مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

حلمٌ بغيض: رئةُ الهواءِ أصابها السرطانُ فاحْتَرَقَتْ!!

غسان عبد الله

فجأة استيقظ من حلمه.. لم يستيقظ بل هذا ما توقعه، قام بأعماله الروتينية التي أعتاد عليها حتى باتت جزء ً لا يتجزأ من شخصيته الغريبة، حلق لحيته.. مّـسد شاربه ورشق بعض الماء على وجهه الشاحب، أشعل الموقد الصغير ووضع عليه ركوة القهوة التي أعاد تسخينها ربما للمرة العاشرة صبَّ في قدحه تلك المياه السوداء ذات الرائحة المنعشة والطعم اللاذع اللتان لا يستطيع مقاومتهما أبداً، تناول علبة السجائر الملقاة بغير وضع محدد على الطاولة العتيقة التي تنضح بملاين من ذرات الغبار أشعل سيجارته ومضى يحتسي كوبه الوحيد ذاك الكوب الذي لم يعِ وظيفةً أخرى له في الوجودِ سوى احتوائِهِ هذا المزيجَ الأسود..

مضى متثاقلا ًإلى مذياعه الصغير يبحث بين موجاته القليلة عن شيء يصلح للاستماع "كلها أخبار ملفقة معتقة، على الإنسان أن يبتعد عن نشرات الأخبار إن أراد أن لا يصاب بالشيخوخة مبكراً" هذا ما قاله في نفسه، أقفل مذياعه ومضى إلى التلفاز يبحث عن شيءٍ مسلي لكن شيء لم يَرُقْ له ارتدى ملابِسَهُ ببرودهِ المعتاد، بحث في عقله عن مكانٍ يستحقُّ العناءَ للذهابِ إليه.

قرر أخيرا ً أن يتسكّع في البرية.. لم يتغيّر شيء في هذه البرية مذ وجدت أشجار السرو تمتد محاولة اقتحام عنان السماء تشيخ على مهلها، تهرم وهي واقفة بنفس المكان لا تتحرك أو تبدي أدنى رغبة في التغيير بل تستمر في نموها متجاوزة حدود الزمان والمكان.. تلك الأزهار بائسة حقاً تنمو في الصيف أو الربيع لكنها لا تمكث أكثر من ذلك لأن هذا لا يعنيها هي تبعث البهجة حقاً لكنها بهجة مؤقتة لا تدوم، مسّرُة مزيفة تنتهي بانتهاء الحدث المهم وإن كانت لا تعترض أن ترقد على سرير مريض أو ضريح قبر كذلك فهي لا تهتم كونها مجرد أكليل يتوج به العظماء أو قادة الحروب.

لكنه الآن هنا لا يقلقه مصير الأشجار أو الأزهار فكلُّ ما يحتاجُهُ هو أن يَنْعُمَ ببعض الوقت المسلي أو المفترض به أن يكون مسلياً، مضى إلى شجرة بلوط ورقَدَ تحتَ ظلِّها.. السماءُ فوقَهُ تنتشرُ إلى ما لا نهاية زرقاء رائعة تتخللها بعض السحب البيضاء يختلط هذا المزيج الرائع من الألوان بخضرة العشب من حوله، لكن الأرضَ تبدو له ضيقةً كرقعةِ الشطرنج لا تحملُ سوى لونين أبيض وأسود إنهُ أسيرُ نفسِهِ التي باتت تضيق يوماً بعد يوم، إنه كهفُ الرُّوتين المُعْتِم إن حاول أن يخرج منه فَقَدَ روحَهُ.. تلك الروحُ التي استسلمت لعواصفِ اليأس وضاعت نفسُهُ في معمعةِ البحث عن بصيصِ نور وسط بحورٍ لا متناهيةٍ من الضبابِ القاتِمِ الذي يجعلُ الأملَ في رؤية أيِّ نورٍ ضرباً من المحال.. لا لشيء إلا لأنه يجلس هنالك تحت تلك الشجرة الكبيرة يحاول أن يجِدَ معنى لحياتِهِ بين قليلٍ من الأشياء التي تعلّمها في حياتِه، يقف مجدداً يبحث عن شيءٍ جديدٍ يَقْتُلُ به نهارَهُ الطويل يتمشى في الشوارع تائهاً على وجهِهِ يحاولُ أن يجِدَ شيئاً يجذُبُ انتباهَهُ أو يُعيدُ إليه قليلاً من خيالِهِ، إنه يفتَقِدُ الأفكارَ المجنونةَ، هذه الأفكارُ التي تقلُبَ موازين حياتِهِ رأساً على عقب وتصنع لأيامه مذاقاً آخر يرى خلالَهُ الحياةَ كما يجب لها أن تكون أو كما تصوّرها أن تكون..

الناس من حوله لا تقف أو تنتظر أو تحتار بل هي عازمةٌ على المُضِيِّ في طريقِها الذي سلَكَتْهُ سواءٌ أكان يؤدّي إلى غايةٍ أم كان طريقاً مسدوداً، لكنه لا يحبُّ أن يفضي به الدربُ إلى طريقٍ مسدود لا يُحِبُّ أن يعود من حيث أتى.

تتأتى ريحٌ ساخنةٌ تحمِلُ معها سواداً ورائحةَ احتراقٍ.. تأمَّلَ في الغابةِ التي تُطلُّ من عليائها عليه.. فرآها كتلةَ جحيمٍ مستعرٍ.. أرْعَبْهُ أنها تنتشرُ بسرعةِ البرقِ.. خافَ أن تُدرِكَهُ وهو على البُعدِ منها.. اتجّه صوب الساحلِ هرباً من صخبِ النيرانِ وهولِ لهيبها الذي أحسه يغزو جلدَهُ الذي تناثرت به البثور نتيجةَ المياه الملوثة التي يستحم بها ويتوضأ ثلاث مراتٍ يومياً بملوحتها وزنجارها.

باتجاه البحرِ نزولاً.. على غير هدىً أسرع كمن يهربُ من الجحيم.. جَلَسَ على صخرةٍ أمام البحر.. أمواجُ البحرِ تُبْهِرُهُ لا يعترِضُ طريقها أيُّ شيءٍ تمضي حيث تشاء وقتما تشاء في أسوأ الظروف وأفضلِها هي حرة لأنها اختارت أن تكون كذلك، كم يتمنى أن ينتمي إلى هذا الطود العظيم يوماً ما، البحرُ هو أصدقُ تعبيرٍ عنه.. هادئٌ بعض الأحيانِ لكنّه في هدوئِهِ يُخفِي الكثير.. الكثير من المفاجآت.. خلف هدوئه يكمن الخطر الحقيقي وراء سكونِهِ دوّاماتٌ من الضياع، ذلك لأنه لم يصلْ بعدُ إلى قاعِ نفسِهِ لم يتلمّسِ القاعَ بيديه ويتيقنْ أن هناك أرضاً صلبةً يَعْـتَمِدُ عليها في أعماقِ نفسه، وهو الآن أقربُ من أي وقتٍ مضى إلى الحقيقةِ..

بلدُه يحترق.. رئةُ الهواءِ أصابها السرطانُ فاحترقَت.. الإسعافاتُ لا تُسعف.. والمطافئ لا تُطفئ.. كذَّبَ ما رآه.. وقال هذا أفكٌ مفترى.. الحرائقُ تتم السيطرةُ عليها.. والبلادُ بألفِ خير.. والمعيشةُ ليست ضنكا.. عادَ إلى أعماقِ ذاتِهِ وغاصَ في قاع نفسه لم يتلمَّسِ القاع بيديه ويتيقن أن هناك أرضاً صلبة يعـتمدُ عليها في أعماق نفسه، وهو الآن أقرب من أي وقت مضى إلى الحقيقة.. حقيقة أن كل ما يدور حولَهُ هو حُلمٌ بغيض كالذي يخوضُهُ الآن.

إخترنا لكم من العدد