مجلة البلاد الإلكترونية

كل لبنان يتظاهر.. الغالبية العظمى باتت تحت خط الفقر، ومعظم الشباب عاطل من العمل

العدد رقم 202 التاريخ: 2019-10-18

كربلاءُ الإسلام.. بين حرارة الدموع ووعي الدّور والمسؤولية

عاشوراء ليست مجرد حدث تاريخي مضى زمنه، وأفلت ساعته، وانزوى جانياً ليستقر على جوانب الذكريات التاريخية العتيقة، فيضمحل وينتهي مثل كثير من وقائع التاريخ التي ماتت بموت أصحابها وفاعليها.. بل باتت هذه الذكرى الكبيرة معياراً رئيسياً من معايير هوية المسلمين جميعاً، ولا تختص بمذهب أو فئة من هنا وهناك.

وقيمة الهوية التاريخية (ومنها هوية عاشوراء الإسلامية) التي ينشأ عليها الإنسان في أي موقع من مواقع الحياة تكمن في إعطاء الزخم المعنوي والروحي لحركة الأفراد في المجتمع. أي أن يتحركوا في حياة مجتمعاتهم بكل قوة وفعالية ومسؤولية.. أي أن ينطلقوا بصورة منتجة ومؤثرة نحو الحاضر والمستقبل، خصوصاً وأننا أمة لا تزال تبحث عن دور وموقع عملي لها في هذا العالم الذي تلفه حركة الصراعات ومواقع التحدي في كل حدب وصوب.

ولكن هناك بعض الناس تعتبر أن مجرد الحديث عن حادثة كربلاء هو فتنة أو شكل من أشكال الفتنة.

لهؤلاء نؤكد ونقول، عن أي فتنة تتحدثون..!. هل أنّ مجرد ذكر حادثة كربلاء كما وردت في كتب المسلمين (من مؤرخي كل المذاهب!!)، والتي استشهد فيها الحسين -وكوكبة من أبنائه وأسرته وأقاربه على يد جلادي ذلك العصر وطغاته وأشراره، هو فتنة وعودة لإثارة أجواء النزاع والاستقطاب بين ملل المسلمين، وتحريك لنيران الخلافات بينهم مجدداً؟!! وهل أن احتفالات المسلمين بهذه الواقعة التاريخية المهمة، (لأخذ العبر والدروس لمنع حدوث فتن ومآسي جديدة، والوقوف في وجه إثارة فتن جديدة في حياتهم الحالية والمستقبلية).. هل هذا الوعي فتنة؟.

حقيقةً، نحن نعتبر أننا يجب أن نكون دعاة للمحبة والتسامح والتوحد والتضامن، وعدم إثارة الخلافات والانقسامات في كل مواقعنا وخلفياتنا وقناعاتنا والتزاماتنا، وهذا ديدننا وعملنا واشتغالنا المعرفي منذ زمن طويل.. ولكن هذا لا علاقة له بالحديث عن مناسبة دينية تاريخية، باتت في ذاكرة – معظم المسلمين من كل المذاهب والملل والطوائف - محطةً ومنهلاً ونبعاً لأخذ العبر والدروس الإيجابية على مستوى ضرورة تأصيل قيم التضحية والفداء والكرامة وإعلاء كلمة الحق والوعي والمسؤولية بين المسلمين، والوقوف في وجه الظلم والظالمين إلى أي مذهب أو دين أو حضارة انتموا..!!.

وهكذا كان شهيد كربلاء الإمام الحسين (عليه السلام) – وهو نجل الإمام علي، وحفيد الرسول الكريم(ص) - في وعي كل المسلمين من كل المذاهب، فهو (عليه السلام) لم يكن يمثل ولا يمثل مذهباً او طائفة بعينها، (مثلما أن قاتله لا يختص بطائفة ولا يمثل مذهباً)..

ولهذا ينبغي أن نعلم - بطبيعة الحال - أن الإمام الحسين(ع) يقدم لنا نموذجاً للقيادة المسؤولة، ويعطينا دروساً عملية كبرى في الحفاظ على القيمة والمبدأ (والحقوق عموماً)، والتضحية في سبيل بقائها شُعلة تنير دروب الأجيال اللاحقة.. بالتالي هذا ما بقي منه(ع).. إنها الروح والفكرة والقيمة-المبدأ.. إنه المنهج العملي الذي سلكه(ع) في إظهار الإسلام، قيماً ومبادئ إنسانية رائعة.

وقد لاحظنا أن أهل البيت(ع) ركّزوا – في كثير من مواقفهم وخطبهم - على المعاني القيمية والسلوكية الوافرة التي قدمتها (ولا تزال تقدمها) واقعة الطف (كربلاء) وشهادة الإمام الحسين(ع).. فها هو الإمام علي بن موسى الرضا(ع) يؤكد – بعد سماعه للأبيات التي رثى بها دعبل الخزاعي الإمام الحسين(ع) – على ضرورة وعي هذه القضية الكبرى من خلال قوله: "وإنّ أمرَ الحسين أسهر جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا.. يا أرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام".

وكان حزنُ الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) يشتد، وأسَاه يتضاعف إذا حلَّ شهرُ المحرم، وقد قال: "كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهر محرم لا يُرى ضاحكاً، ولا كانت الكارثة تغلبه حتى تمضي منه عشرة أيام، فإذا كانَ اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته، وحزنه، وبكائه.. وكان يقول: هذا اليوم قتل فيه الحسين(ع)".

وجاء في حديث له(ع): "من تذكّر مصيبتنا، وبكى لما ارتكب منا كان في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون. ومن جلس مجلساً يجب فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب".

إنّ الدعوة التي أطلقها الإمام الرضا(ع) بخصوص إحياء عاشوراء، وتذكيره بأحداثها الدامية التي انتهت باستشهاد الإمام الحسين(ع)، ترشدنا – على الرغم من انقضاء عشرات السنين عليها - إلى الأهمية الكبرى لواقعة الطف من حيث كونها هوية تاريخية، تتأصل بالإسلام، وتتقوى بقوته، وتتجذر بتجذر فكره وتشريعاته في الواقع كقاعدة حية تنطلق من خلالها الدعوة الإسلامية المنفتحة باتجاه تركيز مبادئ وقيم الحق والعدل في الحياة، وذلك بالعمل على تعميق الحس الجهادي الثوري، والروح الاستشهادية، وتعزيز إرادة الممانعة وقيم الصمود والثبات والتضحية  والصبر على مواقف الحق والعدل كشرط أساسي من شروط التغيير والبناء في الأعماق النفسية والوجدانية للأمة على اختلاف العصور والأزمنة، ومن ثم المباشرة في إجراءات تغيير المواقع والرموز الظالمة والمنحرفة في مدى التاريخ كله. وبهذا التصور الفعال "لعاشوراء - الإسلام" لا تعود حادثة كربلاء مجرد قصة تاريخية حدثت في الماضي، واستنفذت أغراضها ودلالاتها، وانتهت بانتهاء فصولها وأحداثها، واستشهاد رموزها، ولكنها رمز عملي يمتد مع الحياة كلها كذكرى وعبرة ومدرسة حركية واعية ممتلئة بالحيوية والوعي والخبرة من أجل أن تنتج لنا في كل واقع جديد حالة حسينية جديدة، وفعل تاريخي حسيني جديد.

.. نعم هذه الذكرى – وغيرها من الذكريات والمناسبات التاريخية التي حدثت في ماضي أيامنا الإٍسلامية - باقيةٌ باقية مهما تحامل المتحاملون وأساء المغرضون، بل باتت جزءاً راسخاً وعميق التأثير من تراث شعوب وذاكرة مجتمعات ومذاهب تعتنقها كعقيدة ومبدأ، وعلى استعداد أن تضحي بالغالي والنفيس في سبيل تحقق فكرتها الأم وهي فكرة الدفاع عن الحق وإغاثة المظلومين وعدم السكوت على الفساد والاستبداد.. يعني لا يمكن محوها، بل يمكن تنقيتها وتوجيهها الوجهة العقلانية الصحيحة بما يخدم دور ومسؤولية الإنسان المسلم اليوم وفي المستقبل.

طبعاً، كل الأمم والمجتمعات لديها ذكريات تشكل الهوية الثقافية الحضارية لها.. وتكون عبارة عن الإطار النفسي والفكري العام الذي يعبّر عن وجودها الاجتماعي، وحراكها السياسي العملي حتى غير الظاهر في الصورة الخارجية الحقيقية..

من هنا نحن نتحدث عنها – عن تلك المناسبات والأحداث - من موقع العقل والفكر والمسؤولية وليس من أي موقع آخر... وهذا - بطبيعة الحال - دورنا كمثقفين نتطلع لكي يكون للدين –بمختلف حمولاته ووقائعه ومعاييره - تأثيره الإيجابي وحضوره الواعي والفاعل البعيد عن العنف والتطرف والإقصاء.

وهكذا هي كربلاء، محطة انطلاق نهضوية كبرى في وعي الأمة – كل الأمة - عبر العصور، وهي لم تتوقف عند لحظتها الأولى، بل استمرت فكرة حية ومنهجاً حركياً في العمل، لتأسيس وعي رسالي دائم يتقوم بالعدل والحرية والكرامة ورفض الخضوع إلا لله. وهذا ما أراد الإمام الحسين (عليه السلام) إيصاله عملياً.. أنْ يبني للأمة – في امتداد وجودها وأجيالها اللاحقة - وعياً رسالياً، ينبض بالعزة والكرامة وقيم النهوض من خلال النداء الأبدي: "كل يوم عاشوراء، وكل مكان كربلاء".

واليوم تتعرّضُ مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لما هو أبشع من سرقة مواردها ونهب خيراتها والتلاعب بمقدراتها، وتحولها إلى مجرد ساحة مستباحة - من قبل حفاري القبور الجدد - بالفتن والحروب والدمار والخراب.. إنه التسلط وإلغاء وجود الإنسان المسلم ذاته، وتهشيم صورته، وتحطيم هويته والتلاعب برأسماله الرمزي التاريخي، وتقديمه كمجرد كائن عضوي (فزلجي!) خالٍ من الروح والوعي والقوة والعزيمة والإرادة..

هذا هو وعينا لهذه الحادثة التاريخية.. وهو وعي يتقوم بالعقل والمسؤولية الرسالية البعيدة عن الحرتقات السياسية والمصالح الفئوية والانقسامات المذهبية وغير المذهبية التي تغذيها حركات التكفير والتطرف بمختلف مشاربها ومشاريعها التفتيتية المعروفة.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد