مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

الإمام الحسين(ع).. رحلةٌ نحو الله(*)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأخيار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

في كل سنة نجتمع في رحاب ذكرى أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ودائماً نحاول أن يكون لهذا الحضور نفس الهدف الذي أراده منا الإمام الحسين (ع)، الإمام الحسين (ع) لم تكن ثورته محصورة بزمان ومكان، وإنما كان يؤسس لنهج يستمر على مدى الزمان والمكان، هذا النهج هو نهج محاربة الظلم والكفر والطغيان، نهج الإسلام على حقيقته ولذلك كل ما نفعله اليوم إنما هو تلبية للنداء الذي أطلقه الإمام الحسين يوم العاشر من محرم " ألا من ناصر ينصرني، ألا من ذاب يذب عني" فبالتالي نحن اليوم عندما نجتمع نريد أن نقول للإمام الحسين نحن على استعداد تام لنصرتك، وأهم طريق للنصرة هو فهم الأهداف التي من اجلها خرج الإمام الحسين والبواعث التي أدت لانطلاق ثورة الإمام الحسين(ع).

ما أريد أن أتحدث به اليوم كدرس وعبرة من هذه الثورة هو ما هي الأسباب التي دعت من ترك الإمام الحسين(ع) ولم ينصره لعدم نصرته، وهذا الأمر مهم لأننا نريد أن نعرف لو أننا ابتلينا بهذا البلاء هل نفعل نفس الفعل؟ أنقوم بنفس العمل؟ كلنا يعرف أن الإمام الحسين(ع) عندما انطلق من المدينة المنورة باتجاه مكة وعندما قفل راجعاً باتجاه كربلاء لم يكن الذين خرجوا معه هم أولئك الذين بقوا واستشهدوا معه بل لكانت الأعداد غفيرة وكثيرة وكل واحد منهم كان يمني النفس بأن الإمام الحسين(ع) قد بايعه أهل الكوفة وسيذهب إلى الكوفة ليؤسس دولة وهذه الدولة من الطبيعي سيكون فيها مناصب وسيكون فيها مراتب، فمنهم من سيصبح وزيراً ومنهم من سيصبح أميراً ومنهم من سيصبح قائد جند، أي أن كل واحد منهم طامع بالمكاسب الدنيوية التي سيحصل عليها.

في الطريق جاءت الأخبار بأن أهل الكوفة نكثوا بالبيعة وتركوا الإمام الحسين (ع) وبتعبير العامية "ناموا وأفاقوا فوجدوا ثلاثة أرباع الذين معه قد ولّوا" ذهبوا في الصحراء، تركوا الإمام الحسين (ع)، الإمام أراد أن يُبيّن ما هي الدواعي التي أدت بهذا الجمع أن يتركه مع أنه خرج في البداية معه، وما الذي أدى بأولئك الذين أرسلوا تلك الكُتب لمبايعته أيضاً ليتركوا بيعته ويذهبوا مع ابن زياد، وقف خطيباً وخطب بالتالي: وخَطَبَ الإمام صغيرة ليس مثلنا نبقى لمدة ساعة كي نبين المَطّلَب هو بكلمتين يبين المَطّلَب، فبعد أن أثنى على الله وحمد قال:" عباد الله، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، وأعلموا إنّ الدنيا لَو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد لكانت للأنبياء أولى بالبقاء وأحقّ بالرضا، غير أنّ الله خلق الدنيا للبلاء وأهلها للفناء، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلّكم تفلحون".

