مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

قراءة في خطاب الرئيس قيس سعيّد بعيون عربية وعالمية

توفيق المديني

لا تزال الثورة التونسية تشكل مفخرة عربية حين أصبحت المفجرة التاريخية لثورة عالمية جديدة عنوانها الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية في العديد من البلدان العربية، وليس آخرها الانتفاضة الشعبية في لبنان، بوصفها حركات تمرّد اجتماعية ضد العولمة الرأسمالية المتوحشة، التي تقتل الإنسان في عالم الجنوب..

حين تحولت الدول العربية وأجهزتها الأمنية والقضائية إلى أدوات طيعة في خدمة مصالح الطبقات الرأسمالية الطفيلية، ومافيات الفساد، والشركات الكبيرة، والرأسمال المعولم، إذْ إِنَّ هذا الأخير لا يهمه سوى تحقيق الأرباح الخيالية، غير آبه بمصير الشعوب الفقيرة، والاستغلال المفرط، والفساد المنتشر على أوسع نطاق.

قيس سعيد: هل هو جان جاك روسو تونس؟

في الخطاب السياسي المتداول في أوساط الشباب الجامعي والمتعلم والطبقات الشعبية الفقيرة، شكّل فوز الرئيس قيس في الانتخابات الرئاسية، انتصاراً لشخص بعيد (أو الأبعد) عن المنظومة التي حكمت تونس قبل الثورة والمنظومة التي حكمت بعدها، إِذْ يُمَثِّلُ سعيّد فكرة نبيلة، أو حلماً طوباوياً، وشخصاً صادقاً وزَاهِداً في المناصب نقيض السياسيين الذين تصدّروا المشهد منذ قيام الثورة،

أولاً: وعقاباً للطبقة السياسية الحاكمة التي تمثل منظومة الوصاية والفساد، بجناحيها الخارجي والداخلي، والتي فشلت في حل معضلة البطالة والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وخذلت الشعب التونسي، وأهملته، وتعالت عليه، واستخفت به،

ثانياً: وانتصاراً مُهِّماً في معركة طويلة عنوانها تغيير أنموذج التنمية الفاشل القائم على الفلسفة الاقتصادية لليبرالية الجديدة التي عمقت الفروقات الاجتماعية بشكل كبير، وكرست انعدام المساواة والفوضى الناتجة عن عدم الاستقرار داخل بنيات المجتمع، وجعلت فكرة الديمقراطية نفسها مستحيلة عندما تحول الأفراد إلى مجرد "رأس مال بشري"، غير قادرين على التفكير في أنفسهم باعتبارهم مواطنين..

ثالثاً: في تونس، تغيَّرَ رئيس الجمهورية بفوز قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية، لكنَّ النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان قادته من التلاميذ النجباء للمستعمر الفرنسي، وعمره أكثر من ستين سنة، لا يزال قائماً، فهل يشكل فوز قيس سعيد الخطوة الأولى لخوض معركة إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية؟.

وفي خطاب اليمين الدستورية، ليتولى مهامه كرئيس لتونس، يوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019، في مقر البرلمان بقصر باردو بتونس العاصمة، أكَّدَ الرئيس قيس سعيّد، الذي حظي بتفويض شعبي كبير قرابة ثلاثة ملايين من الناخبين، واستولى على مساحاتٍ شاسعة في مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات الفضائيات التونسية والعربية والعالمية، والصحافة في زمن قصير، والذي صُوِّرَ كأنَّه جان جاك روسو وصل إلى قصر قرطاج، أكّد سعيّد أنَّ ما يعيشه التونسيون اليوم أذهل العالم، باحترام الشرعية وقيادة ثورة حقيقية بأدوات الشرعية. وقال سعيد في خطابه: "كسب التونسيون بكافة أطيافهم احترام ودهشة العالم".

واعتبر قيس سعيّد، ثالث رؤساء الجمهورية في تونس في أعقاب الإطاحة بزين العابدين بن علي بثورة شعبية في 2011، أن أحد أهم واجباته كرئيس جديد للبلاد، هي الحفاظ على الدولة التونسية والتأكيد على حياد كافة مرافقها، دون التأثر بأي حسابات سياسية، وتابع "لن أتسامح مع أي فلس يخرج من أموال التونسيين دون وجه حق".

كما أكَّدَ الرئيس قيس سعيّد على مبدأ المساواة بين التونسيين والتونسيات، متعهداً بحماية كل الحرِّيات، قائلاً إنها أبرز مكسب لتونس بعد الثورة. وتابع: "لتطمئن القلوب أيضاً أنّه لا مجال للمساس بحقوق المرأة وما أحوج المرأة إلى مزيد دعم حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، فهي تعمل في المعامل والمكاتب والحقول، وكرامة الوطن هي من كرامة مواطنيه ومواطناته على حد السواء".

وأشار سعيّد: "من له الحنين للعودة للوراء، فهو واهم ويلاحق السراب". وكذلك أضاف: "المواطنون بحاجة إلى علاقة ثقة جديدة بين الحكام والمحكومين"، لافتاً إلى أنَّ "تونس مستمرة بمؤسساتها وليس بالأشخاص الذين يحكمونها". وقال إنَّ التونسيين "ينتقلون اليوم من ضفة الإحباط لضفة العمل والبناء".

هناك إشادة كبيرة من جانب قيادات الأحزاب السياسية التونسية على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية بخطاب الرئيس قيس سعيّد، الذي ألقاه أمام مجلس نواب الشعب في جلسة ممتازة إثر أدائه اليمين الدستورية، إذْ "تضمَّنَ الكثير من الرسائل المطمئنة للشعب التونسي، والتي تؤكد على احترام مبادئ دولة القانون، وبناء مجتمع القانون، واستمرارية الدولة، واحترام الدستور ومقاومة الفساد".

إذا كان الرئيس قيس سعيد يَتَطَلَّعُ الى تحقيق اهداف الثورة التونسية، ويُعْلِنُ انتهاء عهد الوصاية، ويُؤَكِّدُ دعمه للقضايا العادلة في مقدمتها القضية الفلسطينية، ويَعِدُ التونسيين ببناء مشروع سياسي يرتكز على الحرِّية، فإنَّ التحدِّياتِ التي سيواجهها رئيس الدولة التونسية، تبدو جسيمة.

التحدِّيات الكبيرة

التحدّي الأول: تشكيل الحكومة وتجسيد حكم التعايش، إنّ أهم تحدِّي سيواجهه الرئيس قيس سعيّد، هو الاختلاف في الانتماء السياسي بينه وبين رئيس الحكومة، الذي سيكون من قيادات حركة النهضة، لا سيما أنَّ الرئيس سعيّد لا يستند إلى حزب سياسي، ولا تدعمه كتلة برلمانية، ولم يقدم برنامجاً سياسياً واقتصادياً عملياً يخوض به غمار السلطة، ويمكّنه من إطلاق مبادراتٍ واقعيةٍ تساهم في تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

الرئيس قيس سعيّد سيكلف شخصية من حزب النهضة الإسلامي الفائز الأول  في الانتخابات التشريعية بنحو 52 مقعداً، من أجل تشكيل حكومة جديدة، في ضوء مشهد برلماني جديد متكون من فسيفساء من الكتل البرلمانية الضعيفة، المختلفة فكرياً وإيديولوجيًا إلى حًدِّ التناقض، حيث يلي  حزب النهضة حزب "قلب تونس" الذي يترأسه نبيل القروي، بنحو38 مقعداً، الذي شاطر النهضة العداء في الانتخابات، علاوةً على احتمالية مُحاكمة القروي، فليس من المحتمل - حالياً على الأقل - أن يكون ثاني أكبر الأحزاب تمثيلاً داخل البرلمان في موقعٍ يسمح له بالعمل مع النهضة. ثم "التيار الديمقراطي" الاجتماعي بـ 22 مقعداً، حيث تفادى محمد عبو، زعيم "التيار الديمقراطي"، التحالف مع النهضة لأنَّه يرى أنَّ ذلك لا يدعم إقامة دولةٍ "مُحايدة". و"ائتلاف الكرامة" ذو التوجُّه السلفي بـ 21 مقعداً، يليه "الحزب الدستوري الحر" الخاص بعبير موسى بـ 17 مقعداً، ويقعان على أقصى طرفي الطيف الأيديولوجي، لذا لن يبدأ بهما النهضة مُطلقاً في هذا التحالف. ثم "حركة الشعب" بنحو 16 مقعداً، والتي أعلنت رفضها المشاركة في حكومة النهضة، وحزب "تحيا تونس" الخاص برئيس الوزراء الأسبق يوسف الشاهد. 14 مقعداً، وذلك بالإضافة إلى قائمةٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى من الأحزاب المُستقلة التي دخلت في الصورة.

وإذا فشل حزب النهضة في الوصول إلى المقعد رقم 109 السحري، فإنَّ رئيس الدولة، في هذه الحالة، سيكون مُجْبَراً على تكليف شخصية وطنية من اختياره بتشكيل الحكومة.

ويجد حزب النهضة، الفائز الأول وصاحب الأغلبية في البرلمان (52 مقعدا)، نفسه في ظل وضعية التشتت، عاجزًا بمفرده عن تشكيل الحكومة بمنأى عن مبدأ التعايش، والمضي في نسج تحالفاتٍ مع المكونات السياسية الأخرى الأقرب إليه، فحركة النهضة لا يمكنها أن تحكم بمفردها، أي برئيس حكومة منها، لتتحمّل المسؤولية كاملة خمس سنوات.

التحدّي الثاني: الدفاع عن السيادة الوطنية، ويتعلق بمسألة إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية، لا سيما أنَّ الدولة التونسية منذ الاستقلال نشأت في أحضان العولمة الرأسمالية منذ يومها الأول ولا تزال تترعرع أو تنهار تحت رعايتها حتى هذه الساعة، أي في زمن العولمة الأمريكية الليبرالية المتوحشة. من هنا لا يمكن النظر إلى الدولة الوطنية التونسية كعضوية قائمة بذاتها بل كوحدة مشروطة بوظيفتها كموقع في شبكة الحقل السيادي الرأسمالي العالمي بقيادة الدول الغربية الأمريكية والأوروبية الوارث التاريخي للحقل التاريخي الإسلامي. وهكذا، فإنَّ سيادة الدولة الوطنية التونسية خاضعة للحقل السيادي الرأسمالي الأوروبي - الأمريكي. ومن هنا يأتي التباس معنى السيادة الوطنية كتعبير عن "الأزمة الشرعية" للدولة الوطنية التونسية كتكوين سياسي محكوم بالبحث الدائم عن إخفاء معالم شرعيته التاريخية.

فهل يستطيع الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد قيادة حركة التمرد على السيادة الأمريكية - الأوروبية المهيمنة على الدولة التونسية في عصر العولمة الليبرالية المتوحشة، وقطع حبل الولادة السرّي الذي يربط الدولة التونسية بالحقل السيادي الأوروبي - الأمريكي، وتحقيق السيادة الوطنية للدولة التونسية، لكي تصبح تونس نموذجًا يحتذى به في تحقيق إعادة بناء الوطنية الديمقراطية التعددية، عربياً؟.

التحدّي الثالث: الموقف من تغيير النظام السياسي، قبل وصوله إلى قصر قرطاج، شكّك الرئيس قيس سعيّد في طبيعة النظام السياسي شبه البرلماني وشبه الرئاسي، والذي اعتبره "شاذاً وهجيناً"، كما شكَّك سعيّد أيضاً - بوضوحٍ وصراحة - في جدوى الأحزاب السياسية الرسمية ومجلس نواب الشعب المُنتخَب. وطالب بـ "قلب هرم السلطة"، داعياً إلى انتخاب مجالس شعبية محلية، تتمثَّل مهمتها المُقدَّسة في الحديث نيابةً عن "الإرادة الشعبية".

لكنَّ الرئيس قيس سعيّد تجنَّب في خطاب التنصيب أمام البرلمان، إثارة هذا الموضوع، لأنَّه مرتبط مباشرة بتعديل الدستور، الذي يتطلب الحصول على موافقة الثلثين من نواب مجلس الشعب، الأمر الذي سيخلق توتُّراتٌ مُحتملة في تحالف الرئيس سعيد مع حركة النهضة، لا سيما أنّ المسألة تتعلق بتغيير النظام الذي أصبح الغنوشي عُرَّابَهُ.

وبعد أن تحالفت حركة النهضة مع الرئيس قيس سعيّد، أصبحت مطالبة الآن بإيجاد طريقةٍ للتعاون مع زعيمٍ يبدو مُتشكِّكاً في النظام السياسي الرسمي نفسه، الذي جعل انتخابه ممكناً، والذي لا يزال حيوياً بالنسبة للنهضة، من أجل الحفاظ على بقائها في السلطة. وقد تحاول حركة النهضة إقناع الرئيس قيس سعيّد بالتخلي عن نهجه الثوري.. ولكن الشباب الذين انتخبوه سيغضبون منه. وأحد الاحتمالات هو أن يحاول زعماء النهضة إقناع سعيد بالتخلِّي عن أحلام إصلاحه الثوري، والتركيز على التحديات الملموسة بدلاً من ذلك.

التحدّي الرابع: الموقف من الأزمة السورية، تجاهل الرئيس قيس سعيد في خطاب القسم، التعرض للأزمة السورية، رغم أنّها  تُعَدُّفي صميم المعيار الوطني والقومي الحقيقي لموقف رئيس الجمهورية التونسية الجديد، للدفاع عن رؤية جديدة للسياسة الخارجية التونسية، إِذْ يُعّدّ ُالتدخل الإقليمي والدولي المناصر للحركات الجهادية التكفيرية والمعارضة السورية السبب المباشر لإطالة أمد هذه الأزمة، نظرًا لتعارض وتشابك هذه الأطراف مع بقاء الدولة السورية، تجلى في الساحة السورية  جسامة الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية، وخطورتها على فكرة الدولة الوطنية، ذاتها، وكيانها القانوني والسياسي.

فلا يزال الشعب التونسي وكل مكونات المجتمع المدني و الأحزاب السياسية باستثناء الإسلاميين، يعتبرون انحياز السلطة التونسية في عهد حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة إلى المحور الإقليمي و الدولي التركي و الخليجي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، كطرف ضعيف في هذه المعادلات الإقليمية، خطيئة تاريخية كبرى في تاريخ الديبلوماسية التونسية، طيلة مرحلة ما بعد الاستقلال و لغاية ثورة 2011، لجهة إقحام تونس في الشؤون الداخلية لدولة عربية، والحال هذه سورية، التي تربطها أحسن العلاقات مع تونس  في ظل التاريخ المعاصر.

التحدّي الخامس: الموقف من التطبيع، لقد عبَرَّتْ الثورة التونسية عن موقفها من التطبيع مع الكيان الصهيوني، والمتمثل في تجريم التطبيع كفصل ثابت في الدستور التونسي، لكن الطرف السياسي الذي رفض تنصيص ذلك هو حركة النهضة. وإذا كان الشعب التونسي يُحَيِّي الموقف الإيجابي لرئيس الجمهورية من التطبيع بوصفه "خيانة قومية"، فإنَّ الموقف الوطني والقومي الحقيقي المعبر عن حقيقة الثورة التونسية، يجب أن يكون في اعتبار اتفاق أوسلو الموقع في 13سبتمبر 1993بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الحكومة الصهيونية آنذاك إسحاق رابين، بمنزلة صفقة القرن الحقيقية التي قادت إلى تصفية القضية الفلسطينية.

التحدّي السادس: رئاسة مجلس الأمن القومي، إنّ الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد المشرف على مجلس الأمن القومي، مطالب ببلورة نظرية للأمن القومي خاص بالدولة التونسية، تُحَدِّدُ بدقة علاقة التفاعل بين قضايا الأمن الداخلي الاجتماعي والاقتصادي والأمن الوطني لتونس، وبين الأمن القومي في الوطن العربي.

إنّ مفهوم الأمن القومي الذي يجب على رئيس الجمهورية أن يتبناه، بوصفه المعبر عن تطلعات الشعب التونسي في التحرُّرِ، يكمن في اعتبار أنَّ مصار التهديد الأمني لتونس، ولباقي الدول العربية الأخرى لم يتغير منذ مرحلة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فالكيان الصهيوني لا يزال يشكل الأداة الرئيسة للإرهاب، ومعه الولايات المتحدة الأمريكية. وتعتمد معظم الدول العربية في الحفاظ على أمنها على السلاح الأمريكي والأوروبي، وعلى حماية دولة كبرى هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعلن صراحة أنها في حلف استراتيجي مع الكيان الصهيوني.

إنَّ أي رؤية جديدة للأمن القومي يبلورها الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار المسائل التالية:

أولاً: لقد شدَّد الرئيس التونسي على مواجهة الإرهاب والقضاء على كل أسبابه، مشيرًا إلى أن "رصاصة أي إرهابي ستواجه بوابل من الرصاص"، ووجَّه التحية، في هذا السياق، إلى الجيش التونسي والشرطة والديوانة، مشيداً بدورهم في مواجهة الإرهاب. لكنَّ الرئيس قيس سعيّد، تجنب الغوص في طبيعة الصراعات القائمة بين الدول الإمبريالية الغربية والإقليمية  للسيطرة على مقدرات الوطن العربي، واستتباع دوله، مستخدمة الجماعات الإرهابية والتكفيرية، لتفكيك الدول الوطنية العربية، ولا تشذ تونس عن هذه القاعدة، إذ إنَّها تحولت إلى بَلَدٍ مُصَدِّرٍ للإرهابيين لِبُؤَرِ التوتر (سورية - ليبيا)، وأصبحت تعاني من خطر الإرهاب التكفيري الداخلي الذي يتمتع بحاضنات شعبية في المحافظات الفقيرة و المهمشة تاريخياً، وبدعم كبير من الجمعيات الدينية التي تستمد تمويلها من الخارج، ومافيات التهريب على الحدود المشتركة بين تونس وكل من الجزائر وليبيا، الأمر الذي يقتضي من رئيس الجمهورية تشكيل جهاز وطني موحد للمخابرات التونسية، وتوخي استراتيجية وطنية وإقليمية لمكافحة الإرهاب.

ثانياً: إنّ الأمن القومي هو مجموعة من التدابير والاحتياطات النظرية والعملية الخاصة بحماية المجال الإقليمي للدولة التونسية، لا سيما في ضوء خسارة التنظيمات الإرهابية لمواقعها في العراق وسورية وليبيا أو ما يسمى بـ "ببؤر التوتر"، حيث أُثِيرَتْ مُجَدَّدًا مسألة كيفية التعاطي مع عودة الإرهابيين التونسيين الذين كانوا يقاتلون في صفوف تلك التنظيمات الإرهابية إلى تونس، وعددهم يناهز أكثر من 10000مقاتل إرهابي، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على الأمن المجتمعي التونسي عند عودتهم. هل يتم سجنهم أم رفض عودتهم ام سن قانون "توبة" لتسهيل اندماجهم مجددا في المجتمع على غرار تجارب بعض الدول في هذا السياق؟.

ثالثاً: إنّ الرئيس الجديد قيس سعيد في إطار رؤيته للأمن القومي، عليه أنْ يُسْهِمَ إسهاماً حقيقياً في كشف ملف الاغتيالات السياسية التي حصلت في عهد حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة، وكذلك الأمر بالنسبة لملف جهاز الأمن السرِّي المرتبط أيضًا بها حسب ما هو متداول في تونس، ولا يجوز الاحتماء باستقلالية القضاء للبت فيهما.

التحدّي السابع: الاصلاح الاقتصادي للسوق ومحاربة الفساد، لم يتطرق الرئيس قيس سعيّد في خطابه أمام البرلمان إثر تأديته اليمين الدستوري إلى موضوع الاصلاحات الاقتصادية، بخلاف جداله أنَّ القطاع العام، يجب أنْ يُحْظَى بالأولوية. وقال في هذا الإطار: "شعبنا العظيم يوجه الى الجميع اليوم رسالة واضحة انه يريد المساهمة في تخطي كل الحاجز فقد أعلم الكثيرون في تونس وخارج تونس عن إرادتهم للتبرع كل شهر بيوم عمل لمدة خمس سنوات حتى تفيض خزائن الدولة وحتى نتخلص من التداين والقروض".

كان على الرئيس الذي يدرك جيّداً أنّ عتبة الفقر  تخطت في تونس نسبة31في المئة حسب تقرير صندوق النقد الدولي، أي أنَّ 4 ملايين من التونسيين يعيشون حتى خط الفقر، وأنَّ 1.600.000تونسي يعيشون تحت خط الفقر الشديد، وأنَّ الطبقة الوسطى  التونسية طحنتها العولمة الليبرالية المتوحشة، أن يطرح بدل التبرع بيوم عمل على مدى خمس سنوات، استراتيجية وطنية لخوض الحرب ضد الفساد المالي والاقتصادي، وفتح ملف رجال الأعمال التونسيين (127)، وكل الفاسدين في عهد حكم الترويكا، حيث يقدر الخبراء المبلغ في ذمتهم بين 10 آلاف و13 ألف مليار ونصف، أي حوالي نصف ميزانية تونس، تمثلت في قروض حصلوا عليها بطرق غير قانونية، وسط صمت رهيب، وعدم تدخل الدولة لاسترجاع ما نهبوه، والتحرك سريعاً لاستردادها، لتدخل خزينة الدولة، وتسهم في المشاريع التنموية في المحافظات الفقيرة والمهمشة تاريخيًا، ومحاربة المافيات الكبيرة التي تسيطر على التهريب، والاقتصاد الموازي الذي أصبح يحتل 75% ويحرم الدولة من مداخيل تقدر بنحو 25مليار ديناراً سنوياً (8.5 مليار دولار)، والتجارة الموازية، والتي راكمت ثروات طائلة، مستغلة "ضعف أجهزة الدولة الرقابية"، حيث أن هذا الاقتصاد الموازي ينخر الاقتصاد الرسمي، إضافة إلى أنه يولد الإرهاب والتهريب، ويفضي إلى تبييض الأموال، والقيام بإصلاحات تشريعية وقانونية لإصلاح الجباية المحلية، حيث تخسر الدولة التونسية نحو 15 ألف مليون دينار، أي ما يعادل 10.34 مليارات دولار سنوياً (وفقاً لسعر صرف الدولار أمام الدينار التونسي في 2012)، بسبب التهرب الضريبي، وهو ما يمثل 50% من جملة دخل الجباية، والتي تعتمد أساساً على الجمارك والقيمة المضافة، وعلى دخل الأشخاص الطبيعيين، وعلى الشركات، ورسوم التسجيل والطابع الجبائي، ورسوم أخرى على بعض المنتجات والنقل.

فعن طريق جباية الضرائب وإيقاف نزيف السوق الموازية للعملة الصعبة، ونزيف التهريب، وإرجاع الأموال المنهوبة من رجال الأعمال، يتعافى الاقتصاد التونسي، وتنجز المشاريع الفلاحية والاقتصادية في المحافظات الفقيرة والمحرومة، ويتم توظيف المعطلين عن العمل من الشباب، ويرتفع الدينار في قيمته، وتنخفض الأسعار، وتتحسن القدرة الشرائية للمواطن.

خاتمة: فيما اعتبر العديد من التونسيين والعرب الرسائل السياسية التي تضمنها خطاب الرئيس قيس سعيّد إيجابية جدّا، اعتبرها البعض الآخر ضعيفة المحتوى وبعيدة عن الانتظارات الحقيقية للشعب التونسي، وطموحات الأمة العربية في التحرر من التبعية والاستقلال.

 

إخترنا لكم من العدد