مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

بولتون خارج البيت الابيض.. صفعة لمحور الحرب

بولتون خارج البيت الابيض.. صفعة لمحور الحرب

إن يعفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستشاره للأمن القومي من مهامه، فليس بالأمر المستغرب، وقد فعلها من اثنين آخرين من أسلافه، لكن الحدث هذه المرة يكمن في نفس المستغنى عن خدماته في الادارة الأمريكية، وفي توقيت الاستغناء ودلالاته السياسية.

فإذا كان تعيين جون بولتون في المنصب قد عنى اتجاهاً معيناً في السياسة الأمريكية، فإن إزاحته قد تؤشر إلى اتجاه جديد لسياسة الرئيس في معالجة بعض الملفات المفتوحة، التي كان لبولتون بصمة توريط بلاده بها.

من هو بولتون؟

لم تكلف اقالة الرئيس الأمريكي مستشاره للأمن القومي من منصبه، سوى تغريدة على حسابه الشخصي في موقع توتير كتب فيها:

"أبلغت جون بولتون بأنه لم تعد ثمة حاجة لخدماته في البيت الأبيض. اختلفت بشدة مع الكثير من اقتراحاته مثلي مثل آخرين في الإدارة".

كانت هذه الكلمات القليلة كفيلة بإنهاء مهمة أحد صقور المحافظين الجدد في ادارة ترامب، بعد سبعة عشراً شهراً من شغله لمنصب مستشار الأمن القومي. المنصب الرفيع الذي قادته إليه "صقوريته"، ورغبة الرئيس في استمالة بعض الجمهورين غير المرتاحين لوصوله إلى البيت الابيض، عبر الاستفادة من الأفكار المتشددة للمحامي والدبلوماسي الذي سبق له تمثيل بلاده في الأمم المتحدة، في زمن قوة المحافظين الجدد برئاسة جورج بوش الابن.

ومنذ وصوله إلى مكتبه في البيت الابيض في نيسان من عام 2018، بات بولتون واحدا من أهم المحرضين على الحرب وتغيير الأنظمة بالقوة من كوبا إلى العراق وكوريا الشمالية وفنزويلا، وصولاً إلى إيران، التي توعدها بالملاحقة، وكان مشجعاً لرئيسه بالانسحاب من الاتفاق النووي الدولي الموقع معها، بل إنه قاد حملة داخل البيت الأبيض، للدفع باتجاه عمل عسكري ضدها، لدرجة أن ترامب نفسه قال الشهر الماضي "أنا في الحقيقة أهدئ جون وهو أمر مدهش".

أسباب الافتراق

التقاء الرئيس الأمريكي مع مستشاره للأمن القومي في مشروع رفع مستوى الضغط الأمريكي في كثير من الملفات المفتوحة، لم يدم طويلاً، خصوصاً وأن سياسة الضغوط التي قادتها واشنطن لم تحقق لها أي نتائج ايجابية، بل على العكس من ذلك زادت من مستوى التعقيد، وأظهرت فشل الولايات المتحدة في إدارة سياسية خارجية قادرة على تحقيق أهدافها. ولعل أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا الفشل، فنزويلا وصمودها في وجه الانقلاب الذي أشرف عليه بولتون شخصياً وبلغ به الأمر إلى حد التهديد بالحرب لإسقاط نظام نيكولاس مادورو.

إلا أن الملف الفنزويلي على خطورة الفشل الأمريكي فيه، لم يكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين ترامب وبولتون، بعد ما بدا أن الرجلين وصلا إلى مرحلة الاختلاف العملي، ففي حين ظل الاخير ممسكا بالعصا العسكرية الغليظة، مال الاول نحو الدبلوماسية، وكان من أبرز تجليات هذا الميل، فتح خطوط التواصل مع كوريا الشمالية ولقاء زعيمها كيم جونغ اون، ثم فتح حوار مع حركة طالبان لإنهاء الوجود الأمريكي في افغانستان، وصولاً إلى إبداء الاستعداد للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني من دون شروط مسبقة. ولعل الملفين الأخيرين كانا السبب المباشر في اقالة بولتون من منصبه.

الحوار مع طالبان

الخلاف بين الرئيس ومستشاره للأمن القومي، كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة جداً قبل أن يخرج إلى العلن، وهو ما اختصره تصريح مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب لقناة BBC طلب عدم الكشف عن اسمه، بأن "بولتون كان يعمل بشكل منفصل عن بقية البيت الأبيض.. كان لديه أولوياته، ولم يسأل الرئيس عن أولوياته".

وكان بولتون من أكثر المعارضين لما سمي محادثات السلام مع حركة طالبان، وقد أثارت دعوة ساكن البيت الأبيض، لممثلين عن الحركة لزيارة واشنطن والتوقيع على الاتفاق الذي توصل إليه السفير الأمريكي السابق في العراق زلماي خليل زاد مع قادة طالبان، انتقادات بولتون لاسيما أن توقيتها كان قريباً من الذكرى السنوية لهجمات الحادي عشر من أيلول 2001 بتوقيع تنظيم القاعدة الذي كانت طالبان تستضيفه في أفغانستان.

ونقلت مجلة "فورين بوليسي" عن بولتون قوله إن دعوة مجموعة تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية سيكون سابقة فظيعة.

وكمؤشر على حجم معارضته للاتفاق مع طالبان، يذكر جون هادسون في صحيفة "ذي واشنطن بوست"، أن المفاوض الأمريكي، خليل زاد، منع بولتون من الحصول على نسخة من الاتفاق مع الحركة، مشترطاً الاطّلاع عليه بحضوره.

الدبلوماسية باتجاه إيران

وعلى تشدده في معارضة الاتفاق مع حركة طالبان، كان جون بولتون أكثر معارضة للحوار مع طهران، بعدما أبدى الرئيس الأمريكي استعداده للقاء نظيره الإيراني في إطار المبادرة الفرنسية التي تحاول جمع الرجلين على هامش اعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الخريف القادم. وقد ذهب ترامب بعيدا في تجاوبه مع حراك الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على هذا الصعيد إلى حدّ إعلان استعداده تخفيف العقوبات عن إيران لتسهيل اللقاء، وهو على ما يبدو السبب المباشر وراء اقالة بولتون. فبحسب رواية وكالة بلومبرغ الأمريكية، فإن المستغنى عن خدماته في البيت الابيض، عارض أفكاراً نوقشت قبل ليلة من الإقالة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، بينها ما يتعلق بتخفيف العقوبات على إيران لتسهيل عقد لقاء روحاني وترامب.

تل أبيب تنعى رجلها في البيت الأبيض

إقالة بولتون بخلفية الملف الإيراني، أشعلت الأضواء الحمراء في تل أبيب، التي كانت قد بدأت التحرك باكراً على خط تعطيل المبادرة الفرنسية. وقد جاءت إقالة "رجل الحروب" لترفع من مستويات القلق في كيان العدو، من إمكانية التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني لا يتوافق مع السياسية الاسرائيلية حيال إيران، التي كان بولتون أحد الأمناء عليها في الادارة الأمريكية على ما جاء في اعلام العدو. وفي هذا الإطار كتبت صحيفة هآرتس "على خلفية التقارب مع إيران، ترامب أقال مستشار الأمن القومي.. إنها ضربة تعقب ضربة". وفي تبيانها لحجم الخسارة الاسرائيلية بإزاحة أحد أكثر الشخصيات قربا من تل ابيب في البيت الابيض، تقول الصحيفة: "حتى الأمس كان صمام الأمان موجوداً: ما دام بولتون في البيت الأبيض، فهو مؤشّر على أننا لا نتجه لتسوية مع إيران، فهو لن يسمح بذلك. لكن مع الإقالة، الجواب بات واضحاً، والاتفاق النووي 2 في الطريق، وفي توقيت سيّئ وأكثر إشكالية".

بدورها كتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت": "بعد فترة طويلة من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بتشجيع من نتنياهو، يبدو أن العلاقات تأخذ الآن مساراً جديداً، ويمكن فقط التساؤل عمّا يريد ترامب منحه للإيرانيين وامتنع بولتون عنه".

إيران ترحب بحذر

ربط إقالة بولتون بمقاربة أمريكية جديدة حيال إيران، انعكست في الداخل الإيراني ترحيبا مقرونا بالحذر من خطوات ترامب، لاسيما ان الاقالة تزامنت مع اقرار عقوبات جديدة عليها، وهو ما لفت اليه وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف بتغريدة عبر تويتر قال فيها: "بينما كان العالم... يتنفس الصعداء لإطاحة رجل الفريق باء في البيت الأبيض، أعلنت (واشنطن) فرض المزيد من الإرهاب الاقتصادي على طهران، وأضاف: "التعطش للحرب والضغوط القصوى ينبغي أن يزولا مع غياب أكبر داعية للحرب" في اشارة إلى بولتون.

بدوره الرئيس الإيراني حسن روحاني اكتفى بالقول: "ينبغي لأمريكا أن تدرك أن... عليها أن تنأى بنفسها عن دعاة الحرب". في حين اعتبر مدير مكتبه، محمود واعظي، أن الإقالة "تظهر أنه حتى الإدارة الأمريكية المتطرفة أدركت أخيراً أن زمن إثارة الحروب والتهديد قد ولى...ولو أرادت هذه الإدارة التعاطي مع العالم، فإن السبيل هو المنطق".

أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، فأكد أن "طرد بولتون المشين من البيت الأبيض يشكل هزيمة لمخطط أعداء النظام، وعلامة على صمود إيران بوجه التهديدات" لافتاً إلى أن "تعيين المسؤولين في الإدارة الأمريكية وعزلهم لن يؤثرا بمواقف إيران من النيّات السيئة لهذا البلد، وأن معيار التقييم لدى الجمهورية الإسلامية يرتكز على السياسات الحقيقية".

خلاصة

بمعزل عما سيؤول إليه مصير المبادرة الفرنسية وعما إذا كانت إقالة بولتون مرتبطة بها، تبدو الحقيقة المؤكدة أن استبعاد أحد ابواق الفتنة والتحريض في الإدارة الأمريكية، يشكل صفعة قوية لكل محور الحرب الممتد من واشنطن إلى تل أبيب وما بينهما من دول الخليجية، انتظرت أن تحرك الولايات المتحدة اساطيلها لقصف الجمهورية الاسلامية الإيرانية وتغيير المعادلات في المنطقة لمصلتحها. لكن الركن الاول في الرباعي B من دعاة الحرب - بولتون، بنيامين نتنياهو، بن زايد، بن سلمان - الذي كان يقدمه ترامب للزعماء الأجانب بالقول "تعرفون جميعا جون بولتون العظيم، سوف يقصفكم ويستولي على بلدانكم بالكامل"، سقط، وزال من المعادلة، والسؤال بعده من التالي؟.

ابتسام الشامي

 

 

 

إخترنا لكم من العدد