مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

العدوان التركي على شمال سورية واستهدافاته

توفيق المديني

مع الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين الماضي انسحاب قواته من شمال شرقي سورية - وهو بالمناسبة قرار متّخَذٌ منذ 18 ديسمبر 2018 وقد ماطلت به إدارة ترامب قرابة العام إرضاءً لبعض حلفائها في المنطقة ومنهم الكيان الصهيوني والنظام السعودي –..

حتى بدأ النظام التركي بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان بغزو عسكري في منطقة شرقي الفرات، بغية محاربة مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، وسواهم من المقاتلين المنضوين تحت مسمّى قوات سورية الديمقراطية "قسد"، وهي ميليشيات انفصالية تخلت عنها الإمبريالية الأمريكية مؤخراً.

فشل المشروع الأمريكي وراء قرار الانسحاب

ويأتي قرار الانسحاب الأمريكي من سورية بعد أن أدركت الإمبريالية الأمريكية أنَّ مشروعها بإسقاط الدولة الوطنية السورية هُزِمَ. فقد مرّ قرار الانسحاب الأمريكي بثلاث مراحل. في الأولى كان بالرهان على النجاح في إدارة الحرب على "داعش" بما يضمن تدحرجها في الجغرافيتين السورية والعراقية، وقد أفشله محور المقاومة بانتصاره في معارك الموصل ودير الزور والبادية وتدمر. والثانية بالرهان على مقايضة الوجود الأمريكي بالوجود الإيراني والمقاوم في سورية ضماناً لأمن الكيان الصهيوني كشرط من شروط التسوية التي تقبل بها واشنطن في سورية، وقد سقط رهان المقايضة نهائياً، واقتنع الروس بأن لا إمكانية لبحث وجود إيران وقوى المقاومة ما دام الجولان السوري محتلاً، ويعلن كيان الاحتلال ضمه وتؤيده واشنطن في ذلك. أما المرحلة الثالثة فكانت الرهان على عقدة إدلب بوجه تقدّم مشروع الدولة السورية لفتح استحقاق الخروج الأمريكي، على قاعدة أن إدلب كآخر معقل للمسلحين والوافدين من الإرهابيين وللأتراك ستشكل تغييراً في وجهة الحرب التي كتبتها معارك حلب وما بعدها وصولاً إلى درعا، حتى قالت معركة خان شيخون العكس، فصار قرار الانسحاب على الطاولة راهناً.

ويأتي الانسحاب الأمريكي بعد أن أدركت الولايات المتحدة أنَّ روسيا الحليفة القوية لسورية قد حققت بالذات نجاحاً كبيراً في جعل نفسها على قمة الديناميكيات الرئيسية في الشرق الأوسط، والحرب في سورية هي واحدة من أمثلة كثيرة، حيث تقوم موسكو بالحل والعقد. كما يأتي الانسحاب الأمريكي من شمال سورية بعد أن دمرت الإمبريالية الأمريكية منطقة الشرق الأوسط بالحروب والنزاعات والفوضى "الخلاقة" التي جاءت بها مقولة الحرب على الإرهاب من خلال الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر 2001، واحتلال  العراق في مارس 2003، واستكملته بما يسمى أحداث "الربيع العربي" التي نشرتها في العديد من البلدان العربية، وهو سيناريو الفوضى الهدامة، التي تعهدت الجماعات الإرهابية التكفيرية المدعومة أمريكياً وإقليمياً وصهيونياً بتنفيذه، من أجل إسقاط الدول الوطنية  في الوطن العربي، وإعادة تقسيمه إلى دويلات طائفية وعرقية.

 ومع إدراك إدارة الرئيس ترامب أنّ سياسة الولايات المتحدة المشوشة والمتناقضة لسورية أثبتت عدم فعاليتها، قامت باتخاذ مقاربة نشيطة وفاعلة للصراع في سورية، تقوم على الانسحاب من سورية بعد فشل استراتيجيتها العسكرية حين استخدمت قوات ومقاربة تقليدية في الحرب على الإرهاب، وإهمال عيوب قوات سورية الديمقراطية "قسد"، وذلك بعد دعم كامل لهذه الميليشيات، وتشجيعها على خلق حالة إضافية من الفوضى في الميدان السوري حيث ارتكبت هذه الميليشيات الفظائع بحجة مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، والسماح  للخلافات مع تركيا أن تحدث تمزقاً في تحالف الناتو، وخلق أجواء من التوترات المتزايدة بين أمريكا وإيران في الخليج.

فقد اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له يوم الأربعاء الماضي، بمقتل الملايين بالشرق الأوسط وبغزو العراق وفقاً لمعلومات خاطئة. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنَّ بلاده لم يكن يفترض أن تتواجد في الشرق الأوسط، واصفاً حروب المنطقة بأنَّها "غبية لا نهاية لها". واعتبر ترامب، أنَّ الحروب الجارية بين مختلف المجموعات بالمنطقة "مستمرة منذ مئات السنين". وأضاف أنَّ الولايات المتحدة "لم يكن عليها التواجد بالشرق الأوسط". وتابع: "لقد سحبت جنودنا الخمسين. ويتوجب على تركيا أن تتحمل مسؤولية مقاتلي تنظيم الدولة المحتجزين، الذين ترفض أوروبا عودتهم إليها". وشدَّدَ على أنَّ "الحروب الغبية التي لا نهاية لها قد انتهت بالنسبة لنا".

وفي سلسلة تغريدات في الإطار ذاته، قال ترامب إنَّ َالولايات المتحدة أنفقت 8000 مليار دولار في حروب المنطقة، كما قتل وأصيب الآلاف من جنودها. وتابع أن الملايين قتلوا أيضاً "على الجانب الآخر"، في إشارة إلى شعوب المنطقة، مؤكداً أن "الذهاب إلى الشرق الأوسط هو أسوأ قرار تم اتخاذه على الإطلاق". واعترف ترامب أن بلاده اتخذت قرار الحرب بناء على معلومات خاطئة بشأن "أسلحة الدمار الشامل"، في إشارة إلى غزو العراق عام 2003، مشدداً على ضرورة سحب القوات الأمريكية بحذر والتركيز على جعل الولايات المتحدة "أعظم من أي وقت مضى".

أمريكا تتخلى عن ميليشيات "قسد" الانفصالية

لقد ارتكب الأكراد في كل من العراق وسورية أخطاء تاريخية أكانوا مدركين أو مندفعين فقط وراء أهدافهم من دون أنْ يَعَوْا أنَّ اللعبة الأمريكية يمكن أن تنقلب عليهم. ففي شمال سورية، قررت تركيا تصفية وجود البنية القتالية الكردية في جيب عفرين عبر عملية "غصن الزيتون"، إذ استوجب أيضاً إنهاء الوضع الذي أسسه الـ "بي كي كي" (حزب العمال الكردستاني) وفرعه السوري. فالدول رسمت خرائطها وباشرت تنقيحها بعدما حدّدت أهدافها وخياراتها، ولم يكن متوقّعاً أن تحبط روسيا والولايات المتحدة مطالب تركيا إلى ما لا نهاية أو أن تواجها أنقرة وتُخضعا مصالحهما للطموح الكردي بالتمدّد إلى البحر المتوسّط.

لقد أفسح الانسحاب الأمريكي من شمال شرق سورية في المجال لما خطط له أردوغان منذ فترة طويلة لمحاولات شنّ عدوان تركي على الميدان السوري بحجة القضاء على ميليشيات "قسد "الكردية التي باتت وحيدة بعدما بدا أنَّ واشنطن -داعمها الأساسي- تخلّت عنها، والقيام بـ "تطهير عرقي" في الجزيرة ممن تصفهم أنقرة بالإرهابيين، فأردوغان يحاول أن يستفيد من هذا الوضع سياسياً، ويعيد القليل من الحياة لشعبيته في الداخل التي باتت في الحضيض.‏ ‏

وكانت الإمبريالية الأمريكية دعمت ميليشيات "قسد" الانفصالية منذ بداية العام 2015، بالمال، أكثر من (500مليوندولار سنويًا) والأسلحة الثقيلة بهدف محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل النظام التركي.

وآخر ما كانت تتوقعه ميليشيا "قسد "الذين طالما فاخّرت واشنطن باستماتتهم في مقاتلة تنظيم داعش الإرهابي إلى جانبها، أن يتخلّى عنها البنتاغون وكان مبرر ترامب جاهزاً حيث قال "لم يكن ذلك بالمجان، فقد دفعت أمريكا لهؤلاء كميات طائلة من الأموال وأمددتهم بالمعدّات اللازمة للمهمة".

يرى المحللون لشؤون إقليم الشرق الأوسط، أنَّ قرار ترامب الصادم والمباغت للأكراد، يأتي مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية عام 2020، ومع تسارع وتيرة الخطوات المتخذة في التحقيق الذي يجريه الديمقراطيون بهدف عزل ترامب في نهاية المطاف. وكان الرئيس ترامب وعد قاعدته الشعبية بالانسحاب ومغادرة منطقة الشرق الأوسط، فعين ترامب الاستراتيجية اختلفت عمّا سبق في المنطقة ومفهوم التحالفات يفرض إعادة الضبط والمراجعة أكثر من أي وقت مضى بالنسبة لترامب.‏‏

من الواضح أنّ الإمبريالية الأمريكية استخدمت الأكراد كورقة وأداة في مرحلة تاريخية معينة، ولتحقيق أهداف محددة، ولم تكن تنظر إليهم على أنهم أصحاب "قضية" (أي إنشاء كيان انفصالي في شمال سورية، أو تأسيس فيدرالية كردية). وها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتنصل من كل تعهدات إدارته تجاه الأكراد، و"منح" أنقرة ضوءاً أخضر لتنفيذ مشروعها بإنشاء "منطقة آمنة"، ترى تركيا أن تكون بعمق ثلاثين كيلومترا وطول يقارب الخمسمائة كيلومتر على امتداد الحدود.

فالرئيس ترامب يتعامل بعقلية التاجر والمقاول، أي بعقلية الربح والخسارة، أي أنَّ الحليف المكلف مادياً لا يريده. ولهذا السبب، لا عجب أن يتخلى عن ميليشيات "قسد"، ما دام قد تخلى عن شيوخ ماله في السعودية حين نزف نفطهم من أرامكو وقال حينها ترامب: "لا يهمنا الموضوع"، فإذا كان الرئيس الأمريكي ترك "بقرته الحلوب" كما وصف حال السعودية سابقاً فكيف الحال بالنسبة لميليشيا قسد الذين أخذوا من ترامب ما يكفي، فهم لم يتعلموا من الدروس السابقة وهي ليست المرة الأولى التي تطعن واشنطن "حلفائها الاستراتيجيين" (قسد) ففي العدوان التركي الماضي (غصن الزيتون) تركتهم لأنياب السلطان العثماني وانتهى الأمر بطرد ميليشيا قسد من منطقة عفرين.‏‏ وقبل ذلك كان خذلان الأمريكي "للأكراد" في كردستان العراق فمن الواضح أنهم لا يقرؤون التاريخ.‏‏

لقد تخلت  الولايات المتحدة الأمريكية عن ميلشيات قسد، وأعطت فرصة لأردوغان لتنفيذ عدوانه الجديد على الأراضي السورية، وتحقيق أوهامه العثمانية والإخوانية، وأظهرت أنَّ  ما كان يشاع عن خلاف تركي أمريكي هو عبارة عن بروباغندا إعلامية هدفها التغطية على المشروع الاستعماري الذي ينفذ من قبل نظام أردوغان الأخواني وواشنطن وكذلك إعطاء مبرر لتواجد القوات الأمريكية الغازية في سورية بحجة مساعدة ميلشيات قسد ليتبين أن هذه الميلشيات ليست سوى أداة بيد واشنطن تنفذ ما يطلب منها وعندما انتهت مهمتها تخلت عنها وهو مصير كل من يستقوي بالأجنبي على أبناء وطنه (من يتغطى بالأمريكي يموت من الصقيع ).

"قسد" والعودة للدولة الوطنية السورية

لم يبق للأكراد بعد تخلي الولايات المتحدة عنهم، سوى العودة إلى أحضان الدولة الوطنية السورية، بوصفها أحد الخيارات القليلة المطروحة أمامهم لأنَّ الأكراد سيجدون صعوبة كبيرة في التصدي للعدوان التركي على منطقة شرق الفرات. وفي إطار محاولاتها لوقف العملية العسكرية، تسعى "قسد" إلى إعادة طرق أبواب الدولة الوطنية السورية للعمل المشترك على مواجهة التهديد التركي. وقال قائدها العام مظلوم عبدي، يوم الثلاثاء الماضي، إنَّه يدرس إمكانية التحالف مع قوات الجيش العربي السوري لمواجهة التهديدات التركية.

ويرى المراقبون أنَّ الخيارات المطروحة أمام "قسد" محدودة جداً، وأنَّ الإصرار على مواجهة تركيا ستكون عواقبه وخيمة، وأنَّ السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، يتمثل في عودة قوات سورية الديمقراطية "قسد" تحت راية الدولة الوطنية السورية. من دون شروط. فبعد أن راهنت "قسد" على الدعم الأمريكي لإنشاء "فيدرالية" في شمال شرق سورية، ها هي أحلامها تسقط في الماء، ومن العقلانية في مثل هذه الحالة، أنتدخل "قسد" في حوار مع الدولة الوطنية السورية، ويصل هذا الحوار، إلى النتيجة الإيجابية، التي يتوخاها الجميع العرب والأكراد، ألا وهي دخول الجيش العربي السوري في كامل مناطق شمال شرق سورية وصولاً إلى الحدود مع تركيا، وبالتالي قطع الطريق على العدوان التركي واستهدافاته في الداخل السوري.

في هذا السياق تحدث مسؤول في "قسد" بدران جيا كرد عن إمكانية التحالف مع الدولة الوطنية السورية وروسيا "لسد الفراغ (الأمريكي) وصد الهجوم التركي"، وهو ما سارعت الدولة السورية إلى محاولة استثماره عبر دعوته الأكراد لـ "العودة إلى الوطن". وقال نائب وزير خارجية السوري الدكتور فيصل المقداد، في تصريحات لصحيفة "الوطن"، متوجهاً للأكراد "ننصح من ضلّ الطريق أن يعود إلى الوطن لأن الوطن هو مصيره النهائي".

الأطماع التركية في شمال سورية

بعد أن أعلن رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان الذي لم يتحرر بعد من عقلية إرث السلطنة العثمانية البائدة والمتخلفة، "استكمال" الاستعدادات لشن عملية عسكرية في شمال سورية، أعلنت وزارة الدفاع التركية، مساء يوم الأربعاء الماضي، أنَّ الجيش التركي بدأ عملية برّية شرق الفرات بالاشتراك مع "الجيش الوطني السوري" في نطاق عملية "نبع السلام"، التي أطلقتها تركيا اليوم بالشمال السوري في مواجهة الميليشيات الكردية "قسد"، التي تصنفها أنقرة "تنظيمات إرهابية"، وذلك من أجل خلق "منطقة آمنة" بطول 500 كيلومتر على الحدود التركية السورية، وبعمق من 30 إلى 40 كيلومتر، تكون مرتعاً وملاذاً للتنظيمات التكفيرية التي تنفذ الأجندة الاستعمارية في المنطقة وهو ما يخالف قرارات الشرعية الدولية التي تطالب بالاحتفاظ على سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية.

وقالت وزارة الدفاع التركية، عبر حسابها في موقع "تويتر": "بدأت قواتنا المسلحة التركية والجيش الوطني السوري، عملية برية شرق الفرات في إطار عملية نبع السلام". وقالت شبكات محلية إن الطيران الحربي التركي شن غارتين جويتين في محيط مدينة تل أبيض، وغارة ثالثة استهدفت موقعاً للمليشيات الكردية في قرية العزيزية غرب مدينة رأس العين، وسط محاولات للتوغل وجس النبض باتجاه مدينة تل أبيض. واستهدفت المدفعية التركية قريتي السويدية والدهماء غرب رأس العين. وطاول القصف المدفعي، أيضاً، مخفر ملا عباس شمال بلدة القحطانية بريف القامشلي شرقي البلاد، فيما سقطت نحو 15 قذيفة على مناطق في حي قناة السويس ومناطق أخرى في القامشلي.

كما تعرضت منطقة شيوخ غرب مدينة عين العرب (كوباني) لقصف صاروخي من قبل القوات التركية، مع تجدد الاشتباك بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، بين حرس الحدود التركي و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد) الموجودة في معبر الدرباسية. ودارت اشتباكات متقطعة، كذلك، بين الجيش التركي والمليشيات الكردية قرب حي الهلالية في مدينة القامشلي على الحدود السورية التركية.

ومن المرجح أن يتجنب الأتراك الدخول إلى مدن سورية يشكل الأكراد نسبة مرتفعة من سكانها، ولها رمزية لديهم، خصوصاً عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي، ومدينة القامشلي في ريف الحسكة. ومن الواضح أن اختيار الأتراك لمدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي منطلقاً للعملية يأتي كونها ذات غالبية عربية "تعرّض سكانها للإقصاء على يد الوحدات الكردية منذ سيطرتها عليها منتصف عام 2015 عقب طرد تنظيم داعش منها"، وفق مصدر محلي. كما يضم ريف تل أبيض عدداً من القرى ذات الغالبية التركمانية، والتي تعرضت للتهجير على يد الوحدات الكردية في 2015، ولجأ معظمهم إلى تركيا.

وكشفت وسائل إعلام تركية، يوم الأربعاء الماضي، عن تحركات فصائل المعارضة السورية التي تقاتل تحت إمرة العلة التركي، وهي: فرقة حمزة التابعة للجيش السوري الحر وصلت إلى منطقة شانلي أورفا قادمة من سوريا. وأعلنت وكالة الأنباء "دوغان"، إلى أن الوحدة التي قوامها 14 ألف جندي، ستتركز مهامها في نطاق منطقة رأس العين خلال العملية المرتقبة في شرقي الفرات. فيما ذكرت صحيفة صباح التركية، أن وحدات من "أحرار الشرقية" تحركت مساء الثلاثاء، من مدينة جرابلس إلى المناطق المحاذية لشرقي الفرات في الأراضي السورية.

لا تختلف جماعات المعارضة السورية التي تقاتل تحت راية المحتل التركي للأراضي السورية، بعدما كانت تتشدق بشعارات الاستقلال والسيادة، عن جماعة أنطوان لحد في جنوب لبنان، التي رحبت بالاحتلال الصهيوني، وأصبحت أداته في جنوب لبنان. ويعلم منافقو المعارضة السورية أن تركيا وما تضمره لسورية لا يختلف بنظر السوريين على اختلافهم عما يضمره كيان الاحتلال الصهيوني للبنان وفلسطين وسورية؟ وما هو حال الجماعات الكردية التي تعاملت مع الاحتلال الأمريكي كضامن لسلخ جزء من الوطن وتحويله كياناً تفتيتياً لوحدته، وها هي اليوم تندب حظها وتتحدث عن الطعن في الظهر، بعدما جربت طعن وطنها السوري ودولتها في الظهر، ورفضت تقديم وطنيتها على المال والنفط والوعود التي تسقط بفخاخها اليوم؟

ردود الأفعال الدولية على الاحتلال التركي

*- الموقف الرسمي السوري

وفي أول تعليق رسمي من جانب الدولة الوطنية السورية على العدوان التركي الوشيك، نقلت وسائل إعلام عن فيصل المقداد نائب وزير الخارجية قوله إن "سوريا لن تقبل بأي احتلال لأي أرض، أو ذرة تراب، ومن يرتمي بأحضان الأجنبي سيرميه الأجنبي بقرف". وأضاف المقداد أنه "في حال شنت تركيا أي عدوان على أراضي البلاد، سندافع عن كل الأراضي السورية، ولن نقبل بأي احتلال لأي أرض أو ذرة تراب سورية، لكن على الآخرين وفي هذا المجال، ألا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، لأننا على استعداد للدفاع عن أرضنا وشعبنا".

*- الموقف الروسي

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع أعضاء مجلس الأمن القومي الروسي آخر تطورات الأوضاع في سورية وضرورة تفادي أي أعمال تهدد حل الأزمة فيها. وأعلن الكرملين وفق ما ذكرت وكالة سبوتنيك أنَّ الرئيس بوتين شدَّد خلال اتصال هاتفي مع رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان على ضرورة احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية وعدم تعريض الجهود الرامية إلى حل الأزمة في سورية للضرر.

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ضرورة استمرار الجهود لتسوية الأزمة في سورية وفق صيغة أستانا مشدداً على الالتزام بوحدتها وسلامة أراضيها.

وأوضح لافروف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الكازاخستاني مختار تلاوبردي في نور سلطان اليوم أنه لا مبرر لتصرفات واشنطن في سورية ويجب إنهاء وجودها غير الشرعي فيها لافتاً إلى أنها لم تنفذ التزاماتها ولا تزال قواتها موجودة بشكل غير شرعي في منطقة التنف إلى جانب التنظيمات الإرهابية التي تعتدي على المهجرين السوريين في مخيم الركبان.

*- إيران تؤكد معارضتها لأي عدوان تركي على الأراضي السورية

أكدت وزارة الخارجية الإيرانية يوم الأربعاء الماضي أنَّ إيران تعارض أي عدوان تركي على الأراضي السورية، مشددة على ضرورة احترام السيادة السورية ووحدة وسلامة أراضيها. وقالت الوزارة في بيان لها إن إيران تعرب عن أملها في إرساء السلام والاستقرار في سورية والمنطقة عقب الإجراء الأمريكي الأخير المتمثل بالإعلان عن سحب القوات الأمريكية معربة عن قلقها من احتمال دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية، مشيرة إلى أن ذلك سيؤدي إلى خسائر مادية وبشرية كبيرة.

*- تشيكيا تدعو للتحرك العاجل لمنع العدوان التركي على الأراضي السورية

دعا رئيس الحكومة التشيكية اندريه بابيش الاتحاد الأوروبي إلى التحرك بشكل سريع لمنع العدوان التركي على الأراضي السورية محذراً من أنه في حال حصول هذا العدوان فإنَّ تداعياته الخطيرة ستطال الدول الأوروبية أيضاً. وقال بابيش إنَّه "على أوروبا أن تكون أكثر نشاطاً في هذا المجال وأن تسعى إلى حل الوضع" معتبراً أن الأولوية يجب أن تعطى للمحادثات ولحل الأزمة في سورية بالطريقة السلمية.

*- المفوضية الأوروبية تدعو النظام التركي إلى وقف عدوانه على سورية

دعا رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر النظام التركي إلى وقف عدوانه على سورية.

ونقلت رويترز عن يونكر قوله أمام البرلمان الاوروبي اليوم: "أدعو تركيا وغيرها من الأطراف الفاعلة لضبط النفس" مندداً بمخططات النظام التركي لإقامة ما يسمى "منطقة آمنة" في شمال سورية بقوله: "إذا كانت خطط تركيا تتضمن إقامة ما يسمى منطقة آمنة فعليها ألا تتوقع أن يدفع الاتحاد الأوروبي أي أموال في هذا الشأن".

إلى ذلك أدان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بقوة اليوم العدوان التركي، مؤكداً أنه يزيد من زعزعة استقرار المنطقة ويقوي تنظيم "داعش" الإرهابي. ونقلت الوكالة عن ماس قوله في بيان: إن تركيا تخاطر بمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة وعودة نشاط تنظيم "داعش"، والهجوم التركي قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة وأيضاً تدفقات جديدة للاجئين. وأضاف: ندعو تركيا لوقف عمليتها والسعي لتحقيق مصالحها الأمنية بطريقة سلمية.

ومن جهتها أعلنت وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي في فرنسا أميلي دو مونشالان أن فرنسا وبريطانيا وألمانيا بصدد إصدار بيان مشترك يندد بالعدوان. ونقلت الوكالة عن دو مونشالان قولها اليوم أمام لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي: "إنَّ الدول الثلاث بصدد إصدار بيان مشترك يندد بشدة بالعملية التركية" مشيرة إلى أنه سيتم الاتفاق على بيان منفصل حول العدوان يصدر عن الاتحاد الأوروبي بعد أن توقع كل الدول عليه.

ونقلت وكالة "آكي" الإيطالية للأنباء عن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي الذي قال عقب لقائه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو" يانس ستولتنبرغ في روما: تحدثنا عن سيناريوهات الأزمات الدولية ولاسيما الأزمة في سورية، معرباً عن القلق إزاء العدوان التركي على الأراضي السورية الذي من شأنه أن يؤدي إلى "مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة وإلحاق مزيد من المعاناة بالمدنيين".

في هذه الأثناء أعلن دبلوماسيون أن مجلس الأمن الدولي سيعقد جلسة مغلقة يوم الجمعة بشأن العدوان التركي على الأراضي السورية. ونقلت "رويترز" عن الدبلوماسيين قولهم: إن جلسة المجلس الذي يضم في عضويته 15 دولة تأتي بطلب من أعضاء أوروبيين هم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولندا.

خاتمة: يستهدف نظام أردوغان الإخواني الحالم بالتوسع العثماني، وإعادة هندسة الخرائط الجغرافية والديموغرافية في سورية، احتلال أراضي في الشمال السوري بعمق يصل من 30 إلى40 كلم، وعلى طول 500 كلم من الحدود السورية التركية المشتركة، بهدف خلق ما يسميه "منطقة آمنة"، لإسكان أكثر من مليوني نازح سوري غالبيتهم من السوريين العرب السنّة من غير أبناء المنطقة، وسيجري توطينهم فيها، ليشكلوا مع مناطق عمليات "غضن الزيتون" و"درع الفرات" حاجزًا بشريًا، ممسوكًا تمامًا، أمنيًا وإداريًا ولغويًا وثقافيًا (التتريك) من أنقرة، يفصل أكراد تركيا عن أكراد سورية، وعلويي تركيا عن علويي سورية، وتمكين الجماعات الإرهابية التابعة لتركيا وأمريكا من فرض أمر واقع، ومفاوضة الدولة الوطنية السورية من موقع القوة، إذ يسعى نظام أردوغان الإخواني انتزاع مكاسب سياسية لمصلحة هذه الجماعات الإرهابية في أي تسوية سياسية مستقبلية بشأن سورية.

ليس خافيًا على أحَدٍ، الأطماع التركية - العثمانية الإلحاقية للشمال السوري، فبعد احتلالها لمناطق عفرين وجرابلس والباب، يستمر الاحتلال التركي التوسع في الشمال الشرقي، وهو احتلال يأخذ من مساعدة عودة اللاجئين السوريين لديارهم، أو لمساعدة السوريين لحفظ وحدة بلادهم واستقلالها، ذريعة للتمدُّدِ في هذه الأقاليم لضمها إلى تركيا، كما حصل مع لواء اسكندرون.

من هنا، يقضي الخيار الوطني السوري والقومي العربي، استمرار نهج المقاومة من قبل الجيش العربي السوري لتحرير كل شبر من أراضي الجمهورية العربية السورية من الاحتلالين التركي والأمريكي، وبسط الدولة الوطنية السورية سيادتها كاملة، وانتشار الجيش العربي السوري حتى الحدود الدولية، وعودة تركيا إلى اتفاقية أضنة، وسقوط مشروع الكانتون الكردي، وانضمام الأكراد إلى مسار الحل السياسي كمكوّن من مكونات المجتمع السوري، والرابح سيكون حكماً هو إعادة بناء الدولة الوطنية السورية.

 

إخترنا لكم من العدد

محليات

أوساط أمنية للبلاد: نحذر من خضوع القضاء للضغوط الأمريكية في قضية العميل الفاخوري.. وندعو إلى استدعاء عشرات العملاء الذين عادوا إلى لبنان للتحقيق معهم

اعتبرت الأطراف التي رعت وساعدت العميل عامر الفاخوري بالعودة إلى لبنان أن تكون ردة الفعل عادية وسهلة كغيرها مثل عودة ...