الأسعار، ونقص في الغذاء والدواء. وتهدف العقوبات التي هي في تصاعد مستمر إلى جعل صادرات النفط والغاز "صفر" (وهو العصب الأساسي للاقتصاد) وحظر التعامل مع البنك المركزي الإيراني والبنوك الأخرى.

وتريد الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ممارسة سياسة التصعيد العسكري والخنق الاقتصادي ضد إيران، التوصل مع هذه الأخيرة لعقد اتفاق جديد وأوسع من السابق، يشمل بالإضافة إلى النووي البرنامج الصاروخي الباليستي وسياسة إيران في الإقليم ككل. إنها الشروط الاثني عشر التي وضعتها الولايات المتحدة، على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو، تطلب من إيران تغييرات جذرية في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط والانسحاب الكامل من سورية، فضلاً عن انكشاف جميع مقدراتها العسكرية والأمنية ومنعها من احتمالية الحصول على القنبلة النووية إلى الأبد، وليس لعشر سنوات فقط كما هو في الاتفاق النووي.

التحدّي الإيراني لأمريكا

لقد هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية العراق واحتلته بسبب عدم امتلاكه قوة ردع سواء أكانت نووية أو سواها من أسلحة الدمار الشامل الأخرى، في حين أنها لم تهاجم كوريا الشمالية. ومن يتابع ردود الأفعال الأمريكية على الإعلان الكوري الشمالي منذ عقدين من الزمن سوف يصاب بالدهشة، إذ أجمعت معظم الإدارات الأمريكية على المطالبة باستئناف المفاوضات مع قيادة كوريا الشمالية، وفي الذهن أنّ ما يحصل مجرد ابتزاز وأنّ رفع درجة الإغراء يمكنه أنْ يُؤَدِّيَ إلى تسوية. وقد لا تتأخر الولايات المتحدة في الإعلان أنّ حربها ضد الطغيان تقف عند السد النووي الكوري، وأن الشعار البديل الخاص بنشر الديمقراطية لن يطبق على كوريا الشمالية بسبب امتلاكها السلاح النووي.

في القماشة الخلفية للسياسة الإيرانية منذ سنوات السبعينيات، ونظراً للإجماع الوطني الذي تثيره، تبرز إيران كقوة إقليمية معترف بهيمنتها. وأصبحت المطالبة بهذه الوضعية واحدة من عناصر الهوية الوطنية الإيرانية. إضافة إلى ذلك يجمع الطيف السياسي الإيراني على مسألة امتلاك إيران السلاح النووي بوصفه ضمانة للاستقلال والاحترام والهيبة. ويقول الإيرانيون في مجالسهم الخاصة، أنظروا إلى باكستان. فهذا البلد الذي خلق تنظيم "طالبان" الأفغاني، والذي حمى وغذى تنظيم "القاعدة"، والذي لا يتوانى اليوم عن مكافحة الأصولية، هذا البلد يكاد لا يشار إليه حتى بالأصبع. هل تعرفون لماذا؟ لأنه يمتلك قوة ردع نووية.

ويعتبر التيار المتشدد في إيران أن مسألة انتشار أسلحة الدمار الشامل لم تكن في الحقيقة سوى ذريعة كاذبة، استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق. والحال هذه تمثل حرب العراق عنصراً حاسماً في قرار التشدّد الإيراني. وقد أثّرت الأكاذيب الأمريكية سلباً على صدقية التنديد بمخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل. والأدهى من ذلك هو أن كوريا الشمالية قد واصلت باطمئنان وثقة مساعيها لامتلاك ترسانة نووية، في الوقت الذي توشك فيه إيران على امتلاك ترسانتها الخاصّة.

 الحقيقة أن طهران لاحظت أنّ العراق الذي كان يصرّح تكراراً بأنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل وقبل بعمليات التفتيش الدولية، قد شُنَّت عليه حرب. في حين أنّ كوريا الشمالية التي سلكت نهجاً معاكساً نعمت بالسلام. فاستنتجت القيادة الإيرانية أن سبيلها الأفضل للحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو امتلاك ترسانة نووية وليس احترام التزاماتها بشأن الحدّ من انتشار السلاح النووي. هذا فضلاً عن أنّ الولايات المتحدة التي فشلت في إسقاط الدولة الوطنية السورية طيلة السنوات الثماني الماضية، ستكون أقلّ قدرة على المناورة وفي ممارسة الضغوط على طهران. لذلك وجد الإيرانيون في الظروف المحيطة ما يحثّهم على التحدّي.

 لقد تحدّت إيران الولايات المتحدة الأمريكية بإسقاط طائرة التجسس الأمريكية المسيرة دون طيار في 20حزيران/يونيو2019، ما اعتبره المحللون الغربيون، بأنّه لم يكن صفعة "تقنية" وحسب، بل مؤشراً عملياً على قدرات إيران العسكرية المتطورة وعلى امتلاكها مضادات جوية نوعية. فهذه الطائرة، من نوع "آر كيو-4 غلوبال هوك"، تُعَدُّ من فخر الصناعات العسكرية الأمريكية، حيث يمتلك الجيش الأمريكي 4 منها فقط، وهي أغلى ثمناً من أي طائرة مقاتلة أمريكية يزيد ثمنها عن 120 مليون دولار ويبلغ وفق بعض التقارير 200 مليون دولار، وهي مطوّرة عن سابقاتها لميزاتها في التحليق على ارتفاعات شاهقة وقدرتها على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة وقدرتها على التجسس والتصوير في كافة الظروف الجوية. هذه الطائرة مبرمجة للعمل على الأقل من الأن إلى 2050، وتستخدمها وكالة الفضاء الأمريكية، ناسا، أيضاً.

يقول الباحث بدرخان علي، تنطلق إيران من أمرين: الأول تقدير مفاده أن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً شاملة ضدها، والثاني: استعداد إيران لخوض المجابهة من مبدأ إبراز أوراق القوة ووسائل الردع المتوفرة لديها لثني الولايات المتحدة عن مخططها الهادف إلى تدمير إيران عبر الحصار الاقتصادي الخانق المفروض عليها وإركاعها، حتى دون عمليات عسكرية واسعة، تتجنبها الولايات المتحدة حتى الآن، حيث لا تملك إيران رفاهية الانتظار ومشاهدة هذه الاستراتيجية الأمريكية المدمّرة لها مع الوقت.

كما أنَّ وراء تأجيل، أو إلغاء، الرئيس الأمريكي ترامب ضربة انتقامية فورية مقرّرة ردّاً على الإهانة الإيرانية لهيبتها العسكرية بإسقاط الطائرة المسيرة دون طيار، تكمن المخاوف الأمريكية من عواقب التصعيد العسكري المباشر ضد إيران واحتمال انزلاق الأوضاع إلى نزاع شامل وغير قابل للتحكم به، ووضع المصالح الأمريكية الحيوية وقواتها في المنطقة، مع حليفها الكيان الصهيوني وحلفائها المقتدرين اقتصادياً(المملكة السعودية، الإمارات، وقطر والكويت)، في دائرة الاستهداف العسكري المباشر، وتفضيل خيارات أخرى أقل انخراطاً وكلفة عسكرياً وتؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف أو تدمير القدرات الإيرانية.

الرّد الإيراني القوي على الدور البريطاني

اتهم رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حسن روحاني، يوم الأربعاء الماضي، المملكة السعودية والكيان الصهيوني بأنهما لعبا دوراً في انسحاب أمريكا من اتفاق النووي، كاشفاً عن موافقته على التفاوض "العادل" مع واشنطن. وجاء ذلك وفق ما نقلته وكالة "تسنيم" عن روحاني الذي قال إنّ الرياض أعلنت مؤخراً أنها لعبت دوراً في انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وهو الدور ذاته الذي أكد رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أن الكيان الصهيوني لعبه. وأضاف روحاني أن "المتطرفين داخل أمريكا" كان لهم تأثير كبير على واشنطن حتى تأخذ قرار الانسحاب من الاتفاق.

وقال روحاني، إنّ بلاده مستعدة للدخول في مفاوضات "عادلة"، لكن ما لم تكن هذه المفاوضات تعني الاستسلام. ولم يذكر روحاني ما هي المحادثات التي يعنيها، لكن بدا أنه يشير إلى مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة. وقال: "ما دمت مسؤولاً عن الواجبات التنفيذية للبلاد، فنحن مستعدون تماماً لإجراء مفاوضات عادلة وقانونية وصادقة لحل المشكلات". وأضاف: "لكن في الوقت ذاته لسنا مستعدين للجلوس إلى طاولة الاستسلام تحت مسمى المفاوضات".

وقال روحاني إن مضيق هرمز ليس مكاناً للمزاح أو التلاعب بالقواعد الدولية، مضيفاً أنه "إذا تراجعت بريطانيا عن الأفعال الخاطئة في جبل طارق فستتلقى رداً ملائماً من إيران". وختم بالقول: "احتجاز الحرس الثوري للناقلة التي ترفع علم بريطانيا كان عملاً قوياً ودقيقاً واحترافياً".

وتؤكد سيطرة الحرس الثوري الإيراني على ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبيرو"، بأنّها محاولة من إيران للظهور بمظهر القوي لا الضعيف. فالطريقة التي قام بها الحرس الثوري بإنزال قواته على الناقلة هي تكرار للعملية البريطانية ضد ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق.

وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في نسختها الصادرة يوم22تموز/يوليو2019، نشرت تقريراً لمراسلتها في طهران نجمة بوزوغمهر، تقول فيه نقلاً عن السياسي الإصلاحي محمد صادق جوادي حصار، قوله: "العين بالعين واليد باليد هي عقيدتنا الإسلامية، والعين الأمريكية أو اليد الأوروبية ليست أثمن من عين أو يد الإيرانيين"، وأضاف أنّ "إيران لن تسمح بإرباك ميزان القوة في المنطقة، الذي سيكون بمثابة موتنا، ولو سمحنا لبريطانيا لمعاملتنا بطريقة غير عادلة فسيتبعها آخرون".

ويلفت التقرير إلى أن القادة الإيرانيين يقولون إنهم ملتزمون بالحلول الدبلوماسية، ولا يريدون لا التصعيد أو التوتر مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يقولون فيه إنهم لن يبدأوا هجوماً، إلا أنهم يؤكدون أن أي فعل عدواني سيتم الرد عليه بالمثل، حتى لو أدى ذلك إلى اندلاع حريق.

وتفيد الكاتبة بأن الجمهورية الإسلامية تزعم أن بريطانيا سيطرت على ناقلة النفط "غريس وان"، بناء على طلب من الولايات المتحدة، في رد على إسقاط الحرس الثوري طائرة تجسس أمريكية، التي تقول الولايات المتحدة إنها وضعتها على مسافة دقائق في المواجهة مع العدو.

وتنقل الصحيفة عن ليلاز، قوله: "لدى بريطانيا استراتيجية جديدة، وهي الدولة الوحيدة حتى الآن التي قامت عملياً بتقديم المساعدة للعدوان الأمريكي ضد إيران.. لم يكن أمامنا سوى الرد، وتذكير بريطانيا أن هذا ليس عام 1953"، في إشارة إلى الانقلاب الذي شاركت فيه مع الولايات المتحدة ضد حكومة محمد مصدق.

أما صحيفة "الغارديان" البريطانية، فقد نشرت مقالاً للمعلق سايمون تيسدال، تحت عنوان "هذا الانحراف المتهور للحرب مع إيران عار على بريطانيا"، يقول فيه إن وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت قال إن بريطانيا ستقف إلى جانب الولايات المتحدة في حال التدخل العسكري، متسائلاً كيف نسي العراق بهذه السرعة.

ويقول تيسدال إن "تاريخ بريطانيا الحديث مع إيران مثير للخجل، فقام الإمبرياليون والتجار البريطانيون في القرن التاسع عشر بالاستغلال وممارسة البلطجة عليها، وأعادوا رسم حدودها مع الراج في الهند، وقامت الجيوش البريطانية بغزو إيران واحتلالها، وساعدت في العشرينيات من القرن الماضي بترفيع رضا شاه بهلوي ليحتل عرش الطاووس، وهو ما أدى إلى ديكتاتورية زرعت بذور المعاداة للغرب، وقادت لاحقاً إلى الثورة الإسلامية في عام 1979، ولا تزال آثار الجيش الفيكتوري البريطاني وتخريبهم لآثار بيرسبوليس".

ويلفت الكاتب إلى أنّ "الولايات المتحدة حلت محل بريطانيا بصفتها جلاداً أكبر، لكن الكثيرين قد يتفقون مع رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الذي أخبر المبعوث الأمريكي أفريل هاريمان، قائلاً: (أنت لا تعلم كم كان البريطانيون ماكرين، ولا تعرف كم كانوا شريرين، ولا تعرف كيف يلطخون كل شيء يمسونه").

ويرى الكاتب أن "المثير للدهشة ليس صقور ترامب، مثل جون بولتون ومايك بومبيو، الذين يعدون لحرب مع إيران؛ لأنهم يحاولون الدفع إليها منذ أن دمروا الاتفاقية النووية التي وقعت في عام 2015، وعلينا ألا نشعر بالدهشة من الاتهامات والشتائم والاستفزازات والعقوبات التي فرضت على إيران، فهذا جزء من العملية التي تتحول فيها القيادة للغة الحرب".

ويقول الكاتب: "يجب أن يثير الانحدار نحو حرب غير مبررة وليست ضرورية الخوف في قلوب حزب المحافظين المتواطئ، ألا يتذكر أي من أعضاء الحزب الحرب التي صنعتها أمريكا في عام 2003؟ ألا يذكرهم تقرير تشيلكوت، الذي اتهم توني بلير بعدم البحث عن الحل السياسي وبالغ في الحديث عن تهديد العراق، بدق ناقوس الخطر الآن؟".

ويقول الكاتب إن "إيران محقة، ففي معظم الشرق الأوسط ينظر لبريطانيا على أنها متحالفة مع الديكتاتوريين والقتلة، وفي الوقت ذاته فهي تابعة لأمريكا الضارة، ففي اليمن تربط بريطانيا بدعم ترامب للحملة السعودية هناك، ما أدى إلى معاناة كبيرة للمدنيين، وعندما يتعلق الأمر بفلسطين، فإن ترامب دمر بخطة (السلام) المتحيزة الإجماع الدولي الذي يدعو لدولة فلسطينية قابلة للحياة، وفي سوريا خرب ترامب الجهود الإنسانية التي قامت بها بريطانيا".

ويختم تيسدال مقاله بالقول: "لو استطاع صقور ترامب تحقيق ما يريدون فإن بريطانيا ستتورط مع دولة عظمى عدوانية تتعارض أعمالها وكلماتها مع مصالح هذا البلد وقيمه بشكل متزايد".

خيارات ترامب المفتوحة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ الولايات المتحدة لن تؤدي مهام "الشرطي" في مضيق هرمز لحماية سفن الدول الغنية مثل الصين والسعودية واليابان. وقال ترامب أمام الطلاب، في معرض حديثه عن مشاركته في قمة العشرين، إن الولايات المتحدة "تحارب في سبيل جميع تلك الدول، وهذا يكلفنا ثمناً باهظاً، بيد أن بعض تلك الدول غنية جداً".

وتابع ترامب: "أي دور أمريكي في هذا الشأن سيفيد مُصدّري النفط الأغنياء جدا بالشرق الأوسط والمستوردين الآسيويين، في وقت لم تعد فيه الولايات المتحدة بحاجة إلى النفط". وأردف قائلاً: "نحن نحصل على 10% فقط من النفط من مضيق هرمز، فقط لأننا نشعر بالتزام للقيام بذلك. نحن فعليا لسنا بحاجة إليه، لقد أصبحنا مُصدّرين، ولا نحتاج إلى ذلك".

وأضاف ترامب: أن الولايات المتحدة تحصل على كمية قليلة جدا من النفط عبر المضيقين) هرمز وباب المندب)، مشيراً إلى أن "كل الناقلات في تلك المنطقة صينية، وتستورد الصين 65% من النفط عبر المضيقين، واليابان تستورد 25% ".

وتابع الرئيس الأمريكي قائلاً: "ونحن من يؤدي مهام الشرطي منذ عقود من السنين لحماية جميع تلك الدول". وتساءل ترامب: "لماذا نؤدي دور الشرطي في سبيل الصين الغنية واليابان الغنية، ونحن كذلك نؤدي دور الشرطي في سبيل الدول الصديقة مثل السعودية والإمارات وغيرهما. ولكن لماذا نقوم بذلك؟ ولماذا تتواجد سفننا هناك؟".

وأشار ترامب في خطابه إلى أن الجيش الأمريكي حالياً في حالة أفضل من أي وقت مضى.

وقال ترامب بهذا الخصوص: "نبني قوات مسلحة لم يكن لها مثيل عندنا في أي وقت مضى. ولدينا صواريخ جديدة ونقوم بصناعة أفضل المعدات في العالم... ونقوم بتحديث ترسانتنا النووية بصورة غير مسبوقة". وأضاف: "ونأمل بأننا لن نضطر لاستخدامها أبداً، ولكن يجب أن نمتلكها وأن تكون جاهزة".

يجمع المحللون أنّ هذا التصعيد الخطير في الخليج وبلوغ التوتر إلى حدّ المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يعني حتمية الحرب التقليدية، ففي واشنطن لا توجد أجواء حرب واسعة ضد إيران أو غزو برّي، ولا مناخ مشابه لما سبق حرب الخليج 2003، بعد الكابوس الأمريكي من درس العراق وأفغانستان، وبعد هزيمة المخطط الأمريكي – الصهيوني – التركي - الخليجي في سورية، حيث الخسائر البشرية الكبيرة والتكلفة الباهظة بتريليونات الدولارات.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك كل البنية التحتية العسكرية من قواعد عسكرية، وبوارج حربية، وصواريخ كروز، ودبابات في منطقة الخليج العربي، فإنّها لن تغامر بشن حرب واسعة النطاق على إيران، ويرجح حين يتم تجاوز الخطوط الحمر من الجانبين، أنّ توجه أمريكا ضربة محدودة انتقامية مدروسة لمواقع إيرانية حساسة تقضي على مواقع إطلاق صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى (أو ضربة استعراضية لمواقع غير حساسة إذا قرر ترامب عدم التصعيد) ودون أضرار كبيرة، وارداً، مع استمرار استراتيجية الضغط الأمريكي على إيران وإضعافها تدريجياً. وقد تأتي الضربة خارج إيران تجنباً لاستفزاز كبير لإيران (والساحة السورية هي أنسب مكان كونها مفتوحة لكل من يريد ضرب خصومه وأعدائه!) حفظاً لماء الوجه داخلياً وخارجياً بالنسبة للإدارة الأمريكية، ودعماً للكيان الصهيوني الذي لا يتوقف عن توجيه الضربات على مواقع داخل سورية.

وعلى الرغم من جميع محاولات الكيان الصهيوني الضغط على واشنطن في عهد إدارات أمريكية متعاقبة لضرب إيران، فإنّ أمريكا تخشى من تداعيات الحرب في حال اندلاعها، لا سيما أنّ إيران تمتلك قوة عسكرية وصاروخية هائلة قادرة أن تطال كل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن أنّ إيران قادرة على تحريك كافة أوراقها في المنطقة من مبدأ "عليّ وعلى أعدائي".

فإيران تساند فصائل مسلحة في العراق وسورية وأفغانستان، حيث تتمركز قوات أمريكية أيضا، وكذلك في لبنان واليمن الواقعين قرب الكيان الصهيوني والسعودية، أوثق حليفين لواشنطن في المنطقة. ولدى الجماعات المسلحة مواقع قريبة للغاية من مناطق تمركز القوات الأمريكية ولديها قدرات هائلة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. وأقوى تلك الجماعات، التي دربتها طهران وجهزتها ومولتها، هي عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء ومنظمة بدر.

وتقول الولايات المتحدة إن إيران وراء مقتل ما لا يقل عن 603 من أفراد القوات المسلحة الأمريكية منذ 2003. ولا يزال نحو 5200 جندي أمريكي في العراق، ويتمركزون في أربع قواعد رئيسية وكذلك في مطار بغداد ومقر التحالف في المنطقة الخضراء.

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالاً تحت عنوان، إدارة ترامب تركت الخيارات كلها مفتوحة، للمعلق إيشان ثارور يقول فيه،  أنه "مع أن الطرفين (الرئيس دونالد ترامب والنظام الإيراني) يؤكدان أنهما لا يريدان المواجهة العسكرية، إلا أن سلسلة من التصعيد في الخليج ومناطق أخرى تقلل من مساحة المناورة للطرفين، فالبيت الأبيض متمسك باستراتيجية (أقصى ضغط) التي تهدف إلى خنق إيران اقتصاديا عبر العقوبات، ومنع إيران عن تصدير النفط، وفي الوقت ذاته، يقوم النظام الإيراني بضرب أهداف سهلة، ناقلات نفط تعبر مضيق هرمز، في وقت تلقي فيه اللوم على إدارة ترامب وخيانتها لاتفاقية عام 2015، التي أدت إلى الأزمة الحالية".

ويشير الكاتب إلى مقال كتبه الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، قال فيه: "يعاقب الرئيس دونالد ترامب إيران والمجتمع الدولي ليس لأنها انتهكت المعاهدة النووية، بل لأنها التزمت بالاتفاق الذي وافق عليه المجتمع الدولي"، وأضاف: "بخروجها من الاتفاقية النووية فإن إدارة ترامب تحركت ضد مبادئ الحوار والتعاون وبناء التحالف، ورفضت قضية السلام".

ويقول الكاتب إن "المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين يعززون من مواقعهم، ودخلوا في حرب كلمات، ويقومون بنوع من السذاجة بفحص الخطوط الحمراء لكل طرف، وفي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بالضغط على كل مؤسسة وشركة تتعامل مع إيران، وفرضت قبل فترة عقوبات على شركة صينية، تواصل إيران كفاحها للبحث عن خطوط جديدة وطرق للتخفيف من حدة العقوبات".

وينوه الكاتب إلى أن "ترامب يواجه معضلة، فهناك أعضاء في داخل الحلقة المقربة منه وحلفائه في الخليج وإسرائيل من يريدون تغيير النظام في طهران، لكن الرئيس نفسه ليست لديه شهية لحرب جديدة، وراض بالحديث عن الغارة الصاروخية التي ألغاها، والسؤال هو عن المدة التي ستستمر فيها المواجهة الحالية قبل أن تنفجر إلى شيء خطير". وتورد الصحيفة نقلا عن الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، الذي شغل في منصب قائد القيادة المركزية الأمريكية، قوله في تصريحات لشبكة "سي أن بي سي": "ليس من الواضح لي ما هي سياستنا حول المشروع النووي والصواريخ الباليستية والنشاطات الخبيثة". ويختم ثارور مقاله بالقول إن "إدارة ترامب تركت الخيارات كلها مفتوحة، والرئيس راض عن نتائج الاستراتيجية الحالية، وربما يكون هذا ليس صحيحا، فإدارة ترامب تواجه عقبة في الطريق، كما تقول سوزان مالوني من معهد بروكينغز".

الخاتمة

تبدو استراتيجية أمريكا في جلب إيران، من موقع العجز واليأس، إلى طاولة المفاوضات، فاشلة، لأنّ إيران مستعدة لمفاوضات من موقع القوة، لا من الضعف، خصوصاً بعد أن راكمت عوامل قوة ونفوذ وردع خلال العقود الماضية في المنطقة، جعلها قوة إقليمية حقيقية. فعند نقطة ما بين حرب باهظة التكلفة وتغيير النظام الإيراني غير المرجح يكمن احتمال ثالث، والذي يتطلب استكشاف ترامب للدبلوماسية. فقد غير المسار مع كوريا الشمالية، وبوسعه أن يفعل الشيء نفسه مع إيران. فاستمرار المواجهة الإقليمية بين أمريكا والكيان الصهيوني والدول الخليجية الحليفة لهما من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، مردّها غياب توصل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إلى تسوية شاملة حول الأزمة السورية، باعتبارها أس الأزمات في المنطقة. عندئذ ستجد طهران مخرجاً لفك الحصار النفطي والتجاري عنها، عبر انسحابها من سورية، مقابل تخفيف الضغوط الأمريكية عليها ومبادرة باتجاه حل سياسي لأزمتها مع واشنطن، بوساطة موسكو وضمانها للانسحاب الذي سيحظى بمباركة الكيان الصهيوني بالطبع.

المراجع:

- بدرخان علي، طهران تتحدّى واشنطن سياسة حافة الهاوية تحت المجهر، المركز الكردي للدراسات 2019.

- فايننشال تايمز: هل تنجح استراتيجية إيران العين بالعين؟ لندن- عربي21- باسل درويش، الإثنين، 22 يوليو 2019.

- صحيفة الغارديان: هل تتجه بريطانيا نحو حرب كارثية مع إيران؟ الجمعة، 28 يونيو 2019.

- صحيفة واشنطن بوست: خيارات ترامب والنظام الإيراني باتت محدودة لندن - عربي21 - باسل درويش، الأربعاء، 24 يوليو 2019.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد