مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

ترامب وقرار إعادة الانتشار في شمال سوريا: درس جديد في التخلي الأمريكي عن الحلفاء

أرخى العدوان العسكري التركي على الشمال السوري بظلاله الثقيلة على المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة له، من شأنها أن تتجاوز الحدود السورية التركية إلى دول الجوار..

لكن أصوات المدافع والصواريخ وتوغلات الجيش التركي في مناطق شمال شرقي سوريا، لم تغيِّب السؤال الأساسي عن خلفيات قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من المنطقة في هذا التوقيت وترك الأكراد الذين تحالف معهم فريسة للعدوان.

تبرير ترامب دوافع القرار

لم يتأخر دونالد ترامب كثيراً في تبيان الأسباب "غير الوجيهة" لقراره المفاجئ سحب القوات الأمريكية من الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، حيث شكّلت ما يشبه الحزام الأمني الفاصل بين الأكراد والأتراك، ومنعت أنقرة من استكمال سيطرتها على المنطقة الكردية السورية بزعم حماية أمنها القومي. وإذ جاء القرار مفاجئاً لأصدقاء الولايات المتحدة كما لأعدائها، فإن ترامب سارع إلى تبريره بانتهاء المهمة المتمثلة في القضاء على تنظيم داعش الإرهابي بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، قبل أن يكشف عن أسباب أخرى للقرار، تبدو أكثر انسجاماً مع إدارته للسياسة الخارجية لبلاده.

وفي سلسلة من التغريدات عبر حسابه الرسمي في موقع تويتر "أوقع" الرئيس الأمريكي عقوبة بحق الأكراد "بمفعول رجعي" من الحرب العالمية الثانية بقوله "إن الأكراد السوريين لم يساعدونا في الحرب العالمية الثانية، لم يساعدونا في (معركة) النورماندي مثلاً"، "الأكراد يُحاربون من أجل أرضهم، وهذا أمر مختلف".

وأضاف لقد "أنفقنا مبالغ طائلة في مساعدة الأكراد فيما يتصل بالذخائر والأسلحة والمال. وعندما نقول ذلك فهذا يعني أننا نحب الأكراد". مشيراً إلى أنه "قد آن الأوان لكي نخرج من هذه الحروب السخيفة والتي لا تنتهي، والكثير منها قبلية".

ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن حديث ترامب عن مساعدة الأكراد والإنفاق عليهم، سبق للمبعوث الأمريكي الخاص في ما يسمى التحالف ضد داعش "بريت ماكغورك" دحضه، والتأكيد بأن "الأسلحة التي قدمت كانت هزيلة.. وتقريباً كل التمويل لإحلال الاستقرار جاء من التحالف".

ردود الفعل على القرار

اضطرار الرئيس الأمريكي تبرير قرار الانسحاب من مناطق في الشمال الشرقي في سوريا، جاء بشكل أساسي على خلفية الانتقادات الواسعة التي خلّفها داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن القرار أفسح المجال أمام العملية العسكرية التركية وهو ما دفع عدداً من الجمهوريين إلى اعتبار ما جرى خيانة للأكراد، وفي هذا الإطار وصف السناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام موقف الإدارة الأمريكية بأنه "تخل مخز" عن الأكراد. أما رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، فقد رأت أن ترامب "كان يخون شركاء واشنطن الأكراد لإرضاء الرجل الاستبدادي رجب طيب أردوغان".

على أن الانتقادات للقرار لم تبق حكراً على الديمقراطيين والجمهوريين بل وصلت إلى الانجيليين الأكثر دعماً لترامب، وقد صدرت عن عدد من القساوسة والشخصيات السياسية والإعلامية الإنجيلية إدانات للخطوة المفاجئة.

وفي هذا الإطار دعا القس الإنجيلي البارز فرانكلين غراهام، أحد أصدقاء ترامب المقربين، على حسابه في "تويتر" مؤيديه إلى "الصلاة معه من أجل أرواح الذين سيتأثرون بقرار البيت الأبيض سحب قوات الولايات المتحدة من شمال سوريا، مشيراً إلى أن القرار الذي استدعى القلق العميق لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء يعني في الواقع التخلي عن الأكراد.

بدوره، الداعية والإعلامي الإنجيلي "بات روبرتسون" الذي كان من أشد مؤيدي الرئيس الأمريكي، حذّر من أن ترامب قد يخسر ما سماه "التفويض من السماء" إذا لم يتدخل لوقف الهجوم التركي في شمال سوريا، مستغرباً قرار البيت الأبيض "خيانة هذه القوى الديمقراطية في شمال سوريا"، وتوجه إلى ترامب بالقول: "الرئيس الذي سمح بتجزئة - الصحفي السعودي جمال - خاشقجي دون أي عقاب يذكر سيسمح الآن للأتراك بذبح المسيحيين والأكراد".

أسباب أخرى للقرار

أما الموقف الأكثر لفتاً للانتباه في أوساط الانجيليين، فقد جاء على لسان الإعلامي الشهير إريك إريكسون، الذي توجه في تغريدة على حسابه في موقع "تويتر" إلى رئيسة مجلس النواب الديمقراطي نانسي بيلوسي بالدعوة إلى تسريع تحقيق العزل الجاري بحق ترامب، قائلاً: "ربما لا يزال لدينا وقت لإنقاذ بعض الأكراد".

ولعل ما قاله إريكسون يحمل في جانب منه تفسيراً للخلفيات الحقيقية لقرار ترامب، وهو تحويل الأنظار عن الحملة التي أطلقها الديمقراطيون في الكونغرس لعزله بتهم انتهاك الدستور بعد ممارسته ضغوطاً على نظيره الأوكراني للتأثير في حظوظ منافسه الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020. مع الإشارة إلى أن التأييد الشعبي للتحقيق الرامي إلى عزله يتزايد، وقد أظهر استطلاع جديد للرأي أجرته شبكة "فوكس نيوز" المقرّبة من معسكر ترامب أن 51% من الأمريكيين يؤيدون عزله.

تداعيات القرار

وعلى الرغم من أن ترامب يعوّل على الموقف الجمهوري في مجلس الشيوخ لتوفير "الحصانة" له في ما بات يعرف بقضية أوكرانيا، إلا أن ارتفاع عدد المؤيدين لعزله بات يشكل ضغطاً قوياً عليه، الأمر الذي قد يفسر قراره بخصوص سوريا، خصوصاً وأنه وضَعَه في إطار تحقيق وعوده الانتخابية بتخفيف الأعباء الحربية وإعادة الجنود إلى البلاد، علّه من خلال هذا الخطاب يعيد رص الصفوف من حوله ويبدد انطباعات اهتزاز الثقة به بعد القضية المثارة حوله.

ما تقدم من تفسير لقرار ترامب "بإعادة انتشار" القوات الأمريكية في سوريا، لا يغير في حقيقة التداعيات الكبيرة للقرار سواء على الولايات المتحدة نفسها أم على حلفائها، خصوصاً في ضوء العدوان التركي على الشمال السوري وما يمكن أن يغيره في الخريطة السياسية للمنطقة. وتكفي الإشارة هنا إلى ما قالته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في تقديرها للتداعيات. إذ رأت أن هجوم تركيا العسكري ضد القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا "يفتح فصلاً جديداً غامضاً في سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، حيث يتخلى الرئيس ترامب عن طيب خاطر عن التأثير على أنقرة واللاعبين الإقليميين الآخرين". مضيفة "عبر تمهيد الطريق أمام تركيا لمهاجمة المقاتلين الأكراد الذين كانت الولايات المتحدة تسلحهم بشكل مباشر في الحرب ضد تنظيم "داعش"، قام ترامب بتغيير النهج الأمريكي تجاه المنطقة من خلال إلغاء التزامات المسؤولين الأمريكيين الذين أكدوا في السابق للمقاتلين الأكراد بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنهم".

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الخطوة "تنطوي على تداعيات محتملة على المصالح الأمريكية الأخرى في المنطقة. فقد أعلن الجيش الأمريكي أنه أوقف العمليات المشتركة مع القوات التي يقودها الأكراد ضد تنظيم داعش بسبب الهجوم التركي. أما القوات الإيرانية والقوات المدعومة من إيران في سوريا، فإذا تشجعت بسبب الانسحاب الأمريكي، ستشكل خطراً متزايداً على إسرائيل، التي نفذت مئات الغارات الجوية في سوريا ضدهم".

الموقف الإسرائيلي من القرار

أشارت الصحيفة إلى تأثير القرار في الوضع الاستراتيجي لدولة الاحتلال، كان كبار المحللين الإسرائيليين قد استشرفوا مخاطره، ولفت إعلام العدو إلى أن القلق يسود المؤسستين السياسية والأمنية إزاء الخيارات التي ينتهجها ترامب، وما قد يقدم عليه لاحقاً. وفي هذا الإطار، رأى المعلق السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، شمعون شيفر، أن "الخلاصة الحاسمة هي أن ترامب أصبح بالنسبة إلى إسرائيل عكازاً متداعياً، ولم يعد بالإمكان الاعتماد عليه"، معرباً عن خشيته من أن "تواصل إيران تحدّي إسرائيل، وتضطرّها إلى مواجهة هذا التهديد من دون مظلّة أمريكية". وخلص شيفر إلى القول إن مواقف ترامب الأخيرة "ليست مجرد سكين في ظهر الأكراد فحسب، بل هي سكين في ظهرنا أيضاً".

بدوره وصف المعلق العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، قرار الرئيس الأمريكي بالرسالة السيئة إلى كل حلفاء أمريكا في المنطقة. معتبراً أنها خطوة تمهد لتحقيق مصالح لاعبين آخرين في الساحة السورية، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، داعش، النظام السوري، وبشكل غير مباشر حلفاء الرئيس بشار الأسد، روسيا وإيران.

وحذر هرئيل حكومة كيانه من أن القرار هو شارة تحذير مفادها: "إلى أي حد يمكن الاعتماد على الرئيس الأمريكي الذي جرى تقديمه هنا، حتى اللحظة الأخيرة، بصفته أكبر صديق لإسرائيل في واشنطن على الإطلاق؟"، مضيفاً أن هذا القرار سيدفع أيضاً الحكام في الأنظمة الموالية للولايات المتحدة في شتى أنحاء الشرق الأوسط إلى التساؤل إلى أي مدى يمكن الاعتماد على ساكن البيت الأبيض؟.

خاتمة

ليس معلوماً كيف ستتطور الأمور على المستوى الميداني للعدوان التركي على الشمال السوري الذي أسمته أنقرة عملية "نبع السلام"، وما إذا كانت مواجهة تركيا، ستعيد الحرارة إلى العلاقة بين الاكراد ودمشق، لكن الأكيد أن قرار ترامب إعادة الانتشار في سوريا، أربك المحور الأمريكي برمته، وأدخل إلى عواصم الحلفاء الشك في صدقية الالتزامات الأمريكية تجاههم، وثبت بالتجربة العملية مرة جديدة، أن الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها بعد استخدامهم أدوات في حروبها القذرة.

ابتسام الشامي

 

 

 

إخترنا لكم من العدد

محليات

أوساط أمنية للبلاد: نحذر من خضوع القضاء للضغوط الأمريكية في قضية العميل الفاخوري.. وندعو إلى استدعاء عشرات العملاء الذين عادوا إلى لبنان للتحقيق معهم

اعتبرت الأطراف التي رعت وساعدت العميل عامر الفاخوري بالعودة إلى لبنان أن تكون ردة الفعل عادية وسهلة كغيرها مثل عودة ...