حصر أسباب تركه بكلمتين" عدم تقوى الله، وحب الدنيا"، فهو لا يخاف من الله ومتعلقٌ بهذه الدنيا، ماذا قال لهم: (عباد الله، اتقوا الله) لأن إذا وجدت ملكة التقوى في الإنسان يستحيل أن يضيع هذا الإنسان أو أن يشت عن الطريق، هذه التقوى التي قيل عنها عند الفقهاء بأنها ملكة باعثة على الالتزام بالتعاليم والتكاليف وترك النواهي، هذه الملكة تحجزك عن فعل ما هو مغضب لله وما هو منهي عنه من الله، ولذلك تجدون بالتعابير "رأس الحكمة مخافة الله" و "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، الحكمة كلها تنالها بمخافة الله عز وجل. أما حب الدنيا الذي سيتكلم عنه الإمام الحسين(ع) فهو رأس كل خطيئة، ماذا قال لهم؟ واعلموا أنها لو بقيت لأحد، الله عز وجل لو أراد لهذه الدنيا أن يُخَلدَ أهلها، أنها لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد لمن كانت أولى بالبقاء؟ لكانت للأنبياء، أولى بالبقاء وأحق بالرضا، والله عز وجل حتى الأنبياء أماتهم وقال كلمة واضحة "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ". المشكلة التي عندنا نحن ما هي؟ أننا للحظة ما نتصور أن لدينا وقت نستطيع معه أن نرتكب المحرم ثم بعد ذلك نتوب، من قال لك أنه بعد ذلك التوبة مضمونة؟! ومن قال لك بأنك ستصل إلى "بعد ذلك"؟!!.

الإمام الحسين يقول إنها لو بقيت هذه الدنيا لأحد أو بقي عليها أحد لكانت للأنبياء أولى بالبقاء بل وأحق بالرضا، غير أن الله خلق الدنيا للفناء وأهلها للبلاء، الله عز وجل يقول لك "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"، أنتم جميعكم سوف تموتون، هل رأيتم أحداً بقي؟ عمّر؟ شرَّش؟ لم يبقَ أحد، كلنا سنموت مهما عمّرنا، كم سنعمر؟ خمسون؟ سبعون؟ ثمانون؟. هناك حديث وارد يقول بأن النبي عيسى(ع) كان يطوف بالبلدان وقيل بأن سبب تسميته بالمسيح أنه كان يسوح بين القرى والبلاد، فوصل إلى كهف ووجد فيه رجل يتعبد وعمره بحدود الـ 300 سنة في ذلك الوقت كانوا يعيشون لهذه المدة، فسأله لما أنت منقطع عن الناس؟ عن الدنيا؟ فأجابه: إن الناس في عصرنا هذا يعيشون ثلاثمائة عام وأنا عشت منهم مائتي عام، وأنا الآن في المائة الأخيرة أحببت أن أتفرغ لعبادة الله. قال له "كيف بك لو أدركت أمة أخي أحمد حيث لا يعيش الرجل سبعين عاماً". قال له: "والله لو أدركت ذلك الزمان لأخذته بسجدة واحدة" أنا أعيش 300 عام وبقي لي 100 فقال هذه الـ 100 سأتركها فقط للعبادة والتعبد، فقال له سيأتي زمن الناس لا تحيا فيه إلا 70 عاماً، وهذا هو الإعجاز إذا كنتم قد سمعتم بهذه الرواية، أنه حدد متوسط العمر بـ 70، وفعلاً متوسط الأعمار أيامنا هو الـ 70 عاماً، فكيف لو أنك أتيت إلى عصر النبي محمد (ص) ولن تعيش سوى 70، قال لو عشت بذاك الزمان لأخذته كله بسجدة واحدة، فالعمر ليس "بعزأة" والرأسمال ليس كثيراً. ما هي مشكلتنا اليوم يا إخوان؟ إننا نعتبر بأن رأسمالنا كبير، الرأسمال الذي أعطنا إياه الله عز وجل كبير، ولدينا وقت للتوبة.

من صفات الإيمان ألا تحدث نفسك بالنفس الآخر وأنت تتنفس بالنفس الأول على ماذا تتكل؟ لماذا تقتل بالتسويف عمرك؟ غداً أتوب أو أُغير أو أُصلح، لا يوجد غداً ليس الغد بيدك، الله خلق الدنيا للبلاء وأهلها للفناء، خلقها لماذا؟ للبلاء، الله عز وجل لم يخلقنا للعبث ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ خلقنا بمهمة لكي نؤديها في هذه الحياة الدنيا، إذاً ما هي المهمة التي سنؤديها؟ هي نوع من أنواع الاختبار، نحن اليوم في أجواء المدرسة، هل من المعقول أن يدخل أحد إلى المدرسة من أولها إلى آخرها من دون أن يقدم امتحاناً فصلياً أو شهرياً وفي النهاية يُعطى الشهادة بأنه ناجح بامتياز؟!.. غير ممكن.

والله عز وجل في هذه الدنيا التي هي دار بلاء من غير الممكن أن يعطينا في النهاية الجنة من دون أن نكون فعلنا شيئاً، والأنحس أن نفعل كل شيء محرم ويعطينا الله الجنة لأننا نحب الإمام علي عليه السلام!.. غير معقول أن ندخل إلى الجنة فقط بحب الإمام علي، فحب الإمام علي(ع) هو طريق لدخول الجنة ولكنها ليست السبيل الوحيد، لذلك الله عز وجل ماذا يقول لنا؟ انتبهوا جيداً: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

 أتظنون بأني سأكون مؤمناً ويدعني الله أن أكون كذلك من دون أن يبتليني أو يختبرني؟ إياكم أن تحسبوا هذا الحساب" أَحَسِبَ النَّاسُ" أبداً، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

إذاً، فالله عز وجل سوف يبتلينا، انظروا جبرائيل عليه السلام نزل على رسول الله محمد (ص) قال له: "يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك قل لعبادي أن لا راحة لمؤمن فلا يبحث عن شيء لم يخلق له" لا توجد راحة، المؤمن والمرتاح والذي لا يستفقده الله ببلاء فليعد النظر بإيمانه.

أوَ ليس أبي وأبوك وجدتي وجدتك كانوا يردِّدون فيما مضى "استفقاد الله رحمة"؟ والله سوف يجربك وسوف يبتليك، قال لك سأبتليك بالخوف وبالجوع ونقص الأموال والأنفس ونقص الثمرات وسأرى إن كنت صابراً، حتى عندما تصيبك المصيبة ماذا تقول؟ ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾، انظروا أحياناً يرتكب الإنسان الخطأ من دون أن ينتبه، يسأله أحد كيف أحوالك، فيرد: انظر ماذا فعل الله بيّ كذا وكذا وكذا.. هو يشكو الله لمن؟ لصديقه!! وعلى أمرٍ ابتلاك به، وإن الله إذا أحب عبد ماذا يفعل به؟ يبتليه، إذاً الله يحبك! وأنت ذهبت تشكوه لمن؟ وتقول انظر ماذا فعل الله بيّ؟! شخص آخر يفقد شاباً فيقول باكراً يا الله، ماذا يحصل معنا، أخذه بسرعة، انخطف خطف، كل هذا نستعمله، الله عز وجل يريدك أن تكون مستسلماً لإرادته.

سئل الإمام الصادق(ع) عن معنى قوله "فصبر جميل وبالله المستعان" ما معنى هذا الصبر هل سيكون الصبر صبران؟ صبر جميل وصبر غير جميل؟ الصبر صبران، الصبر الجميل هو صبر لا تصاحبه شكوى، أي ستأكل الضربة وتصمت، وتشكر الله أيضاً وتحمده، وتقول أنا بعينك يا رب، فأنت تراني وتختبرني وأنا سوف أكون عند حُسن ظنك، لتكون عند حسن ظني، فهذه علاقة متبادلة، إن الله عند حُسن ظن عبده به، أجل، وإن حَسُنَ ظنُّك بربك، فيكون الله حَسَنَ الظن بك، لكنه يبتليك فتذهب تشتكيه لمخلوق والذي هو بالتالي لا يستطيع عصم نفسه عن البلاء "غير أنّ الله خلق الدنيا للفناء، وأهلها للبلاء، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر" أنظر ما أروعه. تشعر بالسرور عندما تذهب لشراء ثياب جديدة فترتديها مرة واثنتين، ماذا يصبح بعدها وكيف يصبح الثوب؟ بالٍ، فجديدها بالٍ، كل جديد يبلى، ونعيمها مضمحل، تجمع كل حياتك الأموال لكي تشتري شقة وتشعر بالسعادة وتذبح خروفاً، ثم وبعد حوالي السنة ماذا يصبح؟ يصبح الأمر عادياً نعيمها مضمحل وسرورها مكفهر، بالله عليكم لو حسبتم في حياتكم كم المدة التي فرحتم بها وكم حزنتم كم يظهر معكم، بهكذا ظروف وبهكذا بلد وهكذا سياسيين؟ ثلاثة أرباع أعمارنا قهر، وهذا ما وقع به الإمام الحسين (ع)، ركضوا على الدنيا ولم ينالوها، لو أنهم حصلوا عليها فهذا جيد، ولكنهم لم يصيبوها، تصور معي أن حبيب بن مظاهر ذهب ليدعو عشيرته بنو أسد لمناصرة الإمام الحسين، ما كانت النتيجة؟ رحلوا عن المنطقة، ابن زياد وخلال أسبوعين من مقتل مسلم بن عقيل استطاع تجنيد الآلاف وهم الذين كانوا سيصبحون أنصار الإمام الحسين، هانئ بن عروة عندما أسره ابن زياد قال: "لو أن عشرة من قومي دخلوا على القصر لكانوا حرروني"، لكن لا إرادة، كان باستطاعتهم اقتحام القصر وتحريره لكنهم صدقوا شريح القاضي وهو من خوفه صعد إلى السطح وقال لهم هانئ بخير، وأيضاً عمر ابن سعد والذي كان من المفترض وحسب المعطيات والوقائع أن يكون مع الحسين(ع)، لكنه يصف نفسه بهذا الشعر:

دعاني عبيد الله من دون قومه        إلى خطة فيها خرجت لحينِ

 فو الله لا أدري وإني لواقف         أفكر في أمرين على خطرين

أأترك ملك الري والري رغبة          أم أعود مذموما بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها        حجاب وملك الري قرة عينِ

توصيف دقيق وبالوقائع، ماذا قال؟ قال بأني مخير بين أمرين، بين هذه الدنيا وهو ملك الري قرة عيني، وبين قتل الإمام الحسين عليه السلام، أم أعود مذموماً ـ يعني مأثوماً ـ بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب، هو يعلم إذا قتل الإمام الحسين سيدخله إلى النار ومع ذلك يطلب الدنيا. فلنسأل أنفسنا جميعاً إذا وقعنا بهكذا أمر ماذا نفعل؟. وكما يقول الأستاذ الكبير السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) أعُرِضَتْ عليكم دنيا هارون الرشيد حتى تقولوا يا دنيا دعيني وغرّي غيري؟ الذي كان يقول للغمامة اذهبي حيثما شئتِ وأمطري يأتيني خَراجُك، هذه الدنيا التي تُعرض عليك ما هي، وللأسف إن البعض حتى في هذه الدنيا الدنيئة البسيطة يبيع.

لذلك يا إخوان نحن نلفت لأمر ولا بد أن نكون منتبهين له بشكل جيد، يقول الإمام علي عليه السلام: "أخلاّء بني آدم ثلاثة، خليل يفارقه عند موته، وخليل يوصله إلى قبره، وخليل يبقى معه ما بقي، أما الأول فالمال، وأما الثاني فالأهل والأصحاب، وأما الثالث فالعمل، فرحم الله امرئاً أحسن اختيار خليله". أخلاؤك ثلاثة أول واحد يفارقك وهو أكثر واحد قليل أصل وهو أكثر واحد تسعى له وتقضي عمرك وأنت تسعى خلفه وتقاتل الأهل والأصحاب والعائلة وأخاك وأباك وأمك وكل العالم لأجل هذا المال لكن أول من يتركك المال، نحن ندرس بالفقه إذا الإنسان مات ويريدون تكفينه يوجد كفن بـ10 $ ويوجد كفن بـ 100$ فيقولون لنشتري له الكفن بـ100 $ وهو من ماله!!.. الحكم الشرعي أنك تريد إجازة الورثة بالتسعين الزائدة، هذا مالك الذي شقيت لأجله بمجرد أن تموت تنقطع علاقتك به ويصبح من حق الورثة، أنت يوم القيامة تُحاسب على كل قرش قبضته، من أين أحضرته وأين صرفته وصهرك وكنتك يتمتعون به بالحياة، صحيح أم لا؟ ما الذي يجبرك أن تُحاسب أنت لكي يتنعم غيرك، خذهم معك، كيف سآخذهم معي والكفن لا جيوب له، آخذهم معي إلى هناك بأن أصرف في الدنيا في سبيل الله، أقدمهم للمقاومة، في بناء المساجد أو الحسينيات، في العمل والتعليم الديني، فجمعية التعليم الديني تقدم لها التبرعات، فكل قرش تضعه هناك يذهب معك للآخرة، وكل قرش تضعه في البنك تصرفه الكنة ويصرفه الصهر، هذه قاعدة وعليك أن تنتبه لها وتكون حذراً والمصيبة أن الله عز وجل سيوقفني كي يسألني عن كل قرش من أين أحضرته من الحلال أم من الحرام؟ أين صرفته؟ سيسألك عن كل ذلك.

 أما الثاني فالأهل والأصحاب يأخذونك إلى الحفرة ويرمونك بها ويرجعون، حتى أولادك ربما أول سنة وثاني سنة يمرون على القبر لزيارتك، السنة الثالثة يقرؤون الفاتحة من بعيد.. "سوف تصله هل من الضروري زيارة القبر؟!!.."، هو لم ينزل معك ويُعاقب معك.

أما الخليل الذي يبقى معك ما بقيت فهو عملك إن كان صالحاً فتحت لك طاقة في قبرك تشم منها رائحة الجنة. وإن كان طالحاً فتحت لك في قبرك طاقة تشم منها نتن جهنم وحريقها.

الإمام علي(ع) يقول لك فرحم الله امرئ أحسن اختيار خليله، أنت ذاهب في مشوار واحد يوصلك إلى أول الطريق، والثاني يوصلك إلى نصف الطريق، والثالث يبقى معك إلى الأخر وليس يبقى معك للآخر إنما يساعدك ويحمل معك ويعطيك.. مع أي واحد تسير؟ وأين تكون عاقلاً وأين تكون مجنون؟.

أيام كنتُ قاضياً أتى شخص إلي ليرفع دعوى حَجْر على أبيه، فقلت له تفضل ما عندك، قال: تصور يا مولانا أن البارحة دفع 50 ألف دولار لحسينية سوف تُبنى، فقلت له أجل أين المشكلة، قال أنه لا يملك إلا 55 ألف، يدفع 5 ويبقي 50، لماذا ليدفع الـ50، فقلت وما علاقتك أنت، هل هذا يجعله مجنوناً أو سفيهاً؟.

هذه هي مقاييس الناس للسفاهة والرشد، كنت أجلس بالقرب من أحد الأغنياء الكبار وكانوا يجمعون التبرعات فاقترب من أحدهم وأخرج من جيبه 10 ريالات في السعودية، ثم اقترب من الغني فوضع رزمة قد تساوي الـ 10000 ريال فقلت له آجركم الله، فقال لي قل للذي دفع 10 ريالات آجركم الله لأنه لا يملك سواهم أما أنا فهذه لا تساوي شيء مما عندي. الذي دفع كل ما يملك ليس كالذي دفع جزءاً بسيطاً مما يملك مهما كبر الرقم. سيقول أحدهم: "شيخ حسان ماذا تريد منا، أنترك الدنيا؟ هل نبيعها ولا نتعاطى معها؟..". كلا فالله عز وجل يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ لك نصيب خذه لكن لا تتعدى على نصيب غيرك ولا تأخذ أكثر من نصيبك وليكن هدفك في نصيبك الدار الآخرة. علاقة توازن سترى كيف ستدبرها.

أحدهم ابن أبي يعفور جاء إلى الرسول(ص) قال له يا رسول الله إننا لَنُحب الدنيا، فقال له ماذا تصنع بها؟، قال أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق، قال ليست هذه الدنيا، هذه الآخرة. هذه ليست الدنيا، لماذا؟.. ماذا فعل؟ أنفق على عياله تصدق، أنال إخوانه، حج، أي أنه يعمل في الدنيا ويبتغي الآخرة. لذلك يجب أن ننتبه لهذا الموضوع وننتبه أن يكون هدفنا في كل الأمور المستقبلية هو رضا الله عز وجل. أيضاً يقول رسول الله (ص): "من أصبح والدنيا أكبر همه فليس له من الله في شيء" لن يأخذ من الله شيء، لأن الله عز وجل هو خير شريك، ما معنى أن الله خير شريك، لو أنت تشاركت مع شخص آخر السنة تتقاسم أنت وهو على آخر قرش، هذه لك وهذه لي، الله عز وجل إذا أشركت في عبادته عبادة أحد فيعطي للأخر كل الأعمال، يقول لك فليأخذ هو، أنا لا أريد شيئاً. لأنه يجب أن يكون خالصاً لوجه الله، إذاً، فمن أصبح والدنيا أكبر همه فليس له من الله في شيء وألزم قلبه أربع خصال، هماً لا ينقطع أبداً، هل تلاحظون بأن الأغنياء دائماً مهمومين، لأنه كلما أصبح معهم مليون زيادة يريدون مليوناً فوقه دائماً يعيشون في الهم، مع العلم أنهم لو قضوا كل حياتهم يريدون صرف هذه الأموال فإن عمرهم لا يتسع، وشغلا لا يخرج منه أبداً فيبقى يعمل إلى أن يموت، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً أنظر لهذا التعبير، مع أنه يمتلك المال لكنه بالنسبة لنفسه يبقى يشعر بأنه فقير، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً، عنده أمل لا نهاية له، لذلك يخطب الإمام الحسين(ع) بهذا الخطاب الذي بدأنا به ليقول أخيراً فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون، عاد إلى الأساس الذي هو بدأ به، عباد الله اتقوا الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، أريد أن أسألكم سؤالاً، يوجد شخصان يريدان أن يذهبا في رحلة إلى الصحراء أحدهم وضع في صندوق السيارة دواءً ومياهً وطعاماً وأموراً يحتاجها في رحلته، الثاني وضع ذهباً وماساً ومالاً ومجوهرات وذهبوا، فمنِ العاقلُ ومَنِ المجنون؟ كل هذه الثروات التي أخذها معه هو مستعد للتخلي عنها من أجل شربة ماء من الثاني.

لذلك نحن لدينا رحلة نحو الله عز وجل وهذه الرحلة تحتاج إلى زاد، وزاد الرحلة نحو الله التقوى، أما من يريد أن يبحث عن المال والبنين إلى ما هنالك فهذا كله لا ينفع "يوم لا ينفع مال ولا بنون"، ابنك لن يتعرف عليك، أبوك لن يتعرف عليك، مالك لن يفيدك وقد يضرك، والوقفة قاسية جداً يوم القيامة، يا إخوان أرض المحشر من النار ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. لذلك نحن اليوم أيها الإخوة بحاجة أن نتعلم من ثورة الإمام الحسين(ع) كي يكون كلُّ عملنا لله عز وجل وفي سبيل الله وفي سبيل رضوان الله، وإذا اقتضى الأمر أن نستشهد في سبيل الله فهذه الروح رخيصة في سبيل هذا النهج وفي سبيل هذا المحور الذي يرضى عنه الله والذي ستكون نهايته النصر بإذن الله.

الشيخ الدكتور حسان عبد الله

محاضرة للشيخ الدكتور حسان عبد الله في جمعية التعليم الديني الإسلامي

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد