مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

من تداعيات الحرب فصل الجنوب عن اليمن وتصدع التحالف

توفيق المديني

 

في سيرورة هذه الحرب الأهلية التي يعيشها اليمن منذ بداية ما يسمى "الربيع العربي" سنة 2011، إضافة إلى تدخل القوى الإقليمية متمثلة بالتحالف السعودي الإماراتي منذ خمس سنوات..

يشهد اليمن واقع التقسيم من جديد، لا سيما في ضوء الصراع الخفي المندلع منذ سنة بين بين المملكة السعودية والإمارات في جنوب اليمن، والذي استفاد منه المجلس الانتقالي الجنوبي وكيل دولة الإمارات في اليمن، ليقود انقلاباً جديداً على الحكومة اليمنية، ويسيطر على مقراتها السياسية والعسكرية في مدينة عدن خلال الأسبوع الماضي، رافضاً دعوة المملكة السعودية إلى الانسحاب وإن قبل بدعوتها إلى الحوار وبوقف إطلاق النار في عدن (بعدما سيطر على المدينة بأكملها).

انقلاب عدن وتصدع التحالف بين السعوديين والإماراتيين

يكشف سقوط عدن بيد الانفصاليين الجنوبيين وسيطرتهم على القواعد العسكرية التابعة للحكومة اليمنية، عقب القتال الذي تزامن مع احتفالات عيد الأضحى، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً، وجرح 260 آخرين حسب تقديرات الأمم المتحدة، عن بداية انهيار التحالف بين المملكة السعودية ودولة الإمارات. فالتحالف الذي تقوده كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في اليمن منذ شهر آذار/ مارس سنة 2015، يدعم رسمياً الحكومة اليمنية التي يترأسها عبد ربه منصور هادي، الذي يقيم في السعودية، ويخوض الحرب ضد المتمردين الشيعة المتحالفين مع إيران، الذين يعرفون باسم الحوثيين؛ لاستعادة مكانة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، ومنع طهران من توسيع نفوذها الإقليمي، حسب الخطاب السياسي السعودي والإماراتي.

الانفصاليون الجنوبيون المنضوون في إطار ما يسمى "المجلس الانتقالي الجنوبي" يتلقون دعماً مالياً وعسكرياً من دولة الإمارات، وكانوا جزءاً من الائتلاف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين، لكنهم معارضون لحكومة الرئيس هادي منصور، وقد خاضوا منذ عدة أيام اشتباكات عنيفة وحرب عصابات ضد القوى اليمنية الموالية للمملكة السعودية.

 ويرى مراقبون أنّ ما يحصل هو مؤامرة سعودية إماراتية حضرت ليتسنى لهم فصل الجنوب اليمني عن الشمال ولكن بصورة درامية لا تُظهر أنّ للنظام السعودي دوراً في المشهد خصوصاً أنّه يدعي أن الحرب المجرمة التي شنّها على اليمن لإعادة ما يسمى "الشرعية" والحفاظ على وحدة اليمن، بينما ما يعكسه الواقع الميداني دليل على المخططات الاستعمارية التي يتوهم تحالف العدوان تحقيقها على الأراضي اليمنية.

في الواقع السياسي، تُعَدُّ سيطرة "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الانفصالي المدعوم إماراتياُ، على مدينة عدن جنوبي اليمن، مسماراً جديداً في نعش الشرعية اليمنية وضربة موجعة، للحكومة والقيادة التي فقدت في العام 2014 السيطرة على العاصمة صنعاء، لتلحق بها عدن، ثاني أهم مدن البلاد التي تُوصف بـ "العاصمة المؤقتة"، ليغدو الواقع السياسي اليمني بين سلطتي أمر واقع مركزيتين تمثّلان صنعاء وعدن، فيما يتبقى للشرعية والسلطات المحلية الموالية لها، العواصم الثانوية، وأبرزها محافظة مأرب إلى جانب أجزاء من حضرموت وغيرها، لكنها تبدو الحلقة الأضعف على الأرض.

وإلى ما قبل سقوط عدن، كانت الشرعية اليمنية، تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ، على الدعم الخارجي، إذ إنَّ الضربة الأولى التي لا تقارن بأي تحولٍ آخر، كانت فقدان السيطرة على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 التي ما تزال تحت سيطرة الحوثيين يمارسون فيها سلطاتهم إلى جانب سيطرتهم على أغلب المحافظات الشمالية والجنوبية الغربية والوسطى، وجميعها تمثل مركزًا للثقل السكاني حيث يعيش الغالبية من اليمنيين، فضلاً عن كونها تضم البنية التحتية للدولة ومؤسساتها.

من الواضح بشكل متزايد أنّ ما يحصل في عدن هو نتاج طبيعي للاختلافات بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين لا تتشاركان في الأهداف النهائية نفسها في اليمن، على الرغم من أنهما تمتلكان الهدف الاستراتيجي الرئيسي نفسه، المتمثل في دحر النفوذ الإيراني حسب وجهة نظرهما. وفيما ترى المملكة السعودية أنّ ما يسمى "حزب التجمع الوطني للإصلاح " القريب من الإخوان المسلمين هو المفوض بالشأن اليمني بحكم ولائه المطلق للرياض، وتستخدمه في حربها ضد المقاومة اليمنية، ويمتلك دوراً حيوياً في عملية إعادة إعمار اليمن، تُعَارِضُ الإمارات العربية المتحدة تَقَلُّدِ هذا الحزب أي دور مهم في المشهد السياسي اليمني، بسبب علاقته بالإخوان المسلمين، الحركة التي تعتبرها القيادة الإماراتية تهديدا داخليا وقوة متطرفة في العالم العربي.

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 12 أغسطس/آب 2019، تقريراً عن سيطرة الانفصاليين الجنوبيين على ميناء عدن، وكيف كشف عن صدع في التحالف السعودي الإماراتي. وينوه التقرير إلى أنّ الخلافات بدأت في الظهور منذ 18 شهرا بين الانفصاليين الجنوبيين الذين تدعمهم الإمارات، والحكومة الشرعية التي تدعمها السعودية، فيريد الانفصاليون استقلال الجنوب عن الشمال، بعد وحدة بين الشقين دامت عقدين، ويرفض الانفصاليون مع الإمارات تحالف حكومة هادي مع حزب الإصلاح.

ويذكر التقرير أن المعارك بدأت في عدن بعدما قتل صاروخ على مسيرة عسكرية للانفصاليين عددًا من الجنود الأسبوع الماضي، وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم، إلا أن الانفصاليين اتهموا الإصلاح بالقيام بدور في الهجوم. وتجد الصحيفة أن المعارك كانت أكبر ضربة لطموحات السعودية بإعادة الحكومة الشرعية، خاصة أن عدن ظلت عاصمة مؤقتة لها بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، مشيرة إلى قول الحكومة السعودية إنّ هذه المعارك تُعَدُّ حرفًا عن الحملة ضد الحوثيين، فيما قالت وزارة الخارجية السعودية إنّها دعت الحكومة اليمنية والأطراف المشاركة في القتال كلها إلى اجتماع عاجل في السعودية لمناقشة الخلافات.

لا شك أنّ الصراع الدائر في عدن الآن يفيد المنظمات الإرهابية مثل تنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش"، الأمر الذي لا توافق عليه السعودية، فتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة يستفيدان من الفراغ الأمني في اليمن، الأمر الذي مهد الطريق لشن تنظيم القاعدة في الأسبوع الأول من آب/ أغسطس سبع عمليات عسكرية، استهدف فيها القوات الموالية للإمارات، أما تنظيم الدولة فشن هجومين في عدن، وهما أول عمليتين يقوم بهما منذ عام.

لم تشهد الدولة الإماراتية من قبل حملات واتهامات بقدر ما شهدته عام 2018، إذ تعددت التقارير الاقتصادية والأممية والإعلامية حول استغلال شخصيات وجهات النظام الاقتصادي والمالي في الإمارات في عمليات مشبوهة من غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال الضريبي. وأكد تقرير صادر عن مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة في واشنطن، أن مستفيدين من الحروب وممولي الإرهاب ومهربي مخدرات فرضت عليهم واشنطن عقوبات استخدموا سوق العقارات في دبي خلال السنوات القليلة الماضية ملاذا لتبييض أموالهم.

طرح انفصال جنوب اليمن سيشعل حرباً أهلية جديدة

يرى المحللون الملمون بالشأن اليمني أنّ المجلس الانتقالي الموالي للإمارات يستغل "القضية الجنوبية" للتخلص من معارضيه، ويعمل على تكريس التقسيم الكامل لليمن، الأمر الذي أثار مخاوف السياسيين اليمنيين من انتقال عدوى الانفصال والتقسيم إلى مناطق يمنية أخرى، على غرار حضرموت، التي تخشى نخب يمنية عدّة أنْ تكون الواجهة المقبلة لمحاولة زعزعة الاستقرار فيها، أخذًا بالاعتبار أهميتها نظرًا لكونها الأغنى بالثروات في اليمن ككل وليس بين المحافظات الجنوبية فحسب، فضلاً عن أن مساحتها تشكل نحو 36 في المائة من مساحة اليمن.

يقول مسؤول رفيع في محافظة حضرموت، تحدث مع صحيفة "العربي الجديد"(تاريخ 13أغسطس/آب 2019)، لكنّه فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسية المرحلة، إنّ "الأحداث في عدن دفعت بالجنوب نحو الهاوية وجنون قد لا تكون محاولات احتواءه سهلة، لا سيما أن المتطرفين هم من يتحكمون بالمشهد، ووصل بهم الأمر إلى مواجهة التحالف لا سيما السعودية، وتعريض الوضع في الجنوب لاندلاع حرب أخرى في الجنوب". لذلك يقول المسؤول نفسه، الذي يميل إلى دعاة "حضرموت الدولة" (أي الذين ينادون بأن تكون حضرموت دولة مستقلة)، إنهم في حضرموت يعملون على عدم انتقال أحداث عدن إلى المحافظة ورفض إعطاء من بسطوا سيطرتهم على العاصمة المؤقتة فرصة للتحكم في حضرموت. وهذا الرأي، وفقاً له، "يحظى بشبه إجماع لدى الشارع الحضرمي خوفاً من تكرار ما تعرض له الحضارم قبل الوحدة (من تهجير وإقصاء من مراكز القرار وتأميم ممتلكاتهم)، خصوصاً أن المعطيات تشير إلى أن الوجوه والعقليات نفسها تعود من جديد"، على حدِّ وصفه.

ووسط تعدد الآراء إزاء التطورات، يرى كثر أنَّ المشهد المقبل في الجنوب قاتمٌ لأنَّ الإمارات وحلفاءها فتحوا أبواب الصراع على مصراعيه ودفعوا بالمشهد الجنوبي إلى الانفجار وتمزيق النسيج الاجتماعي تحت ذرائع شتى، متجاوزين كل محاولات الجنوبيين لتخطي سلبيات الماضي وتداعياته التي لا تزال عالقة في أذهانهم. ويعتبر مصدر سياسي في الحراك الجنوبي من جناح مؤتمر القاهرة (من أبرز قياداته رئيس الوزراء السابق حيدر أبو بكر العطاس والرئيس السابق علي ناصر محمد)، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المشاهد الأولية لمستقبل الجنوب وقضيته مخيفة، فقد أفرزت التطورات تمترساً مناطقياً، ومن شأن ذلك أن يحد في الفترة المقبلة من أي محاولات للتقارب أو حوارات تخص "القضية الجنوبية"، وهذا ما بدأت أطراف وقيادات جنوبية تؤمن به، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن سلبيات الماضي التي تم العمل على تخطيها من خلال مشاريع التصالح والتسامح، أطلت برأسها من جديد.

جدلية الحرب الأهلية والوحدة في اليمن

ليست المرة الأولى التي يشهد فيها اليمن حرباً أهلية، فقد سبقت هذه الحرب حرباً أهلية شرسة ـ بعد وفاة الإمام أحمد في 18 سبتمبر/أيلول 1962، وإعلان تنصيب ابنه محمد البدر إماماً بعدهـ بين الملكين والجمهوريين. وقد كانت الحرب سجالاً بين الفريقين، وسلسلة من المناوشات، فتارة ينقلب الملكيون وأخرى الجمهوريون تبعاً للدعم المقدم لهذا الفريق اليمني أو ذاك من جانب القوى الإقليمية التي كانت تخوض الحرب بالوكالة على أرض اليمن.

قد يعتبر المرء أن التاريخ خلّف عواقب وخيمة على القائد الأعلى الذي يواجه مشاكل عدة. فالجزء الجنوبي يطالب مجدداً بالانفصال حتى يؤسس دولته المستقلة الخاصة بقيادة علي سالم البيض، الذي سبق أن كان رئيساً لليمن الجنوبي. وتمارس حركة النضال السلمي في الجنوب الضغوط من أجل الانفصال، غير أن هذه الحركة ليست سلمية كما يشير اسمها. ويبدو أن الشطر الجنوبي يتسلّح في إطار الاستعداد لمواجهة جديدة. وقد شهد منذ سنوات عدداً من التظاهرات العنيفة ضد الحكومة في صنعاء وعمدت السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة وعنيفة في معرض الرد على ذلك.

وعلى الرغم من أن الشعب اليمني في كلا الشطرين الشمالي والجنوبي يتمتع بوحدة ثقافية، واجتماعية واحدة منذ العصور القديمة، حيث أن وحدة الشعب واللغة والتاريخ والنسل (من قحطان) والفولكلور تشكل معطى أساسي ثابت تبلور في التاريخ اليمني، إلا أن البنية القبلية الموجودة في المجتمع اليمني، التي ليست البداوة حصراً، بقدر ما هي قائمة على انغراس "الروح العشائرية" في القرى والمدينة التي تخشى تحول اليمن إلى بناء الديموقراطية والمجتمع المدني الحديث، فضلاً عن دعم القوى الإقليمية للمعارضات المعادية للوحدة في الشمال، والحكم اليساري في الجنوب، لخشيتها من استقلالية القرار اليمني، يشكلان عقبات حقيقية أمام قضية الوحدة اليمنية، الذي إذا ما توافر لها الاستقلال الاقتصادي بفضل عامل النفط، الذي يعني في الوقت عينه الاستقلال السياسي، فإنها قادرة أن تتحول إلى قوة رئيسية كبرى تهز التوازنات الاستراتيجية الإقليمية والدولية في الجزيرة العربية.

وحين اتخذت حكومتا الشطرين الشمالي والجنوبي قراراً بتحقيق الوحدة الاندماجية مع مطلع التسعينيات، باعتبار أن إعادة الوحدة اليمنية كانت ولا تزال قضية حية لدى الشعب اليمني، حظيت هذه الوحدة بتأييد الأحزاب والحركات السياسية العربية على اختلاف مشاربها الفكرية. ففي ظل الحصار الذي يعاني منه الوطن العربي بالضغط الإمبريالي الاقتصادي السياسي والعسكري والتقني والثقافي من جهة، وبالتأخر التاريخي للشعب العربي من جهة أُخرى، اعتبرت الوحدة اليمنية ـ رغم ما تحمله من تناقضات وتعارضات الواقع اليمني ـ رافعة نهوض اقتصادية وسياسي مهمة، قوامها توظيف إمكانات البلاد في الشمال والجنوب معاً عبر زيادة صادرات النفط، وتوحيد رساميل المهاجرين اليمنيين الكبيرة، المتعقلين شديد التعلق ببلدهم، لتحقيق التكامل الاقتصادي والتطور المستقل الاقتصادي والسياسي لليمن، والخروج من بوتقة التخلف والتبعية. ففي اليمن هناك بقاع متخلفة تبدو وكأنها خارج سياق التاريخ العربي والعالمي الحديث، وبقاع أكثر تقدماً من الجميع، ولكن هذا التطور اللا متكافئ الاقتصادي والاجتماعي على صعيد وجود مراكز مدينية متقدمة، تليها مراكز ريفية وقبلية متخلفة، الخاضع بدوره لقانون مطلق للتطور التاريخي على الصعيد العالمي، وداخل كل قطر عربي، لم يمنع من بناء الوحدة أي اتحاد الشمال والجنوب. لأن الذي يحكم عملية الوحدة كلها، ليس التفاوت في النمط الاقتصادي والحضاري بين عدن المركز المتقدم المتسم بسيادة المظاهر "الليبرالية"، وتوقها "للعصرنة" في حين أنها ليست الجنوب كله، والشمال الذي تسود فيه الإيديولوجية التقليدية، وإنما المطامح والمصالح البعيدة المدى لمختلف فئات الشعب اليمني، ما الذي يمنع المجتمع اليمني أن يتطور في الاتجاه الذي سار في المجتمع السوري على سبيل المثال. فالنزعة التقليدية "القبلية" والنزعة الليبرالية تتعايشان معاً، وتتقاسمان اليمن كله بشماله وجنوبه، وحتى الأحزاب السياسية الرئيسية الثلاثة "المؤتمر" و"الاشتراكي" و"الإصلاح"، بصرف النظر عن أيديولوجياتها، وأساليب عملها، تعتبر صيغة متوسطة بين الحزب الحديث والتجمع القبلي، "وتشكل نوعاً من التوازن على الصعيد الداخلي"، إذ أن هناك تعارضاً بين وعيها الذاتي، وبين حقيقتها الواقعية، التي لا تعكس البنية السياسية الفوقية الحديثة.

ليس من شك أن الفئات الحاكمة في اليمن المتمسكة بقضية الوحدة لم تستطع من خلال تجربتها في السلطة أن تكون قيادة ديموقراطية، وذلك بسبب احتكارها مصادر القوة والسلطة في المجتمع اليمني. ولذلك حين قامت دولة الوحدة لم تنتهج سياسة حديثة، باعتبارها الوحيدة التي يمكن أن تنجز عملاً وحدوياً تاريخياً ينقض أو يوقف هذه السيرورة التقهقرية في فشل المشاريع الوحدوية العربية، التي انخرط فيها أكثر من قطر عربي.

فلا إمكانية إنجاز الوحدة بدون طرح برنامج تغيير ديموقراطي شامل، وبدون أن تتبنى القوى المدافعة عن الوحدة قيم وتقاليد ديموقراطية، في سبيل تحقيق الاتساق المنطقي والضروري بين حركة الوحدة وحركة الواقع اليمني وحاجات تغييره راديكالياً. وكانت العقبة الأولى التي عرقلت عملية بناء الوحدة السياسية بين شطري اليمن ـ على الرغم من وجود وحدة دستورية قائمة ومتمثلة وشرعية دستورية ـ هي غياب الوحدة السياسية. ففي واقع اليمن المتأخر تاريخياً، والذي يعاني نقصاً في الاندماج القومي بسبب هيمنة البنية القبلية، والانقسامات الفئوية العمودية، والإيديولوجيا التقليدية و"الاشتراكية" التي تقنع بالطبع مصالح فئات وشرائح تتعارض مصالحها مع مشروع الوحدة، لا يكفي على السلطة الحاكمة أن تطرح شعار الوحدة اليمنية كنفي سلبي رافض للتجزئة السياسية، بل إن الأمر يتطلب حل معضلة الانصهار القومي، باعتباره قاعدة أساسية للبناء القومي الديموقراطي والوحدوي، وشرطاً لازماً وضرورياً للممارسة الديموقراطية.

وإذا كان الواقع اليمني كما أسلفنا في الحديث عنه في البداية يشكل عامل وحدة، إلا أن النسيج المجتمعي اليمني ما يزال نسيجاً تقليدياً وقبلياً يفرز انقسامات تقليدية وقبلية، ويغرق الشعب اليمني في ولاءات محلية أو طائفية، تخنق نمو المظاهر الحديثة "الليبرالية" و"التقدمية" أو شبه الحديثة في المجتمع اليمني، وتحول دون تبلور طبقة سياسية موحدة متجانسة تمارس سلطتها ونفوذها في سبيل الدفاع عن مشروع الوحدة.

إن العالم يسير نحو التوحيد، ويشهد الآن ثورة التكتلات الاقتصادية العملاقة، والثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة، وازدياد هيمنة الاحتكارات والشركات المتعددة الجنسية، وتحول الامبريالية إلى قوة عالمية أقوى من أي وقت سبق تمارس الهيمنة على عالم الجنوب، ولا تستهدف التعامل مع المنطقة العربية كوحدة واحدة، بقدر ما تستهدف التعامل معها وفق نمط جديد من التجزئة، ولا تتعامل مع الوطن العربي في وضعه الراهن فقط، بل على العكس من ذلك، إن كل سياساتها تشير وتنظر إلى العرب على أنهم أمة واحدة برسم التوحيد والتقدم والنهوض. وهي معنية بحكم مصالحها الحيوية أن تعيق هذا المشروع الوحدوي، سواء في اليمن أو غيره، وتجهز على احتمالاته، ومقوماته، بأساليب مختلفة، وأدوات كثيرة، منها السلطات الاستبدادية، والقطرية العربية، والتذرع بالخصوصيات الأقلوية والمذهبية...إلخ.

إن للوحدة حركتها السياسية الواحدة، التي تعبر عن نزوعها إلى التحرر والتقدم، والحركة السياسية الواحدة لا تعني هيمنة الأكثرية على الأقلية، ولا هيمنة الحزب الواحد، ولا القائد الواحد، ولا الفكر الواحد، بل كل الحركة السياسية بمختلف تنظيماتها وأحزابها، واتحاداتها ونقاباتها. وللوحدة حركتها السياسية الواحدة، وداخل هذه الحركة الواحدة، هناك تناقضات، وصراعات، و"تناحرات"، وخصوصيات، وهناك اتجاهات سياسية مختلفة، وهناك نمو اقتصادي متفاوت، وتطور اجتماعي مختلف، وتناقضات مناطقية وطبقية متباينة، ولكنها كلها ضمن حركة الوحدة لا خارجها.

يبدو أيضاً أن الصراع بين السعودية وإيران دفع الأخيرة إلى تصعيد الملف اليمني لاستنزاف السعودية به، خصوصاً مع حرص الرياض على احتواء النفوذ الإيراني باليمن، ووقف تهريب السلاح للحوثيين، ما دفع المملكة إلى شن غارات جوية ضد الحوثيين وتشكيل تحالف إقليمي لا يزال يقود منذ ما يزيد على أربعة أعوام حملة شرسة ضد الحوثيين المدعومين من إيران. إلا أن محصلة هذه الأعوام لم تكن بأي حال باتجاه احتمالية حسم الوضع المأساوي في هذا البلد بقدر ما حولته إلى مستنقع يمكن توقع أن تزداد معه مخاطر اتجاه السعودية وإيران إلى سيناريو تصعيدي إقليمي فيما بعد، أي تسوية الأزمة السورية.

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد