مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

الانتخابات التشريعية التونسية والخوف من المجهول المعلوم القادم

توفيق المديني

لا تزال الديمقراطية الناشئة حديثاً في تونس تشق طريقها في ظل عالم عربي محكوم بثلاثيّة بنية العصبيّات الطائفية والمذهبية والعائلية، والفكر الأصولي الديني والاستبداد السياسي. وعلى الرغم من حضور مبدأ المواطنية في هذه التجربة الديمقراطية، فإنّه لم يستطع أن يزحزح الكيانات المعرقلة لبناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة الحضاريّة الحديثة.

فتجربة ثماني سنوات من الانتقال الديمقراطي المتعثر في تونس أظهرت أنّ فكرة الديمقراطية بالصيغة التي جاءت بها أحداث الربيع العربي تبدو غير مقنعة وإن كانت إيجابية في مدى ما. فمادام المشروع الديمقراطي غير مرتبط بحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ورسم أفق جديدة للتنمية المستقلة والمستدامة، وما دام سرطان المحافظة على الأنموذج الاقتصادي والاجتماعي القديم للتنمية الذي لفظ أنفاسه في سنة 2011، بشهادة المؤسسات الدولية المانحة، ومتى أبقي على سرطان الاندماج في نظام العولمة الرأسمالية المتوحشة من موقع الطرف التابع والضعيف في هذا المشروع الديمقراطي التونسي الناشئ، فليس هناك حل لمعضلات الشعب التونسي، لأنَّ الديمقراطية التونسية الناشئة تبدو مشروعاً ديمقراطيًا لفظياً اليوم. لكن المشروع بعمومه يبدو ضرورياً على الرغم من اصطدامه بعقبات أساسية: غياب المشروع الوطني الديمقراطي لإعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وغياب لأي استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد، وغياب كلي لأي أنموذج جديد للتنمية المستدامة من أجل بناء اقتصاد وطني منتج ومستقل.

خوف حركة النهضة من الهزيمة في الانتخابات التشريعية

تحظى الانتخابات التشريعية بأهمية حقيقية، لكن السمة الخاصة لهذه الانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم الأحد 6 أكتوبر(تشرين الأول) الجاري، أنَّها تأتي بعد إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة التي حصلت في 15سبتمبر /أيلول الماضي(بسبب رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي)، وفاز في جولتها الأولى كل من المرشحين قيس سعيد و نبيل القروي، ما جعل المواطنين التونسيين يركزون رهاناتهم على الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي قاد إلى فقدان الانتخابات التشريعية بريقها وجاذبيتها، من دون التنكر لأهميتها في تشكيل المشهد السياسي العام في البلاد، خلال السنوات الخمس القادمة، لأنَّ الحكومة المنبثقة عن البرلمان هي التي تضبط السياسات العامة للدولة - باستثناء ما يتعلق بالسياسة الخارجية والدفاع - بوصفها من صلاحيات رئيس الجمهورية.

والحال هذه يتوجه يوم الأحد 6 أكتوبر أكثر من7 ملايين ناخب تونسي لانتخاب أعضاء البرلمان الجديد المتكون من 217 مقعداً، إذ من بين 1572 قائمة ترشحت للانتخابات التشريعية سيكون التونسيون يوم الأحد القادم في مواجهة 722 قائمة قدمت نفسها بصفتها مستقلة، والقائمات المستقلة تعني هنا عدم الانتماء إلى أحزاب سياسية، ومن دون خلفيات إيديولوجية، حسب المروجين لها.

يجمع المحللون التونسيون أنّ تداعيات الانتخابات الرئاسية ستكون شديدة على الانتخابات التشريعية، لجهة أنّ التسونامي الذي حصل في الدور الأول للانتخابات الرئاسية وضرب بقوة مرشحي الأحزاب المركزية المنتمية إلى المنظومة القديمة(السيستام)سيواصل موجته العاتية في الانتخابات التشريعية، وسيقود إلى فوز أحزاب جديدة، وعدد كبير من المستقلين.

الغنوشي والعودة إلى الاستثمار في "خطاب الثورة "

الهزيمة التي مني بها مرشح حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية، جعلت رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي ينزل إلى الميدان ويقوم بجولة في كامل محافظات الجمهورية لتقديم الدعم لمرشحي حركته في مناطقهم (جهاتهم)من خلال مشاركتهم في الاجتماعات الشعبية التي ينظمونها طلبا لتجديد ثقة المواطنين في حركتهم في الانتخابات التشريعية، لا سيما أنّ كل المؤشرات تدل على أن النهضة قد تتعرض لهزيمة جديدة في الانتخابات البرلمانية، وبالتالي لن تصبح حزب الأغلبية في البرلمان.

وعلى الرغم من أن حركة النهضة تنتمي إلى منظومة الحكم القديمة طيلة السنوات الثماني الماضية التي تعرضت تصويت عقابي في الانتخابات الرئاسية، فإنَّ الشيخ راشد الغنوشي اعتمد في جولته الانتخابية خطاباً راديكالياً ثورياً، واستخدم مفاهيم  دينية، ليغازل من خلالهما أغلب الغاضبين من النهضة الذين صوتوا للمرشح قيس سعيّد، ومجموعات الثورة، والمجموعات الإسلامية الراديكالية، بهدف استرجاع أبناء حركة النهضة  والمتعاطفين معها دون أن تفقد خزانها الانتخابي المنضبط، وبهذا كسب دعمها في الانتخابات التشريعية لتتمكن حركة النهضة من داخل البرلمان إلى إيصال مشروعها إلى آخره. وبما أنّ جزءًا من قاعدة النهضة، إضافة لشباب الثورة المحبطين والناقمين على منظومة الحكم القديمة صوتت لمصلحة المرشح قيس سعيد بالرئاسية في دورها الأول، جاء خطاب الغنوشي ليؤكد مناصرة هذا الأخير في الدور الثاني ويضع منافسه القروي في خانة خصوم النهضة وأعدائها السياسيين ذلك أن القاعدة النهضوية كانت - حتى قبل الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية - تهاجم القروي وتتغزل بسعيد. وبالمقابل يدعو الغنوشي للتصويت لحركة النهضة لتفادي كل تصادم سواء داخل المجلس التشريعي أو بين رأسي السلطة التنفيذية.

وعبر الغنوشي في مختلف الاجتماعات الشعبية عن اعتزام حركته التحالف هذه المرّة مع القوى الثورية والمضي إلى البناء الاقتصادي والاجتماعي والتنمية كما يعكسه شعارها للتشريعية "العدل أساس العمران". ويتمثل أحد أركان برنامج حركة النهضة في إرساء هيئة وطنية للزكاة من أجل محاربة الفقر والبطالة وإحداث التنمية. وهذه النقطة الأخيرة بالذات تثير حولها أكثر من نقطة استفهام نظرًا للبعد الديني لمسألة الزكاة التي شرّعها الاسلام وجعلها فريضة من فرائضه وبعدها عمّا تفرضه الدولة المدنية من جباية(الضرائب) وكأن بالغنوشي عاد الى خطابه الديني ومرجعيته الاخوانية وجاء اليوم ليمرر برنامجها في المجتمع التونسي.

وتُعَدُّ هذه الخطوة مهمة جداً من جانب رئيس حركة النهضة، لكي يكسب القاعدة الراديكالية لحركة النهضة التي ذهبت أصواتها في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية للمرشح قيس سعيد، ولكي يذكر الجماعات الاسلامية المتشددة بأنه لا يزال متمسكاً ببناء الدولة الإسلامية، وما دخوله في منظومة الحكم القديمة وقبوله بمسألة الدولة المدنية والديمقراطية سوى خطوة تكتيكية تدخل في اتباع سياسة المراحل من جهة ومحاولة منه لتجاوز الحملة المضادة له حتى يتمكن من التمركز في البلاد ويتغلغل في مفاصل الدولة حتى ينطلق في تطبيق مشروعه وهو أسلمة المجتمع حتى لا يقال أخونته.

ويأتي ترشح راشد الغنوشي في الانتخابات التشريعية في دائرة تونس 1 بهدف الوصول إلى رئاسة البرلمان التونسي لكي يتمتّع بالحصانة البرلمانيّة (ولاسيّما أنّ حركة النهضة أصبحت مُحاصَرة بقضايا عدّة، أبرزها قضيّة "الجهاز السرّي" وعلاقته بالاغتيالات السياسيّة، وقضيّة تسفير الجهاديّين التونسيّين إلى بؤر التوتّر.

ففي ضوء المؤتمر القادم لحركة النهضة، لن يستطيع راشد الغنّوشي أن يبقى رئيساً للحزب، بحُكم عامل السنّ، والقانون الأساسي للحزب الذي يؤمن بالتداول على قيادته. لذا حرصت "حركة النهضة" على الزجّ بزعيمها راشد الغنّوشي للبرلمان كي يتبوّأ منصب رئاسته، ويُمارس من خلاله حياته السياسيّة، بدلاً من إحالته على التقاعد. ثم إنّ وصول الغنّوشي إلى البرلمان، وترأُّسه المتوقَّع للمجلس النيابي، يشير إلى استمرار سياسة التوافُق التي باتت تكرِّس نِظام الحُكم المُعولَم في تونس، من خلال هَيمنة القوى الإقليميّة والدوليّة على القرار السيادي التونسي، إذ تتولّى النهضة بمُقتضاها رئاسة المجلس النيابي القادم الذي يُعَدُّ في النظام البرلماني السلطة الأصلية ومنه سيمرّر مضمون مشروعه المذكور، ويفرغ الدستور الجديد من طابعه الديمقراطي بالتدرج حتى يصبح خالياً من المحتوى المدني وهو ما سيوصل البلاد الى معركة عقائدية حول الهوية علما وأن عودة الحديث عن الثورة وموجة العنف التي رافقتها، فإن المقصود به بالنسبة الى الحركات الدينية هو "الثورة الدينية".

السيناريوهات المطروحة في ضوء فسيفساء التشتت

الانتخابات التشريعية في 2019، تختلف كثيرا عن الانتخابات التشريعية التي حصلت في سنة 2011، وكذلك في سنة 2014، فما يمكن استنتاجه من خلال نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي شكلت هزيمة كبرى لأحزاب المنظومة القديمة(السيستام)، أنّ سياسة التوافق التي حصلت مع بداية سنة2015، بين حزب "نداء تونس" العلماني الذي كان يمتلك 86مقعدا في البرلمان، وحزب "النهضة الإسلامي" الذي كانت كتلة النيابية تحتل المرتبة الثانية بنحو 69 مقعداً، قد انتهى رسمياً منذ ربيع سنة2018.

أما في البرلمان الجديد الذي سينبثق عن الانتخابات التشريعية الحالية، فإنّ معظم آراء الخبراء والمحللين، واستطلاعات الراي، ترجح فوز حزب "قلب تونس" الذي يتزعمه المرشح الثاني في الانتخابات الرئاسية نبيل القروي، بالمرتبة الأولى. وستحتل حركة النهضة المرتبة الثانية، بعدد من النواب أقل من 50نائبًا، أي أضعف من كتلة 2014.

حال البرلمان التونسي المقبل سيكون عبارة عن فسيفساء من الكتل في برلمان مشتت لا يبلغ أقواها حاجز العشرين مقعدا، وقد يكون الاستثناء لكتلة "قلب تونس" المتوقع أن تتجاوز حاجز العشرين مستفيدة من مرور رئيس الحزب نبيل القروي إلى الدوري الثاني.

