مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

أي دستور جديد تحتاجه سورية في ضوء تشكيل اللجنة الدستورية؟

توفيق المديني

 

يُعَدُّ المسار الدستوري أحد أعقد مسارات التفاوض في عملية السلام السورية القائمة، نظراً إلى تباين مواقف أطراف الصراع حوله، فضلاً عن كونه الإطار الجامع الذي ينبغي أن تتجسد فيه كل التوافقات الأخرى التي ستتم وستمهد لانتقال سورية من حال العنف والصراع إلى مرحلة التعافي والسلام.

وكانت تمت الإشارة إلى القضايا الدستورية بصورة مبكرة من مسار عملية التسوية السلمية، وذلك بموجب وثيقة جنيف الصادرة عن اجتماع مجموعة العمل من أجل سورية الذي عقده المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسورية في جنيف في 30 حزيران/يونيو 2012.. وتكرّرت الإشارة، بعد ذلك، إلى مسألة الدستور في العديد من الوثائق الصادرة حول الأزمة السورية وصولاً إلى ترسيخها في القرار 2254 (2015) الذي بات يُشكّل المرجعية المُتّفق عليها وإطار العمل الناظم لعملية التفاوض الحالية.

وفي مؤتمر الحوار الوطني السوري – السوري الذي عقد في سوتشي في نهاية كانون الثاني /يناير 2018، تم الاتفاق على تأليف لجنة دستورية "بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254".

تشكيل اللجنة الدستورية

وفي هذا السياق، قال نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم في حوار على قناة السورية ليلة الثلاثاء 24 سبتمبر 2019، إنَّ لجنة مناقشة الدستور من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عقد في سوتشي في كانون الثاني 2018 وهي ستنظر في دستور عام 2012 وقد استغرق التفاوض حول تشكيلها 18 شهرا لأنَّه كانت هناك ضغوط خارجية على المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية لعرقلة تشكيلها مبيناً أنَّه تم الاتفاق معه على أسماء أعضاء اللجنة الموسعة والمصغرة وكذلك على قواعد الإجراءات التي تنظم عمل الحوار السوري -السوري بشأن مراجعة الدستور.

وأوضح المعلم أن اللجنة تضم 150 عضواً 50 منهم تدعمهم الحكومة السورية و50 للطرف الآخر و50 للمجتمع الأهلي ثم تنبثق عنها لجنة مصغرة من 45 عضواً 15 تدعمهم الحكومة السورية و15 للطرف الآخر و15 من المجتمع الأهلي مشيراً إلى أنَّها ستبدأ عملها في جنيف في الثلاثين من الشهر القادم وسيعود المبعوث الأممي غير بيدرسون إلى دمشق بعد انتهاء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للاتفاق معه على كل التفاصيل.

ولفت المعلم إلى أنَّ اللجنة الموسعة ستجتمع مرَّة واحدة في جنيف ثم تدعى لاجتماع في ضوء التقدم الذي تنجزه اللجنة المصغرة وكلما تقدمت الأخيرة في عملها فقد تدعى اللجنة الموسعة للتصويت على إنجازاتها ولا يمنع النظر في وضع مواد جديدة في الدستور ولو عدلت مادة واحدة منه يصبح دستوراً جديداً لافتا إلى ضرورة التزام كل الأطراف بقواعد الإجراءات وهي قواعد مهمة للغاية حيث تتضمن مجموعة مبادئ ولم تحدث أي أخطاء أو تنازلات بل أخذنا بالاعتبار دائما توجيهات السيد الرئيس بشار الأسد واضعين نصب أعيننا تطلعات الشعب السوري وانتصارات جيشنا العربي السوري البطل ودماء الشهداء إضافة إلى أننا مع حل سياسي يلبي تطلعات الشعب السوري.

وشدَّدَ المعلم على رفض سورية أي تدخل خارجي في عمل اللجنة ولن تقبل إملاءات خارجية أو جدولاً زمنياً لعملها الذي سيكون مفتوحا حتى تنهي أعمالها ويجب أن تقر كل مكونات اللجنة أن الجمهورية العربية السورية دولة ذات سيادة مستقلة وأن تحرير أراضيها من الإرهاب والوجود الخارجي واجب وطني.

وبَيَّنَ المعلم أنَّه كانت هناك معايير لاختيار من سيقوم بمهمة مناقشة الدستور وهذه المعايير أخذت بالاعتبار أن يكون التمثيل من مختلف المحافظات ومن مختلف شرائح المجتمع ويمكن أن تكون هناك أغلبية حقوقية لكن هناك أساتذة في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية وغيرها من مجالات العمل إضافة إلى أنَّ الاختيار وقع على عدد لا بأس به من العنصر النسائي، ولذلك فإنَّ تكوين لائحة أسماء اللجنة الذين تدعمهم الحكومة السورية يعكس ناحية إيجابية للغاية لافتاً إلى أن دور الأمم المتحدة في عمل اللجنة سيكون ميسرا لعمل الأطراف وفقا لاتفاق تشكيلها ولا يتدخل في جوهر النقاش.

وقال المعلم إنَّ التقدم في مناقشة الدستور يعتمد على الطرف الآخر ففي اجتماعات جنيف كنا نرى أن الدول المتآمرة على سورية كانت تلقن الطرف الآخر في قاعة جانبية ما يجب عليه عمله وإذا استمر هذا الإجراء ونحن نعرف أنهم لن يتخلوا عن التآمر فإنهم بذلك يعرقلون عمل اللجنة وتقدمها ويخالفون قواعد الإجراءات التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف والتي تنص على عدم التدخل الخارجي وعدم وضع صور مسبقة مؤكداً أن كل الكلام عن دساتير جاهزة أمر مرفوض فهذه الصيغ مسبقة واللجنة سيدة نفسها فهي تناقش وتقرر وتصوت على كل مادة من المواد التي تتوافق عليها.

وأوضح المعلم أنَّه منذ بداية الأزمة في سورية كانت توجيهات الرئيس الأسد أن نسير على كل المسارات مع بعضها لكن دون شك عندما يتباطأ المسار السياسي فإن المسار الميداني يتقدم واليوم مع انطلاق عمل لجنة مناقشة الدستور نحن مصممون على تحرير كل شبر من أراضينا من الإرهاب ومن الوجود الأجنبي غير الشرعي وهذا العمل سيتواصل لافتاً إلى أنه تم إبلاغ بيدرسون أن مكافحة الإرهاب في سورية حق يضمنه القانون الدولي لأنها تكافح تنظيمات إرهابية مدرجة على قائمة مجلس الأمن للكيانات الإرهابية ولذلك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة إلى جانبها وهذا حق كل دولة مستقلة أن تمارس سيادتها على كل أراضيها.

وأشار المعلم إلى أنَّ سورية تعمل على ثلاثة مسارات سياسي وعسكري ومسار المصالحات إضافة إلى الاعتماد على إمكانياتها الذاتية في إعادة إعمار ما دمره الإرهابيون وقال: لذلك لا يوجد أي تعارض في عمل المسارات على الاطلاق وليثق الجميع أنه ستكون هناك مخرجات جادة للجنة مناقشة الدستور إذا كانت الأطراف الأخرى جادة وتوقفت عن التدخل في شؤون سورية الداخلية.

في الأثناء، صرّح وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، في مقابلة مع صحيفة روسية: "انتهت فعلاً الحرب في سورية(...). نعتقد أن تشكيل وإطلاق لجنة تهدف إلى تطوير الإصلاح الدستوري سيكون خطوة مهمة في دفع العملية السياسية التي يقودها السوريون أنفسهم، وتنفّذ بمساعدة الأمم المتحدة".

وحدها المعارضة العقلانية، هي التي تؤمن بالتداول السلمي للسلطة من داخلها، وذلك أساس ضمان أن تقبل هي تداول السلطة السياسية في المجتمع، هي التي تقبل بالتفاوض مع وفد الحكومة السورية، وتؤمن بالحوار السوري-السوري، من أجل إنقاذ سورية، وفقًا للأسس التالية:

أولاً: اعتبار المصلحة العامة الوطنية/القومية، المناهضة للإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني والقوى الرجعية العربية، مرجعية واقعية مشتركة لكل الأطراف السلطة والمعارضة.

ثانياً: الالتزام بالحوار الوطني الواسع بمشاركة ممثلين عن جميع مكوّنات المجتمع السوري، في سبيل إعادة وحدة الدولة الوطنية السورية، وتحقيق التسوية السياسية للأزمة من خلال عملية شاملة وحرّة وعادلة وشفافة يقودها السوريون وينفذونها بأنفسهم، بعيدًا عن إملاءات أو ضغوط خارجية.

ثالثًا: اعتراف كل أحزاب المعارضة وتنظيماتها بالآخر وبحقوقه وحريته.

المعارضة العقلانية من هذه الزاوية، تعني في أحد معانيها الجدل السياسي الاجتماعي، وهو الانشقاق الذي يُوَلِّدُ الوحدة، والشَرُّ الذي يُنْتِجُ الخير، والصِرَاعُ الذي يٌنْتِجُ التقدم، وليس ذلك النوع من "الصراع على البقاء" كصراع الحيوانات في الغابة. إنّ المعارضة العقلانية هي التي تَضْمُنُ دورها السياسي والتاريخي في الداخل السوري، وتُوَجِّهُ جُلَّ نضالها السياسي من أجل القيام بإعادة بناء الدولة الوطنية السورية وفق معايير العصر الحديث.

إقرار الدستور الجديد شأن سيادي سوري

من الواضح أنَّ الإمبريالية الأمريكية التي باتت تشكل الاستعمار الجديد في أبشع صوره في منطقة الشرق الأوسط، من خلال الحروب التي أشعلتها عقب غزوها للعراق سنة 2003، ولغاية الآن في سورية بمساعدة حلفائها الإقليميين(تركيا و الدول الخليجية و الكيان الصهيوني )، وأدواتها من التنظيمات الإرهابية والتكفيرية، تبحث في الوقت الحاضر على إطالة أمد الحرب في سورية، لا سيما أنَّها لم تكن راضية عن الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش العربي السوري طيلة هذه السنة في تحرير أراضي الجمهورية العربية السورية من رجس  الإرهاب، الأمر الذي مكن الدولة الوطنية السورية من تعزيز سيادتها الكاملة على نحو70% من أراضيها.

فَتَحْتَ غِطَاء ما يُسَّمَى "التحالف الدولي"، وبِحُجَّةِ القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي، غَزَتْ القوات الأمريكية الاراضي السورية في أواخر العام 2014، ورَكَزَتْ احتلالها ومناطق تواجدها غير الشرعي في شرق الفرات، كما احْتَلَتْ منطقة التنف تلبية لأطماعها وشهواتها الامبريالية، ورغبة منها للإبقاء على احتلالها أطول فترة ممكنة، ريثما تتمكن من السيطرة على مقدرات السوريين وثرواتهم. ومن هذا المنطلق كان لما يسمى إرساء قواعد الأمن والاستقرار في المنطقة التي تتذرع به الإمبريالية الأمريكية طريقة خاصة بها، لإقامة منطقة خاضعة لها فوق ما يقارب الـ 25% من الأراضي السورية في الشمال والشرق، وإنشاء مليشيات موالية لها من الأكراد وسواهم، لاستمرار الحرب، وبالتالي استمرار احتلالها للجزء الغني بالنفط والغاز من أراضي سورية، كي تضمن لها دوراً مؤثّراً لها في التسوية السياسية، وتطالب بحصتها من الكعكة السورية، وتحديد مستقبل سورية ما بعد الحرب.

كما ستساعد هذه المنطقة التي تحتلها الولايات المتحدة في سورية على تأمين معقل لها في المشرق، والتأثير على علاقات روسيا بحلفائها الإقليميين. فقد عملت الإمبريالية الأمريكية على دعم الارهاب واحتواء تنظيم "داعش" الإرهابي في التنف بحيث أصبحت المنطقة هناك محمية للإرهاب ينطلق منها لتنفيذ عملياته الإرهابية في أرجاء سورية والتي كان آخرها المجازر الوحشية التي قام بها داعش الارهابي العام الماضي، بحق المدنيين في محافظة السويداء تحت نظر ومسمع القوات الأمريكية المحتلة للمنطقة.‏

وتعي القيادة السورية أنَّ التطورات الإقليمية والدولية أصبحت أكثر وضوحًا وهي تصب في مصلحة الدولة الوطنية السورية، وأنَّ مصير الجماعات الإرهابية المسلحة الدخيلة على سورية، والميليشيات الارهابية الموالية لتركيا، وبعض الجماعات الإرهابية المدعومة أمريكيا، شرقي الفرات، هو الهزيمة المحتومة على يد الجيش العربي السوري والحلفاء، لا سيما بعد أن أصبحت الولايات المتحدة خارج المعادلة السياسية في سورية، ولم تعد تقدم أي شيء يُعَوِّلُ عليه لدى مرتزقتها من الإرهابيين، بل إنَّ همَّ رئيسها دونالد ترامب اليوم هو استحلاب المليارات من الدولارات من دول النفط الخليجي.

فالجيش العربي السوري وحلفاؤه بدأ منذ نهاية شهر نيسان/أبريل 2019 في تطبيق استراتيجية القضم لتحرير محافظة إدلب من رجس الارهاب، وفي الفترة الأخيرة حرّر مدينة خان شيخون الاستراتيجية، وبات على مشارف مدينة إدلب.‏ ومن جهتها أكدت موسكو أنّ من بين إنجازات القمة الثلاثية الجديدة التي عقدت يوم الإثنين 16سبتمبر 2019في أنقرة، وحضرها قادة الدول الثلاثة: فلاديمير بوتين عن روسيا وحسن روحاني عن إيران، ورجب طيب أردوغان عن تركيا، اتفاق القادة الثلاثة على تشكيل لجنة مكلفة بإعادة كتابة الدستور السوري، كجزء من الحل السياسي للأزمة السورية، التي دخلت عامها التاسع الآن.

وتُعَدُّ روسيا وإيران حليفتين أساسيتين للدولة الوطنية السورية، بينما تدعم تركيا الفصائل السورية الإرهابية التي تنفذ المخطط الأمريكي- الصهيوني- الرجعي العربي في المنطقة. وتعمل تركيا على إيقاف تقدم الجيش العربي السوري في إدلب تحت ذريعة منع المزيد من تدفق اللاجئين نحو تركيا، بينما تسعى الدولة الوطنية السورية لتحرير كل محافظة إدلب التي يسيطر عليها الإرهابيون المدعومون من تركيا والإمبريالية الأمريكية، وسحب أنقرة قواتها من نقاط المراقبة الـ 12 التي أقامتها تركيا في إدلب في منطقة خفض التصعيد المتفق عليها بين أنقرة وموسكو وطهران، في حين يحاول أردوغان الحفاظ على نفوذه في سورية لضمان دور في أي مفاوضات بعد انتهاء الحرب.

وسعت تركيا خلال القمة لإقامة منطقة سيطرة داخل سورية لاحتواء موجة جديدة من اللاجئين من أجل منع وصول أعداد كبيرة منهم إليها، بينما هي تأوي بالفعل 3.6 مليون لاجئ سوري وتتنامى داخلها مشاعر معادية للاجئين. وثمة عنصر آخر يضيف تعقيدًا إلى الوضع، هو دور الولايات المتحدة المستبعدة من صيغة أستانا ولكنَّها تسيطر على أغلب مناطق شرقي سورية بمساعدة أدواتها الأكراد. وتحرص روسيا على دفع الولايات المتحدة خارج سورية وإضعاف علاقات تركيا المتوترة بالفعل مع الغرب.

وتحتاج روسيا لتركيا في سورية، ولكنَّ موسكو تريد إحداث صدع في حلف الناتو بدفع أنقرة وواشنطن إلى مأزق بشأن مسألة المقاتلين الأكراد بوحدات الحماية الشعبية المدعومين من الولايات المتحدة الذين تعتبرهم أنقرة تهديدًا إرهابيًا.

وقد حذر أردوغان بعد قمة أنقرة بأنَّه إذا واصلت الولايات المتحدة تكتيك التأجيل في إقامة منطقة آمنة في شرقي الفرات، فإنَّ بلاده سوف تتخذ إجراء من جانب واحد في غضون "أسبوعين".

وجاءت تطورات الميدان في إدلب مع تأكيد سورية مُجَدَّداً للمبعوث الاممي بأنَّ الدستور هو شأن سيادي يُقَرِّرُهُ الشعب السوري دون تدخل خارجي، فيما تسعى الإمبريالية الأمريكية ليكون الدستور الجديد بوابة حلٍّ يُنْهِي نظام الرئيس بشار الأسد، ويُحَجِّمَ الوجود الروسي المتعاظم في سورية.

مضمون الدستور الجديد

يعني مصطلح "دستور"، "التأسيس أو البناء"، أي التنظيم أو القانون الأساسي، فهو يحيل على مرجعية مفادها البحث عن الأسس الكفيلة بتأصيل وضبط ممارسة السلطة وتنظيم مؤسسات الدولة، وعلى خلفية ذلك يفسر لماذا ارتبط مفهوم الدستور بالدستورية الأوروبية الهادفة، مع مطلع القرن الثامن عشر، إلى إعادة بناء الدولة والسلطة على تصورات فلسفية وآليات تنظيمية جديدة.

يرى الخبراء المتابعون للشأن العام السوري، أنّ الأسئلة بشأن الدستور الجديد لا تزال مطروحة هي: هل يتم اعتماد دستور 2012 وتعديله قليلاً، أم دستور 1950 وتعدله، أم صوغ دستوراً جديداً؟ ويُقِّرُ هؤلاء الخبراء أنَّ لكل دستور مشكلاته، لكن القاسم المشترك بينها كلها إشكالية أساسية، وهي أنها بغالبيتها باستثناء دستور 1950، لم تكن نتيجة مشاركة مجتمعية واسعة ولم تعكس عقداً اجتماعياً حقيقياً للسوريين وإنما تم صوغها بطريقة غير ديموقراطية بشكل من الأشكال. والثغرة الثانية التي لا تجعل تلك الدساتير صالحة لاعتمادها في المرحلة المقبلة أنّها لا تعالج ولا تتطلع إلى آثار الحرب الكبيرة في سورية والتي تحتاج في أي وثيقة دستورية للمعالجة وأهمها موضوع اللاجئين والمصالحة والجيش والقوى الأمنية وعلاقتهم بالدستور والميليشيات وما له علاقة بالملكيات والمشكلات التي حصلت بشأنها خلال الحرب ومسألة العفو والمعتقلين. كما أن الهيئات التي كانت تصوغ الدساتير السابقة والتي كان يفترض أن تكون منتخبة، هي في الغالب معينة، باستثناء دستور 1950، حيث كان هناك انتخاب، ويعتبره بعضهم دستوراً ديموقراطياً بشكل من الأشكال، لكن لا يكفي أن تكون الهيئة التي تريد صوغ الدستور منتخبة وإنما يجب أن تواكب الأمر، خصوصاً بعد الحرب، نقاشاتٌ مجتمعية أوسع وليس على مستوى لجنة الصياغة فقط، لينخرط فيها المفكرون السوريون والمجتمع المدني والأحزاب وقادة الرأي والمجموعات النسائية وكل مركبات المجتمع السوري.

الصراع على الدستور في سورية، مسألة قديمة جديدة، والسبب في ذلك يعود إلى النزاع المتعلق بدور الإسلام في الحياة العامة، في سورية. فقد أثير في القرن الماضي، عندما امتد حكم الملك فيصل في دمشق من 1918 إلى 1920، وأثناء حقبة الانتداب الفرنسي. وتبلور لأول مرّة في فترة الاستقلال في عام 1950 حول مشكلة الدستور. وكان المشروع المحرر حينئذ يتضمن المادة التالية:" لما كانت غالبية السكان السوريين مسلمة فإنّ الدولة تعلن إخلاصها للإسلام ولمبادئه". وقد أثارت هذه المادة انفعالاً شديداً في الأوساط العلمانية والليبرالية المسيحية والمسلمة، المشايعة لإزالة الحدود الطائفية في الحياة السياسية وفي الدولة، هذه العناصر حاولت – بلا طائل- القيام بالضغط لسحب هذه المادة من المقدمة وإحلال صيغة تسوية محلها بأن الإسلام دين رئيس الجمهورية فحسب.

وكانت مقدمة الدستور هذه، عام 1950 تمثل أقرب صيغة دستورية لتصور بلدان عربية أخرى حيث يعلن بأن دين الدولة هو الإسلام، تبنتها سورية. ولم يكن دستور الجمهورية العربية المتحدة في أيام الوحدة المصرية - السورية (1958-1961)، الذي نادى بأن دين الدولة هو الإسلام، نصاً سورياً، حقيقة.

وكان دستور البعث المؤقت سنة 1964 قد احتفظ بصيغة التسوية التي تحدد بأن الإسلام دين رئيس الجمهورية والمستبدلة أحياناً، أو ترافقها صيغة تنص على أن الفقه الإسلامي أهم مصدر للتشريع. وقد أسقط مشروع دستور عام 1973، بدوره، التنويه المتعلق بانتماء رئيس الجمهورية للإسلام، وسنّ أنّ "الجمهورية السورية دولة ديمقراطية شعبية، اشتراكية"، ولم يتخذ الرئيس الراحل حافظ الأسد القرار بالعودة إلى إدخال المادة المتعلقة بدين رئيس الجمهورية إلا بعد أن انفجرت مظاهرات عنيفة في حماة، أمام مكتب فرع حزب البعث (20 شباط/فبراير 1973)، ولم تأت مكانها هذه المرّة من المادة الثالثة، وإنما وردت في المادة 157. وكانت تلك المظاهرات من فعل القيادات المسلمة التقليدية، يقودها فقهاء دين ومفتون وقضاة وموظفون دينيون، يدعمهم الإخوان المسلمون، ويشعرون بطابع الدستور "الإلحادي" وإدخال التنويه المتعلق بدين رئيس الجمهورية.

في سورية، كانت الأكثرية المسلمة تطالب بأن يمنح الدستور رسميًا مكان دين الدولة للإسلام، كما كان الحال في دساتير العراق، ومصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، وليبيا. وما كانت قد حُذفت ثم أعيد إدراجها - وهي الصيغة المتعلقة بدين رئيس الجمهورية - كانت الأكثرية تعتبرها حدّاً أدنى.

وعلى النقيض من ذلك، كانت مختلف الأقليات، من مسيحيين وعلويين ودروز يعارضون هذا الاعتراف الرسمي، الذي يكرس، إذا صح القول، على الصعيد الرمزي، عدم مساواة سياسية - اجتماعية بين الطوائف. فالسعي إلى رمز ذي هدف مساواتي كان ركناً أساسياً لعملهم السياسي. بيد أن الدستور وحده لا يكفي لاكتساب الدولة المشروعية المطلوبة، بل تصبح المشروعية حقيقة مقبولة حين تتعزز وثيقة الدستور بالاحترام وتحاط بالشروط الكفيلة بضمان صيانتها، أي حين تتحقق الشرعية الدستورية.

إن ما يميز الدستور الديمقراطي ويجعله جديرا بهذه الصفة استناده على جملة مقومات تضفي صبغة الديمقراطية عليه، وتبعده عن الدساتير الموضوعة إما بإرادة منفردة، كما هو حال الدساتير الممنوحة، أو عبر استفتاءات مفتقدة إلى شروط الاستقلالية والحياد والنزاهة. لعل أهم مقومات الدستور الديمقراطي:

أولاً: تأسيسه على مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية والتسليم بأن الشعب مصدر السلطات ولا سيادة لفرد أو قلة عليه.

ثانياً: حكم القانون.

ثالثاً: أن يحترم فيه فصل السلطات.

رابعاً: تؤكد فيه الحقوق والحريات.

خامساً: أن يتم الاعتراف بالتداول السلمي للسلطة بين الأغلبية والمعارضة. هذا بالإضافة إلى الطريقة التي يوضع بموجبها الدستور من قبل جمعية وطنية تأسيسية منتخبة.

إذا كانت هذه هي ميزة الدستور الديمقراطي الذي يعبد الطريق لولادة دولة دستورية حقيقية، فإن ّمشروع الدستور في سورية، يجب أن يكون نتيجة مشاركة مجتمعية واسعة تعكس عقداً اجتماعياً حقيقياً للسوريين، ويتم صوغه بطريقة ديموقراطية داخل سورية ومن دون تدخل أطراف أجنبية، لكي يكون أهم ركيزة أساسية للدولة الوطنية الديمقراطية السورية.

يكاد لا يخلو أي دستور دولة عربية من الإشارة الواضحة إلى بنوده المتعددة إلى احترام المؤسسات، واحترام القانون، والحريات الفردية والعامة، والتداول السلمي للسلطة. ومع كل ذلك، فإنَّ الباحثين السياسيين وعلماء الاجتماع المهتمين بتأصيل فلسفة سياسية عقلانية عن الدولة الحديثة والمجتمع المدني في الوطن العربي يعتقدون جازمين أنَّ المؤسسات وأشكال التمثيل السياسية مأزومة، بدءاً من دور البرلمان، الذي لم يعد يتحكم بجدول أعمال جلساته، مروراً بشخصنة النقاشات عبر لعبة الانتخابات الرئاسية، أو من خلال إفراغ فصل السلطات من معناه.

وحين نتأمل في أحوال الدولة العربية الراهنة، فإنَّنا نجدها متماثلة مع السلطة، بما أن هذه الدولة على الرغم من أنها ذات دستور، تقلصت إلى حدود العاصمة بحكم مركزية السلطة فيها، وبالتالي فهي دولة هذه العاصمة، لا دولة الأمة ولا دولة الوطن، وهي ليست دولة جميع المواطنين المتساوين أمام القانون، بل هي دولة متحيزة لحزب مهيمن أو لطبقة، أو لدين أو لطائفة أو لإثنية أو لإقليم بعينه. وهنا يكمن الفارق بين دولة عربية ذات دستور وبين دولة دستورية. فالدولة الدستورية هي تلك الدولة التي تقوم قولاً وفعلاً على احترام الحرّية السياسية باعتبارها أصل الحرّيات وشرط تحققها، فبانعدامها تتعذر ممارسة "حرية الفكر والعقيدة والتملك" على حد قول مونتسكيو. والحرية السياسية لا توجد إلا في ظل الدول التي تحترم القانون، بينما الدولة العربية ذات الدستور، فتلك التي تنتهك القوانين والأنظمة السائدة، لمصلحة النخبة الحاكمة، وتصادر الحرّيات وتعرضها للضرر والانتهاك، وترفض أيضاً إقامة نوع من التوازن السياسي عبر الالتزام بمبدأ فصل السلطات، بوصفه أداة فنية تجعل التعايش بين المؤسسات الدستورية أمراً ممكناً، ووسيلة للتوفيق بين المشاريع المتنافسة والمتصارعة داخل المجتمع السياسي. وهذا هو مصدر نشوء الاستبداد في التاريخ السياسي العربي المعاصر.

خاتمة

إنّ أي وثيقة دستورية سورية يجب أن تكون المرآة العاكسة لهوية الدولة الوطنية الديمقراطية والعلمانية، التي ترفض المس بوحدة البلاد وسلامتها الإقليمية، وترفض إحداث تغييرات جذرية في شكل الدولة السورية وطبيعتها، وعروبتها، لأن الموجودين حول طاولة المفاوضات من المعارضة لا يمكنهم أن يقولوا إنّهم الناطقون باسم كل الشعب السوري، ما يخولهم القيام بمثل هذه التغييرات الكبرى. قد يتحدثون عن لامركزية إدارية أوسع وغير سياسية على الأقل في المرحلة الحالية، والحدّ من السلطة المطلقة للسياسيين. وفضلاً عن ذلك، لا يمكن بناء حالة ديموقراطية حقيقية فيها تنافس بالعودة إلى صناديق الاقتراع في المرحلة الانتقالية، لذلك يصبح مُلْزماً الاعتماد على نوع من الديموقراطية التوافقية وتكون خاضعة للنص السياسي، على أمل الانتقال إلى الديموقراطية التنافسية بعد مرحلة انتقالية تتوافر فيها الحوامل الاجتماعية والسياسية للديمقراطية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد