مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

ترامب يتهرب من المواجهة: لا تعاون مع المحققين

في وقت تنشغل فيه المنطقة بتداعيات قرار الرئيس الأمريكي المفاجئ الانسحاب من سوريا وترك "حلفاء" بلاده في حالة من الإحباط والضياع...

يتفرغ دونالد ترامب لحملته الانتخابية لولاية ثانية، بعدما وضعه الديمقراطيون في زاوية ضيقة، لن يكون بوسعه فيها اظهار "محاسن العهد" وانجازاته، وإنما اطفاء "الحرائق" المشتعلة في ثوبه على ضوء قضية التخابر مع الرئيس الاوكراني والطلب اليه التحقيق في قضايا فساد مالي تتعلق بابن أحد منافسيه الديمقراطيين البارزين جو بايدن.

ترامب يواجه

لم يكن ترامب يتوقع ان تفتح في السنة الأخيرة من ولايته قضية من نوع استخدام الخارج للتأثير في مسار الانتخابات، وهو إن حاول التقليل من أهمية التحقيق الذي بدأه الديمقراطيون في الكونغرس في قضية التخابر مع الرئيس الأوكراني "فولودمير زيلنسكي" التي يمكن أن تؤدي إلى عزله - أو هكذا يأمل الديمقراطيون - فإن دفاعه عن نفسه في هذا القضية ارتفع منسوبه خلال الأسبوعين الماضيين، ما يعني عملياً أن القضية، أكثر جدية مما توقع، وبالتالي فإنها أكثر ضغطاً عليه بالنظر إلى مؤشرين اثنين، الأول "تواضع" الدفاع الجمهوري عنه، والثاني ارتفاع نسبة المؤيدين لعزله في الأوساط الشعبية الأمريكية من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.

دفاع ترامب عن نفسه في ما بات يعرف بقضية أوكرانيا، اتخذ بدوره اتجاهيين الأول عرقلة التحقيق من خلال عدم التعاون مع القائمين عليه، والثاني تظهير القضية على أنها استهداف للحزب الجمهوري وليس لشخصه وأدائه.

ترامب يعرقل التحقيق

في الاتجاه الأول من "الدفاع" عمد الرئيس الأمريكي المتهم، إلى عدم التعاون مع المحققين، وأبلغ محامي الرئاسة "بيت سيبولوني" في رسالة من ثماني صفحات، الكونغرس بأن إدارة ترامب لن تشارك في تحقيق وصفه "بالمنحاز وغير الدستوري". وجاء في الرسالة التي بعثها إلى الرئيسة الديموقراطيّة لمجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، أن "تحقيقكم يفتقد للأسس الشرعية الدستورية وأدنى مظاهر الحياد.. ولن يسمح الرئيس ترامب لإدارته بالمشاركة في هذا التحقيق المنحاز.. أنتم تُحاولون إلغاء نتائج انتخابات 2016 وحرمان الأمريكيين من الرئيس الذي اختاروه بحرية".

وبناء على هذا الموقف المسبق من التحقيق امتنع البيت الأبيض عن السماح لشخصيات اساسية في القضية من الإدلاء بشهادتهم أمام لجان التحقيق المكلفة في الكونغرس. فلم يمتثل نائب الرئيس الحالي مايك بنس، ووزارة الدفاع وإدارة الميزانية في البيت الأبيض، والمحامي الشخصي للرئيس رودي جولياني، لطلب المثول أمام مجلس النواب. كذلك منعت الإدارة الأمريكية السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي غوردن سوندلاند، وهو فاعل أساسي في القضية، من الإدلاء بشهادته أمام النواب.

وقد استحقت سياسة عرقلة التحقيق إدانة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، والمسؤول عن التحقيق في المجلس السيناتور آدم شيف، الذي أكد وجود "مزيد من الأدلة على عرقلة عمل الكونغرس" من قبل إدارة ترامب.

لكن منع الإدلاء بالشهادات لشخصيات معنية بالقضية لن يؤثر كثيراً في مسارها مع وجود شخصيات أخرى خارج الإدارة حالياً حاضرة لان تضع معلوماتها بين أيدي المحققين، ومنها الدبلوماسية "فيونا هيل" التي عملت مستشارة في البيت الأبيض لشؤون أوكرانيا وروسيا حتى صيف هذا العام. وبحسب وسائل الاعلام الأمريكية، فإن هيل أوضحت للنواب أن المستشار السابق للبيت الأبيض جون بولتون شعر بالقلق من جهود يبذلها رودي جولياني لدى حكومة كييف لجمع عناصر مربكة بشأن جو بايدن. وقالت إن جولياني سعى لعدة أشهر إلى إقناع كييف بفتح تحقيق حول مجموعة الغاز "بوريسما" التي وظفت نجل بايدن، وأقام شبكة اتصالات مع وسطاء موازية للقنوات الرسمية للدبلوماسية الأمريكية.

وتابعت هيل قائلة إن بولتون الذي أقيل من منصبه في أيلول الماضي، شبّه جهود محامي الرئيس وكبير موظفي البيت الأبيض مايك مالفاني بـ "مناورات مهربي المخدرات".

إلى ذلك ذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن عدداً من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية يصطفون الآن للإدلاء بشهاداتهم ضد الرئيس دونالد ترامب أمام لجنة الاستخبارات بالكونغرس، في ما توقع "نيك أكرمان" المدعي السابق في قضية "ووترغيت" - التي تسببت في استقالة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون - أن يبوح مزيد من مسؤولي إدارة ترامب بشهاداتهم بدل التزام الصمت، واحتمال تعرضهم هم أنفسهم لخطر المساءلة القانونية.

الجمهوريون غير مبالين

عرقلة التحقيق ومنع المسؤولين من الإدلاء بشهاداتهم من شأنه أن يؤثر سلباً في صورة الرئيس وشعبيته، فقد كشف استطلاع للرأي نشرته شبكة "فوكس نيوز"، أن 51% من الناخبين باتوا يرغبون في إقالة ترامب، مقابل 42% في استطلاع مماثل جرى في تموز الماضي، مع الإشارة هنا إلى أن الارتفاع في نسبة المؤيدين للإقالة يشمل الناخبين الجمهوريين، أيضاً حيث ارتفعت نسبة الذين يريدون عزل الرئيس خمس نقاط مئوية.

المؤشر الشعبي الجمهوري يعكس بدوره مؤشراً سياساً على مستوى الحزب، ويعني بالدرجة الأولى أن ترامب لم ينجح في توجيه القضية على أنها تخص الحزب وحسب، وهو كان قد كتب في تغريدة عبر تويتر قبل أيام قليلة بأن "الديمقراطيين الذين لا يفعلون شيئاً، مهووسون بشيء واحد: الإساءة للحزب الجمهوري وللرئيس، والنبأ السار هو أننا سنفوز" في انتخابات 2020.

على أن ما يلفت النظر في أداء الحزب الجمهوري من القضية، هو الإرباك في مقاربتها، فعلى الرغم من أن أصوات الانتقاد له في أواسط المشرعين في مجلس الشيوخ حيث الأغلبية الجمهورية، لا تزال خجولة، إلا أن غالبيتهم تشعر بضعف حجة الرئيس في القضية، فضلاً عن أن أداء ترامب الحالي، ودفاعه عن نفسه على طريقة "خير وسيلة للدفاع الهجوم" تزيد من إحراج الجمهوريين، خصوصاً بعدما اقترح أن تحقق الصين وأوكرانيا أيضاً بشأن بايدن وابنه هانتر، ما يعني إمعاناً من قبله في إقحام الخارج في الشؤون السياسية الداخلية. من هنا فإن المعركة بحسب صحيفة واشنطن بوست، بين الرئيس والديمقراطيين تبدو طويلة "يقودها جنرال غالباً ما تكون أوامره مربكة ومتناقضة"، وبحسب الصحيفة، فإنه في الوقت الذي يناقش فيه أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون هذا التطوّر معتمدين على تقديرات دستورية وأخلاقية، إلا أن حساباتهم السياسية تبقى الأساس، وهنا تنوه الصحيفة أنه "حتى لو أظهرت الاستطلاعات دعماً لعزل ترامب، إلا أن سلطته على القاعدة الجمهورية لا تزال غير قابلة للتشكيك"، وهذا بتقدير الصحيفة ربما ما يفسر صمت غالبيتهم في هذه المرحلة.

وفي هذا السياق رصدت الصحيفة الأمريكية بعض مواقف السيناتورات عندما واجههم الناخبون بأسئلة عن سلوك الرئيس، حيث فضل البعض منهم الصمت أو الإجابة بكلام عام، فقد فوجئ العديد منهم، فيما كانوا يزورون دوائرهم الانتخابية خلال عطلة الكونغرس، بسخط على ترامب. ومن الأمثلة التي عرضتها الصحيفة ما توجهت به إحدى الناخبات إلى السناتورة الجمهورية جوني إيرنست، خلال تجمّع في ولاية أيوا، بقولها: "تبقين هنا صامتة، وصمتك يدعمه"، وفي أجواء من التصفيق العالي أجابتها السناتورة "لا يمكنني التكلم عنه"، فردت عليها "لكن يمكنك التكلم عن نفسك. متى ستقولون كفى؟"

الديمقراطيون يصعدون

وعلى ضوء الموقف المربك للجمهوريين، يمضي الديمقراطيين في اجراءاتهم "متسلحين" بأخطاء ترامب، ومنها عرقلة التحقيق، وبحسب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي فان رفض البيت الأبيض التعاون مع الكونغرس، "محاولة لإخفاء وقائع على نحو غير قانوني". ورأت في بيان، أن إعلان البيت الأبيض رفضه التعاون، "محاولة أخرى لإخفاء الحقائق حول الجهود المشينة لإدارة ترامب للضغط على قوى أجنبية من أجل التدخل في انتخابات 2020".

بدوره رأى رئيس كتلة الأغلبية في مجلس النواب ستيني هوير أن الرسالة السلبية من البيت الأبيض لا تغير شيئاً من جوهر الملف، لأنه "لا أحد فوق القوانين". وكتب: "يستحق الأمريكيون أن يعرفوا الوقائع وستستمر جهود المجلس لكشف سلوك الرئيس".

خاتمة

مما لا شك فيه ان "القضية الاوكرانية" باتت تضغط بقوة على البيت الأبيض، وترفع من مستوى التوتر لدى ترامب وفريقه، خصصاً وأن الديمقراطيين يستفيدون بقوة من أخطائه السياسية، لا سيما طلبه الأخير من الصين واوكرانيا التحقيق في أعمال بايدن، الأمر الذي يؤشر إلى أن هذه القضية ستترك بصمتها في الانتخابات القادمة والسؤال الذي يبقى مطروحا هل سينجح خصوم ترامب في عزله قبل موعدها؟.

ابتسام الشامي

إخترنا لكم من العدد