يتوقع المراقبون أن تسفر نتائج الانتخابات التشريعية عن تشكل كتلتين برلمانيتين هما "قلب تونس" و"حركة النهضة" أقوى من باقي الكتل البرلمانية. وفي هذه الحالة، حتى لو تحالفت كتلة "قلب تونس" مع كتلتين أو أكثر، فإنَّها لن تشكل أكثرية برلمانية تمكنها من تشكيل الحكومة. والأمر عينه ينطبق أيضاً على كتلة "حركة النهضة".

المستقلون فرصة للإصلاح أم أوهام ثورية تصطدم بالوقائع العنيدة

برزت القوائم المستقلة بقوة في الانتخابات البلدية التي جرت في شهر مايو 2018، وحققت فوزاً انتخابياً مُهِماً، على أمل أن يسهم في تدعيم الحكم الديمقراطي المحلي، واللامركزية الإدارية. لكنَّ في الديمقراطية التمثيلية الحديثة تظل الأحزاب السياسية تلعب دوراً مركزياً في ديناميكيتها الداخلية.

ونعود إلى تجربة المستقلين الذين خاضوا تجربة الانتخابات في مايو 2018، أو الذين بصدد دخولهم في تجربة الانتخابات التشريعية لخريف 2019، هل هم فعلاً يشكلون كيانًا حقيقيًا ينتمي إلى حراك المجتمع المدني الحديث المتمرد على سطوة الأحزاب السياسية المركزية. علماً أنّ البرلمان هو مؤسسة سياسية بامتياز وهذه المؤسسة ركيزتها الأحزاب التي تتكون من مجموعة معروفة ذات تاريخ وبرامج ورؤى وخلفيّة ولها مشاريع، في حين كل ذلك غير واضح بالنسبة الى المستقلين وبالتالي المغامرة بالمستقلين في البرلمان مغامرة غير محسوبة العواقب. فالعملية الديمقراطية قامت على ديناميكية الأحزاب السياسية. ولكن في ظل تراجع الأحزاب الإيديولوجية الكبرى التي عرفها القرن العشرين من الليبرالية والماركسية والقومية والإسلامية على الساحة العربية عامة، وتونس على وجه الخصوص، بحكم، تداعيات العولمة الليبرالية المتوحشة التي توخت استراتيجية التفكيك وإعادة التركيب للدول الوطنية، ولكل الكيانات السياسية و النقابية العريقة، لا سيما في الوطن العربي، انتعشت في تونس مع تفجر الثورة في سنة2011 ظاهرة المستقلين، كتعبير عن حالة اليأس والإحباط وانعدام الثقة في الأحزاب الإيديولوجية والسياسية التي قبرت الثورة و التغيير الاجتماعي الراديكالي في مقبرة التاريخ.

يرى بعض المراقبين في تونس إن هذا العدد الكبير من المترشحين للانتخابات التشريعية الحاملين لصفة "مستقلين"، والباحثين عن مقعد في البرلمان بما له من امتيازات وصلاحيات يثير الكثير من الريبة على الجانب الآخر وذلك لعدة أسباب:

أولا: إنَّ إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب سياسية مركزية جديدة، وإلى قيادات وطنية حديثة، ولا يمكن أن يضطلع بهذا الدور مستقلون مهما ادعوا الطهر الثوري، ولم يمارسوا العمل السياسي، ولم ينخرطوا سابقا في المنظومة الحزبية، بل يركزون على ثروات البلاد المنهوبة من بترول وملح وفسفاط وتحمّل المستعمر المسؤولية، ويتبنون شعارات الثورة ومحاربة الفساد وتشغيل الشباب العاطل عن العمل، ويلعنون الأحزاب والحكام.... وعلى الرغم من أهمية دور الشباب في صنع الثورة، فإنَّ هؤلاء عجزوا عن بناء حزبهم الثوري في زمن الانتقال الديمقراطي، وتحول قسم منهم إلى تشكيل قائمات مستقلة هي في حقيقة الأمر ليست سوى واجهة لأحزاب سياسية أيقنت أنَّ فشلها آتٍ لا محالة على الرغم من ترويجها لعكس ذلك، فاختارت المخاتلة والمغالطة عبر بوابة المستقلين، ولأحزاب إسلامية متشددة خارجة عن القانون لها مشاريعها التي فشلت في فرضها على المجتمع من خارج الصناديق، فلجأت للديمقراطية لتكتسح بها مؤسسات الدولة  علَّها تَبْنِيَ "الدولة الإسلامية" التي حَلِمَتْ بها منذ سنوات.

ثانياً: إنَّ القائمات المستقلة لا تضم بالضرورة مستقلين إذ نجد فيها متحزبين غاضبين لم ترشحهم أحزابهم على قائماتهم أو لم تترشح أحزابهم أصلاً، فَخَيَرُّوا تشكيل قائمة أطْلَقُوا عليها بشكل انتهازي صفة "المستقلة".

ثالثاً: لقد أثبتت التجربة طيلة السنوات الأخيرة أنَّ الاستقلالية خدعة كبيرة انطلت على التونسيين لا صلة لها بأرض الواقع فكم من مستقل خلناه كذلك لكنَّ الأيام أثبتت أنّ استقلاليته لم تكن إلاّ كذبة.... كم من وزير دخل الحكومات المتعاقبة على قصر القصبة منذ سنة 2011 بصفة مستقل ثم ثبت وثبّت انتماءه بعد ذلك لأحد الأحزاب الحاكمة وهنا نتحدث خصوصاً عن حركة النهضة.. كم من مدير ومن مسؤول تم تعيينه في منصب حساس بدعوى استقلاليته لكنَّه لم يكن كذلك ففعل ما فعل خدمة لطرف سياسي معين... كم من قائمة أوهمتنا بأنها مستقلة تم انتخابها في البلديات ولكنها لم تكن مستقلة... ولم يقرّ رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بأن حزبه هو من أوصل مرشح الرئاسة قيس سعيد للدور الثاني وهو الذي قدّم للتونسيين كمستقل؟.

رابعاً: إنَّ القادمين الجدد إلى البرلمان سيصطدمون بالوقائع الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها تونس طيلة السنوات الثماني الأخيرة، ومنها مديونية مرتفعة تكاد تناهز 80% من الناتج المحلي الاجتماعي ونفقات عمومية لا يمكن التصرف فيها بالتقليص وخدمة دين تجاوزت 9 مليار دينار وموارد جبائية، على الرغم من ارتفاعها المطرد غير قادرة – لوحدها - على التقليص من نسق ارتفاع المديونية.. وكانت نتائج الاقتصاد الكلي مفزعة وخاصة في مستوى نسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي التي بلغت 0% خلال الثلث الأول من سنة 2019 بالأسعار القارة لسنة 2010 فضلاً عن تراجع أداء القطاع الصناعي خلال نفس الفترة، إضافة لزيادة المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد لسنة 2019 ليراجع صندوق النقد الدولي نسبة النمو نحو التخفيض من 3.1% مقدرة في ميزانية الدولة لسنة 2019 إلى 1.8%.

خامساً: إنّ النواب المستقلين الذين ستتشكل منهم السلطة الجديدة، إضافة إلى الكتل البرلمانية المنتمية إلى الأحزاب السياسية، سيجدون أنفسهم في مواجهة عجز تجاري سيتجاوز في هذه السنة عتبة عشرين مليون ديناراً، وعجز في ميزان الدفوعات على الرغم من موسم سياحي ممتاز، وتغول الاقتصاد الموازي، حيث قدّر الخبير في الدفاع الشامل طه الشتيوي خسائر الدولة الناجمة عن تغول الاقتصاد الموازي بنحو 25 ألف مليار كل عام. وهي مبالغ مرشحة للارتفاع إذا لم يقع إيقاف النزيف. حيث لا تأخذ بعين الاعتبار خسائر الصناديق الاجتماعية الناجمة عن تضخم عدد العاملين في الأنشطة الموازية.

وتابع الشتيوي قائلاً: أنّه خلافاً للأرقام الرسمية وتقديرات المنظمات المالية الدولية فإنّ حصة الاقتصاد الموازي تعادل 75٪ من الدورة الاقتصادية ملاحظاً أن النسب المتداولة لا تأخذ بعين الاعتبار السلع التي تورد بتصاريح توريد مغلوطة من حيث القيمة. ثم تروج في المساحات التجارية وغيرها على أساس أنها بضائع نظيفة وكذلك سلع الشركات المنظمة التي تروج دون فوترة في المسالك الموازية. وأشار في السياق ذاته إلى أن الحدود بين القطاعين الموازي والمنظم لم تعد واضحة في خضم اضطرار العديد من المؤسسات المنظمة إلى التعامل مع المسالك الموازية لتأمين قدر من التوازن المالي يضمن استدامة نشاطهما. كما أشار إلى أن حجم الأموال المتداولة في المسالك الموازية يزيد في تعقيد مسؤولية الأجهزة المعنية بالأمن القومي. كما يفرز مناخاً يتعارض مع شفافية الانتخابات خصوصاً في خضم توسع مساحات الفقر والتهميش.

خاتمة: إذا ما انتخب المرشح قيس سعيد في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم الأحد 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فستكون له سلطة مضادة في إطار مجلس نواب الشعب (البرلمان)، الذي سيكون عبارة عن فسيفساء سياسية، ولن تكون فيه أغلبية لأي طرف.

وفضلاً عن ذلك، فإنّ هذه الانتخابات الرئاسية لن تكون شفافة، بسبب عدم تكافؤ الفرص بين المترشحين الإثنين للانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها في دورها الثاني (قيس سعيد ونبيل القروي).

فقد اتخذ القضاء موقفه ورفض كلّ المطالب المقدّمة للإفراج عن نبيل القروي، ونعتقد أنّ القضاء التونسي يتحمل مسؤولية تاريخية في وجود هذا الوضع الانتخابي الشاذ بوجود مترشّح في السجن وآخر طليق ويقوم بحملته الانتخابية ويتنقّل بين المنابر الإعلامية على الرغم من أنّ الخطأ ليس خطأه، لأنَّه قد أخلّ بمبدأ الشفافيّة. فكان بإمكان القضاء أن لا يَظَّلَ سَجِينَ الزاوية الإجرائية الضيقة، وأنْ يُرَاعِيَ مصلحة البلاد واستقرارها، وأنْ يُخْرِجَ القروي من السجن، باعتباره الحل الوحيد الذي سيضع حدّاً لمسألة عدم تكافؤ الفرص.

إنّ المزاج الانتخابي العام في تونس يميل إلى معاداة منظومة الحكم القديمة، ولا يمكن للنهضة أن تتخلص من هذه التهمة إلا عبر خيار مساندة قيس سعيد باعتباره معادياً "للسيستام"، ولأنَّه أيضاً لا يملك حزباً، قد يعقد معها صفقة، فينفذ سياستها مقابل تمكينه من حزام سياسي وبرلماني وبهذا يمكن أن يصبح تابعا لها على خلاف القروي المحمي بحزبه.

إنَّ هزيمة محتملة للمترشح نبيل القروي ستفتح الباب على مصراعيه للشك في نزاهة الدور الثاني ومن ورائه في كل العملية الانتخابية في البلاد.. فهل إنّ تونس مقبله على الدخول في نفق المجهول - المعلوم القادم، ألا وهو عدم الاستقرار السياسي والمؤسساتي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد