مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

إلى صديقي الشاعر.. "لكلِّ هذا أنا أفكِّر بألم"

غسان عبد الله

ثلاثة وعشرون يوماً لم أغتب فيها أحداً. ولا أحد؛ إلا إنْ كان الحديث عما يحدث شكلاً من أشكال الغيبة، لكن تخيل لو كان العالم كله يعتمد في معرفة ما يحدث بينه وبين عالم آخر عن طريق تأمل خطوط باطن الكف أو استقراء النجوم! هل كان سينجح؟ هل كنا سنصدِّق ما فهمناه؟ نحن حتى عندما نقصُّ لبعضنا أشياء نخاف أننا لم نقُلها مجردة من اعتمالات أنفسنا التي تسيِّر دفة الرأي والحكم ومجموعة المشاعر تجاه الناس بعد ذلك.

صديقي العزيز.. لا أريدك أن تثق بي أكثر مما أحتاج. على الأقل ليس الآن، أحب في هذه المرحلة أن تتأكد بنفسك ممَّ أقصَّهُ عليك لكي أستطيع في وقتٍ لاحقٍ أن أقول ما أقول وتحكم على الأحداث بعد كلامي مباشرة. ستكون ثغرة الاحتمالات والظنون قد تحولت إلى عروةِ ثقةٍ وثقى. في الحقيقة عندما قلت لي عن أعذار صديقِكَ لعدَمِ تعزيتكَ بوالدتِك صدقتك فوراً ولم أخشَ حتى من نكهة البهارات على الكلام. ليس أنني لم أتأكد من كلامك عن صديقكَ لأنني كسولٌ أو تنقصني أفكار لحيل كثيرة. إنما لم أفعل، لأنني جعلتك تعرف أنني منطقة آمنة تستطيع رمي أخطائك فيها دون وَجَلٍ من نبذٍ أو استياء. جعلتك تطمئن أن لا سبب على الإطلاق يحوجك إلى الكذب معي. ما يُرهقني هو أنني لا أستطيع أن أكون بهذا الوضوح معك إلا عندما يكون الكلام عن قصة أحدهم معي. لأنني عندما أخبرك، لا أبغي تفريغاً للكلام أو فضفضة ولا هي حاجة لأن تنصت إلى ثرثرة عن أشياء تحدث يومياً مع كل الناس بلا استثناء. أحكي لك لأنني أريد رأياً واضحاً، ملمَّاً، عادلاً، جاداً، صادقاً، حنوناً وإن قسى، مُريحاً وإن جرَح. مختصراً وإن طال. ثمَّ أنني لا أمل من كلامك أصلاً. عندما تتحدث أنسَى عمَّ كنتُ أتكلم وأتلذّذُ بطريقتِكَ في التحليلِ والتنظير وطرحِ الأسئلة ولزماتك الفاصلة بين كل جملة وضحكاتك التي تمنح الجو شكل حفلة.. ضحكاتك التي تطيِّر فوق رأسي الغاضب بالونات وشرائط زينة.. عندما تصل إلى نقطة الحُكْمِ على ما حدث، أشعر أنني أتحدث مع فيلسوفٍ وفي نوعية أخرى من الأحداث إن كانت دينية، أشعر أن كلامَكَ كتابٌ جامعٌ للأحاديث.

أنتَ تتشكك كثيراً، لهذا لم أتعجب عندما عرفتُ أنك في معظم أيام شهر رمضان المبارك كنت تقوم الليل وتصلي ركعات لا معدودة حتى يهدك التعب وتغفو على سجادتك. أنت وجوديٌ بطريقتك، عرفتَ كيف تنمي عزلتك وتبرهن عن احتمالاتك المتخلِّقة عن وجودك من خلال معاصيك.

أنت تنطلق إلى كل شيء.. من ذاتك.. قوّتك في تبديد الماضي بعد امتصاص مخلفاته وإيداع ذكرياته الجميلة في مخبأ لا يتمرد إلا بأمرك.. قدرتك على التفكير انطلاقاً من أنك "الآن هنا". وصبرك القوي على مللي المريض بالمزيد من الملل والمزيد من العجلة والمزيد من الشك حتى عندما أؤكد أنني أصدقك تماماً.. هل أكون يوماً مثلك يا صديقي؟ هل أكون بعضَكَ؟.. أن أكون عدة احتمالات في احتمال واحد مثلاً؟ سوء فهم مثل هذا العالَم كله الذي خمَّن أحدُهُم ما إذا كان كلُّ شيءٍ فيه عكسَ المفهوم منه؟.

أذكرُ مرةً عندما مازَحْتَني بوجهةِ نظرِ أحدِهم عن الشعرِ والشعراءِ، شعرتُ أنكَ حزنْتَ لمَّا قلت لك "اسمكَ ليس ذنبكَ، لأنه ليس فعلاً قمتَ به أنتَ بنفسك". لمَ حزنت يومها؟!..

أتذكّر أنني كنت متعجِّلاً للخروجِ إلى مكان ما، لهذا لم اسألْكَ لكنَّ نظرة الحزن في عينيكَ لم تفُتني. هل شعرتَ أنني جرحتُكَ يا صديق؟ في الحقيقة ستكون أحمقاً لو ظننت هذا.

لم أكن شاعراً أبداً. حتى تلك التجارب لم أعد أؤمن بها ولا أحب أن يطلعني عليها أحد.. كسبتُ غنيمةً واحدة من الفترة التجريبية لكتابة الشعر، هي تعرُّفي على شاعرٍ لبنانيٍّ مغمور. توحُّشُ هذا العالَم هو الذي جعلَ من هذا (الأسطورة برأيي) مجرد شاعر!. إنه يستحقّ نفس شهرة درويش والنوَّاب بل والسيَّاب أيضاً. لكنَّ ذنبه أن شعره ازدهر في زمن جيل الهامبرغر والموكا وباقي قائمة الفاست فود، الفاست لايف. لا أحد الآن يحب التفكير عندما يقرأ أدباً. يريدونه قصص أطفال فقط. وأنا أحب قصص الأطفال وأحترمها، لكن للكبار أهميتهم أيضاً!.

ليس الشاعر فحسب هو رجل غير سعيد. الفنان أيضاً، أشعر أن عذاباته سطت على فؤاده وعقله حتى شذت به عن الطبيعة ومالت به إلى حافة الجنون.. هذا مع ذخيرة جيدة من التفاؤل، لكنَّ بعضَهم كانوا قد جنُّوا حقاً؛ لهذا يرسم بعض الفنانين لوحات غريبة تقول ما يشعر به الناس المترفين حساً وأفكاراً لكنهم لم يعرفوا كيف ينقلوا الصورة إلى العالَم كما فعل الفنان.

لم أشجِّع الشعراء كثيراً.. أخشى أن أحرّضَهم على التوغل في عذاباتهم والانسياق خلف المزيد من الحسرات التي حصلت والتي يوسوسون بها حتى تحصل!..

عندما أنجح في الجنوح عن النميمة البشرية، فإنَّ هذا لا يكون بطريقةٍ بريئة ونقية. لا تطويني في سِفْرِ المتّقينَ يا صديقي. أنا أتحاشى أكْلَ لحمِ البشر عن سفاهَتِهم إما معي أو مع أشياء براقةٍ أشاهدُ كيف يقومونَ بتشويهِها والتدليسِ على الناس لإبعادِهم عنها وجَذْبِهم نحو بِضاعَتِهم المغشوشة، فإنَّ هذا لا يكون إلا لأنني في تلك اللحظة رأيتهم جزءً من عدم، جزيئاً من جزء من اللا شيء. حتى أن الواحد منهم لا يرتقي لحظتها لأن يكون كينونةً كاملة من اللا شيء. صغائر، صغائر قَدْرَ ما يصلُ إليها عقلُك من قياس. صغائر أحقر من حشرةٍ لها دورُها الخِدْمي للبيئة مهما توحّشَتْ أو جَهِلَ الإنسانُ كيف يعامِلُها إما ليستطيع القضاءَ عليها أو التعايشَ معها في سلام. صغائر حدَّ أنَّ الأكلَ في لحمِها أو الضربَ فيها لا يعودُ ذا جدوى لأنها ليست كينونةً من "شيء" قابل لتغطية عريَّه بطبقة من لحم ولا هي جزيء من جزء من جسد حي ليكون ضربه "بالكلام" حياً ذا أثر يُذكر أو حتى ليكون ضربه "بالكلام" ميتاً حُرمة نؤثم عليها. إنها لحظةُ خيلاءٍ أخضِّبها برغوةِ الغيمِ يا صديقي، لا يعلمون، لكنني أعلم.. ألجأ إلى خطيئةٍ في عُرفِ الناس لأقي نفسيَ التواضعَ مع الوضيعين. لكنني أعرفُ في قُرارةِ نفسي أنَّ الله يفهمُني وأنني في منأى عن المؤاخذةِ وعتَبِ الجندي الذي يتأبطُ دفتر التدوين على يساري. وأنا عندما أصلُ إلى لحظةِ الطمأنينةِ بعِلم الله عن مطايا سريرتي.. أنامُ ملءَ عيني عن شواردها.

أحتاجُ أن تحدّثني كثيراً عن العذوبة يا صديقي. عن كيف نستطيع الابتسام دون أن نستودع في القلب غصة؛ دون أن نُهمل في العقل شكاً من فعلٍ لونه مبهم ما بين الطيف والآحاد. جدول الألوان لم يفشِ سراً عن شيطان يسكن في أحدها ينبغي الحذر قبل استخدامه في رسم خطط الحياة باحترافية قصوى، والاحترافية ها هنا هي أن تصيب أهدافك دون إحداث الجروح، لا بمعرفة الخَلق ولا بيننا.. وبيننا. ما العذوبة يا صديقي؟ هل هي الطريقة التي تفلسف بها آثامك حتى تتحول إلى فَراش ملون يغمُر القلب بتميمة "إن الله غفور رحيم"؟ هل هي إقناع العالَم بفكرة نصورها في قلوبهم مثل رحيق الياسمين؟! خَلني بليداً في علم النبات، لست أكيداً من أن للياسمين رحيقاً. لكن عندَ الحديثِ عن العذوبةِ، يحدُثُ أن يُزهِرَ الخيالُ ويحوِّلَ الطقسَ إلى ربيع ـ هذا إن لم يخالِجْهُ الفرحُ يتحوّل كلُّ شيءٍ إلى جنةٍ ـ وهذا لا يعرفه أتباعُ الواقعيةِ، فهم يسمُّون صفاتٍ مثلَ العذوبةِ والشفافيةِ والطِّيبةِ.. مثاليةً مستهلَكَةً وثقلَ دم!.

أيا صديقي، إنني كالأطفال.. أريدُ الانطلاق في الزلّلِ كما يفعلُ الناسُ جميعُهُم حتى أولئكَ الذين يدَّعونَ التُّقى والتديُّنَ لكنني كالأطفالِ المهدَّدِينَ من آبائهم بعقوباتٍ موجعةٍ إن لم يطيعوا الكلام. صديقي، لكل هذا أنا أفكِّر بألم.

 

إخترنا لكم من العدد