مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

مقوماتُ بناءِ الدّولةِ الحَدِيثة مقاربة في البنية الذّاتية للدولة التحديثية العربية ومآلاتها المستقبلية

بعد مرور حوالي القرنين على تشكّل معالم الدولة الحديثة في منطقة الشرق الأوسط (منذ تولي محمد علي الحكم سنة 1805م)، يمكن أن نسأل: إلى أين وصلت مفردات (وبنى) الدولة العربية الحديثة في تطبيقات حكومات العرب، منذ عهود الاستقلال الشكلي، خصوصاً في ظل التغيرات الكثيرة والمتغيرات العميقة التي دفعت إلى طرح أفكار وبرامج وخطط عمل سياسية واقتصادية، قيل عنها في وقتها أنها طموحة وجادة (نظرياً على الأقل)، حيث عقد أفراد مجتمعاتنا العربية الآمال الكبيرة عليها لتخليصهم من الظلم والإعاقة التنموية، والكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي ما فتئت تحل بأرضهم بين وقت وآخر؟!!..

يعني ما هي النتائج العملية التي أفضت إليها تلك التجارب السياسية للدولة العربية، وما مدى نجاحها في إحداث تغييرات سياسية واقتصادية إيجابية جوهرية؟ وهل أفسحت في المجال أمام الشعوب لتكون حاضرة ومزدهرة على طريق تحقيق نوع من الاستجابة لمتطلبات البناء والتنمية السياسية والاقتصادية؟!!.

مفهوم الدولة الحديثة

الدولة ليست ظاهرة طبيعية، بل هي حالة اصطناعية، أوجدها الذكاء البشري، لتأمين حياة الجماعة، وبناء أسس توافقها القانوني العادل قدر الإمكان، في سياق العيش البشري القائم عموماً على المدافعة واختلاف المصالح، وهيمنة قيم الفردانية وحب الذات والحرص على المكاسب الخاصة.. وأطلقت كلمة الدولة - التي ابتكرها ميكافيلي في القرن السادس عشر، أي قبل الثورة الفرنسية (1789م) - على السلطة أو الحكم أو الحاكمين أو النظام أو النظم الحاكمة التي تدير عجلة الحكم في أي بلد.

 وتطورت الدولة من حالة خاصة وملكية خاصة لنخب متفردة بالحكم والسلطة والثروة إلى حالة قانونية دستورية وحقوقية، غايتها تأمين حياة الفرد والمجتمع، وضمان ممارسته لواجباته ووصوله لحقوقه الفردية، وضمان وصول الأمة لمصالحها وحقوقها. بما يعني أن الدولة سيادة وأمن واستقرار.. بما فيها السيادة السياسية، حيث للدولة وحدها حق احتكار وسائل العنف والإكراه لضمان سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وصيانة الاستقلال إزاء الخارج.

إذاً الدولة هي كيان سياسي وقانوني ينبني على ثلاثة عناصر هي الشعب والأرض والسيادة القانونية. السيادة الشاملة على الشعب والأرض معاً باءً على نصوص قانونية يتعاقد فيها الشعب مع ثلة من أبنائه دورياً وسلمياً لقيادة منظومة الدولة والإشراف على شؤون الناس والمجتمع.

انتقلت الدولة، بمعناها الحديث، إلى البلاد العربية مع الاستعمار الذي بدأ بإنشاء بعض مؤسسات الدولة وأجهزتها، فأقام برلمانات ومجالس محلية، وجيشاً، ووضع، في بعض الحالات، دساتير وإدارات مالية وضريبية ومحاكم حديثة، وأجهزة شرطة وأمن.. إلخ، غير أن عدم توفر شروط قيام دولة حديثة جعل هذه المؤسسات والإدارات والدولة التي نشأت بعد الاستقلال هشة، وفي مرتبة وسط بين الدولة القديمة (دولة الملك/الأسرة الحاكمة) والدولة الحديثة (دولة الأمة/الشعب).

وقد قاد فشل التجارب الوطنية في إحداث تنمية شاملة إلى تعمّق هذه الهشاشة، حيث أفضت ممارسة السلطة الوطنية الشمولية والاستبدادية إلى منع بروز قوى اجتماعية/ سياسية/ حقوقية مستقلة، والى انهيار الهرم الاجتماعي الذي ترتكز عليه دينامية الدولة وثقافتها، حيث تلعب القوى السياسية والاجتماعية دور التوسط بين السلطة والمجتمع، وتسعى إلى الوصول إلى السلطة، بالطرق الدستورية والقانونية، لكي تطبق وجهات نظر وطلبات المجتمع المادية والثقافية، الوطنية والاجتماعية.

فالثقافة السياسية السائدة في الأوساط الرسمية العربية إزاء دور الرئيس والحكومة في الدولة تطابق بين الملك (الأمير- الرئيس) والدولة، وتمنحه حق التصرف بمقدرات البلاد وتحديد خياراتها السياسية والاقتصادية من دون اعتداد بدستور أو بقوانين أو برأي عام، وتسبغ عليه صفات كبيرة، مثل: خادم الأمة، الزعيم الملهم، القائد الخالد، المناضل، قائد المجتمع والدولة، العظيم، سيد الوطن، الأب، من دون أن تنسى، لاعتبارات محلية عربية، أن تحيطه بهالة دينية عبر وصفه بالمجاهد، والمؤمن، وتصف أعماله بالبطولة والشجاعة وخرق المألوف واجتراح المعجزات.. الخ. وتحيل كل إنجازات البلد الفعلية والمدعاة إلى شخصه وصفاته وقدراته، إنها تضع الرئيس موضع الدولة، وتمنحه كل صلاحيات الدولة: السيادة ومترتباتها، لذا يصبح فوق النقد، ويجرّم من ينتقده، وتسنّ القوانين الرادعة والأحكام القاسية بحق المنتقدين والمعارضين.

هذا الدمج والخلط والتركيب العضوي بين الدولة وبين الأشخاص الحاكمين (الذي تمت المحافظة عليه بالقوة والعنف والعسف) منع تطور مفهوم الدولة، وأعاق التفريق عملياً بين النظم الحاكمة المفترض أن تكون متغيرة، وبين مفهوم الدولة الثابت قانونياً ودستورياً وغير القابل للتغير... فالدولة ثابتة والنظم متحولة بأشخاصها وبرامج قياداتها.. ولعلنا لا نبالغ كثيراً إذا ما قلنا بأن هذا الخلط العجيب بين الدولة العربية ورموزها الذي أوصلوهم إلى حد القداسة، هو المسؤول عما آلت إليه أوضاع مجتمعاتنا العربية من اهتراء وخراب وانهيار سياسي واقتصادي واضح.

وهنا نسأل: أين هي دولنا العربية؟!.. وهل هي فعلياً دول قانونية ذات سيادة حقيقية؟!.

الدول العربية ما زالت دولاً فاقدة السيادة السياسية والعملية، فهي دول ريعية عموماً بشتى الصور والأشكال والممارسات، وفيها جميعاً بنيت شرائح ريعية طفيلية تقف الدولة على رأسها وتشجع استمراريتها، وذلك من مثل ريعية الأراضي التي توزع، أو المشاريع والوكالات والاستثمارات التي ترسي، حسب الولاء والزبونية، أو بيع الجنسية أو بيع الجوازات في مضاربات الأسهم. إنها ممارسات تنسجم تماماً مع عقلية وتنظيم القبيلة التي تضرب في أعماق كل أرض العرب، وتقوم على توزيع المكرمات حسب الولاء والقرب.

ويقوم الاقتصاد الريعي على بيع مادة وهبتها الطبيعة، مثل مادة البترول أو مادة الغاز، إلى الخارج، ثم تستلم القوى القائمة على شؤون الدولة ثمنَ ذلك الريع، وتتصرف بتوزيع وإنفاق جزء منه، حسبما تراه.

وعلى المستوى السياسي لا حاجة للتذكير بأن العرب مسلوبو الإرادة وخاضعون للقوى والمحاور الدولية المتحكمة بمفاصل العالم والمنطقة العربية بالذات، وقرارهم لا ينبع مهم ومن شعوبهم، بل يملى عليهم صبحاً وعشياً. 

مقومات (ومعايير) الدولة الوطنية العربية المنشودة

انطلاقاً من تلك الأجواء، يمكننا التأكيد هنا على أنَّ التكوين الدولتي العربي والإسلامي الحديث - إذا صح التعبير- لا يمكن أنْ يتحقق ويصبح أمراً واقعياً ناجحاً ومثمراً من دون الوقوف المطول أمام ما يلي:

أولاً: إنّ استمرارَ اشتغال النّخب السّياسية العربيّة الراهنة –خاصة منهم من ما زالَ يتلطّى وراءَ شعارات التّغيير والبناء البراقة- على الآليات نفسها التي آمنت بها والتزمتها عملياً النخب السابقة (وقد أثبت الزمن عقمها وفشلها وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب من معاني ومفردات دولة القانون والعدل والمؤسسات..) سيكرّس حتماً حالة الإخفاق السياسي والاجتماعي القائمة منذ زمن طويل (كما هو واقع حالنا الراهن، حيث الانقسامات العربية طاغية، وتمترُس بعض الدول حول خيارات إقليمية ودولية غير عربية، وحالة التهديد القائم بدخول مزيد من البلدان العربية في أتون صراعات وحروب أهلية جديدة غير قائمة حالياً، والخوف من اندلاع حروب إقليمية في منطقتنا العربية، و.. و.. الخ)، كما وسيهيئ للأمة الشروط والمناخات المناسبة اللازمة لتجدد النزاعات الداخلية فيها (التي هي كالنار تحت الرماد في بعض الدول)... وعندها لن يكون شعار التغيير والتجديد المرفوع حالياً – مع وجود الشروط والأجواء ذاتها - إلا استنساخاً جديداً لأزمات الأمة السابقة، وبخاصة أزمة دولها التحديثية التي ما أن استلم أصحابها ودعاتها زمام السلطة والقرار فيها حتى حولوها إلى دولة عصبية حزبية (بالمعنى الديني والسياسي)، وصارتْ وظيفتها الأساسية محصورة - بحكم تأسيسها على قاعدة الغلبة والقهر والتمييز - في تمكين أصحاب المصالح والجماعات المسيطرة من احتكار الرأسمال الضخم والثروة الروحية والمادية الهائلة التي تمتلكها الأمة (السلطة والمعرفة والثروة).

من هذا المنطلق إذا أرادت القيادات العربية فعلياً أنْ تبني دولاً حديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة في المستقبل، فما عليها سوى أنْ تعلن التزامها الحاسم بخيارات شعوبها في البناء والتنمية والتطوير السياسي والاقتصادي، والعمل الجدي على إلغاء السياسات الاستثنائية الماضية والقائمة إلى اليوم، والتي أدت - كما نؤكد دائماً - إلى إلحاق الأذى الكبير بمصالح الأمة والمجتمعات العربية من خلال تخبط سياسات التنمية القسرية (وحداثتها القشرية الكسيحة) وفشلها، وفوقيّتها، وعدم انفتاح الناس عليها، ومراكمة أسباب العنف والقمع والعسف والتوتر الدائم، الأمر الذي ضاعف من الشعور بالحرمان، وخَلَقَ –على الدوام - وضعاً متوتراً وصدامياً خطيراً (قابلاً للانفجار الدموي في أية لحظة ) ما زلنا نعيش أجواءه السلبية القائمة حتى الآن.

ثانياً: كسر الحواجز النفسية والعملية الكثيرة القائمة بين الدولة وعموم المجتمع، وذلك من خلال نزول قيادات الدولة إلى الأرض، ووقوفهم أمام حقائق الأمور، وتلمّسهم لهموم الناس ومشاكلهم ومشاغلهم و…إلخ. ولا نعني "بالنزول" هنا أنْ ينزل رئيس الدولة –هذه الدولة أو تلك - مثلاً إلى الأرض بجسده فقط، ولكن بروحه ومشاعره وكيانه ووعيه.. ولذلك نحن نعتبر - طالما أننا نتحدث عن الدولة العربية التحديثية - أنّ أهم الحواجز (المطلوب من القيادات كسرها وتهديمها) هو حاجز الخوف المرعب الذي جعل من دولتنا العربية الحالية برمتها "دولة أمنية تسلطية بامتياز"، لا همَّ لها سوى التفنن في اتباع أحدث أساليب الرقابة الدائمة على الناس، وملاحقتهم حتى غرف نومهم، وقد تبدت دولنا العربية - من خلال ذلك الحاجز - بأنماط وحشية من القهر والاضطهاد والاستبداد والاستعباد ومصادرة الحريات وكمِّ الأفواه وإلغاء الآخر وإشاعة الإرهاب والكبت والقمع…إلخ؛ فأصبح المواطن (الفرد العربي) خائفاً مذعوراً ملجوماً منذ ولادته، وعاجزاً عن وعي واستلهام وتنمية عناصر ومعطيات التفكير السليم المبدع، وبالتالي بات مقيداً عن الانخراط في مسيرة الإبداع الحضارية الإنسانية بسبب افتقاده للحرية باعتبارها الشرط الأولي لنمو بذرة الإبداع والإنتاج في أية بيئة.

لذلك فالدولة التي تحترم نفسها، وتقدر شعبها، وتشعر بأهمية وجود مواطنيها، ودورهم الفعال في المجتمع، وتعتبر نفسها شرعية (في وجودها وامتدادها) وشعبية في ممارساتها… إلخ، هذه الدولة التي تمتلك كل تلك المواصفات وغيرها، ليست بحاجة مطلقاً إلى الجانب الأمني الرادع إلا من باب تحقيق استقرار المجتمع وحماية ترابه وصون كرامته والسعي إلى رفاهية الناس، والحفاظ على أمن وحدود المواطن والأمة ككل بالطريقة الإنسانية الحضارية التي تحفظ كرامة الإنسان، وبما يخدم كل أفراد المجتمع وليس أمن النخبة السياسية الحاكمة فقط. وطبيعي جداً أنْ تهتم الدول كلها بالأمن، لكن الذي يميز الوضع في الدول العربية - عن الدول الأخرى - هو عدم وجود ثقة لدى نخب النظم السياسية العربية الحاكمة بالوعي الوطني لدى الشعب أو الأمة ككل، والنظر إليه كقوة معارضة كامنة يجب مراقبتها ومنع تطورها بالقوة والعنف.

إنّ الدولة في مجتمعاتنا العربية تتوقع من مواطنيها أن يتحولوا بسهولة إلى لعبة بيد القوى الخارجية، الغربية أو الأنظمة المعادية العربية، كما تتوقع منهم أن يصبحوا بين ليلة وضحاها ضحايا لدعايات التجمعات والجماعات المتعصبة إياها. إن الدولة العربية – على الرغم من الاستخدام الكثيف للفكرة القومية والتربية اليومية للمشاعر القطرية والشوفينية - تتصرف في الواقع على أساس أنها دولة جهازية لا تراهن إلا على قوة عصبياتها الخاصة، وولاءاتها العلنية، أي لا تؤمن بأن من الممكن فعلاً المراهنة على المشاعر الوطنية والإسلامية أو المسؤولية الجماعية. وإن كل من لا يعلن من بين المواطنين ولاءه اليومي يعتبر في قائمة المرشحين الطبيعيين للتعامل مع الخارج (المتهم دائماً) والتآمر ضد الدولة العربية. لذلك فالمشكلة هي أنَّ السلطات القائمة في اجتماعنا السياسي العربي (وبعد أن نشأت وتربت على اعتبار العامل الأمني هاجسها الرئيسي) لا تنظر إلى المعارضة، مهما كانت عقيدتها، إلا من الزاوية الأمنية. لهذا من الطبيعي جداً -والحال هذه- أن يتحول المواطن العربي -في نظر دوله، وفي مثل هذه الأجواء الضاغطة- إما إلى مخرّب ومتهم على الدوام، أو إلى موالٍ لجهاز السلطة القائمة، ولا حلّ ثالث أبداً بينهما.

ثالثاً: إعادة حق الاعتبار النفسي والمادي والحقوقي القانوني للمواطن العربي، من حيث كونه جوهر الدولة وأساس التغيير وغاية التنمية، وأنه هو الأهم في إحداث عملية التغيير والبناء والنهوض الحضاري المطلوب العمل عليه من قبل تلك القيادات. وهذا الحق هو الذي سيسهم، حقيقةً، في بناء علاقة صحيحة وقانونية بين الدولة ومواطنيها، كما أنه سيؤدي إلى إلغاء طقوس الظلم والإرهاب المتفشية بكثرة في أوساطنا العربية في كل الاتجاهات والمواقع والعلاقات والتعاملات.

والتغيير المطلوب - على هذا الصعيد - لا يعني استبدال رؤوس بأخرى، أو حكم بآخر، ونظرية بأخرى، ولا قلب الأوضاع بالطريقة المسرحية المعروفة؛ ولكنه يعني استبدال عقائد ومناهج وآليات عمل لا تزال تحكم وتهيمن وتؤثر في الاجتماع السياسي العربي.

أي أنّ المطلوب هو خلق الشروط والمناخات الجديدة التي تسمح بإدخال مجتمعاتنا في عمليات التفاعل الحضاري المادي والفكري العالمي الراهن من خلال تطوير مؤسساتها القانونية والدستورية لتترقى وتتمدن، بناءً على أخلاقيات الناس واعتقاداتهم، وإلا كان هذا التغيير مجانباً للواقع وفاقداً لأية مصداقية وتأثير عملي حقيقي. لكن الذي حدث (ويحدث) عملياً هو عكس ذلك، فالدولة العربية بقيت فوقية نخبوية، واستمرت ممثلةً لمصالح نخب مفارِقة، عبارة عن سلطة النخبة العليا في مواجهة سلطة المجتمع وثقافته ومختلف تكويناته، أي أنها ظلت مستقلة عن طبيعة المجتمع ومعتمدة على الخارج في بقائها واستمراريتها، ولذلك لم تكن (تلك الدولة) مقبولة ومحترمة لدى أفرادها وأبنائها، وظلوا ينظرون إليها كعدو، أو على الأقل كشيءٍ طارئ عليهم..!!.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد