مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

تداعيات مقتل أبو بكر البغدادي على المنطقة

توفيق المديني

شكلت عملية الاغتيال لزعيم تنظيم "داعش" الإرهابي نجاحاً تكتيكياً ونصراً رمزياً للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، لكنَّه لا يُغَيِّرُ من الواقع شيئاً. فقد قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صباح الأحد الماضي بتقديم بتفاصيل غير عادية عن مهمة قتل أبوبكر البغدادي، بهدف توظيفها سياسياً في الداخل الأمريكي، لا سيما بعد أن قرَّر الكونغرس التصويت على عزله.

ولم يكن هذا نتيجة جهد رئيس واحد ولا بلد واحد تم خلال أسبوع واحد فقط، ولا شك أنه يقف وراءه الكثير من عناصر (الدولة العميقة)، من مخابرات وأفراد جيش عادة لا تذكر أسماؤهم، إضافة إلى أن العملية، بحسب ترامب، كانت بتعاون مع روسيا وسورية والعراق وتركيا، ومعلومات استخباراتية من الأكراد الذين تخلى عنهم ترامب عندما سحب القوات الأمريكية من شمال سورية.

تداعيات مقتل البغدادي على تركيا ومستقبل إدلب

نقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، عن مسؤولين قولهم: إنَّ العثور على موقع اختباء أبي بكر البغدادي، تمَّ بفضل معلومات من عنصر في تنظيم "داعش"، كان مرافقًا للبغدادي خلال تنقلاته بسورية وشارك في الإشراف على بناء منزله في قرية باريشا السورية، الواقعة فيلا محافظة إدلب. وأوضحت مصادر الصحيفة أن المعلومات المفصلة التي توفرت لدى المتعاون حول موقع وجود البغدادي، ومخطط المبنى الذي اختبأ فيه، تشير إلى أن هذه المعطيات لعبت دوراً حيوياً، في الغارة التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في إدلب لتصفية زعيم التنظيم.

وكشفت أن المتعاون تواجد في الموقع خلال عملية اقتحام مجمع البغدادي، ونقل من سورية بعد مرور يومين مع عائلته، لافتة إلى أن السلطات قد تمنحه المكافأة كاملة أو جزءا من المبلغ مقابل المساعدة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي قوله: إنَّ المتعاون عنصر عربي من التنظيم، وقرر الانشقاق والعمل ضده، بعد مقتل أحد أقاربه بأيدي عناصر من "داعش". واختبأ المنشق في البداية في معسكرات "قوات سوريا الديمقراطية"، ليتم بعد ذلك تسليمه للاستخبارات الأمريكية، التي عملت على مدار أسبوعين على تدقيق المعلومات حول هويته. وبدأت محاولات استخدام المعلومات التي قدمها المتعاون في الصيف، إلا أن الإمكانية الحقيقية للاستفادة منه وبدء تدبير العملية ظهرت فقط في أيلول/سبتمبر2019. وحتى الآن لم تكشف السلطات الأمريكية، أي تفاصيل تتعلق بوجود متعاونين من داخل التنظيم، ساهموا في عملية التصفية.

لكنَّ المحللين يرون أنَّ البغدادي قتل في قرية باريشا الخاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام"، وهو أحد التنظيمات الإرهابية الأشَّدَ خصومة مع تنظيم "داعش"، ما يطرح تساؤلات عن إمكانية لجوء البغدادي إليهم بتنسيق مسبق. ولا يستبعد المحللون أن يكون البغدادي قدم إلى إدلب بتنسيق مع شخصيات يعرفها مسبقًا، إمَّا انضوت تحت "هيئة تحرير الشام"، أو على الأرجح تحت لواء "حراس الدين" المنشق عنه والمرتبط بتنظيم "القاعدة.

 ويرى خصوم "جبهة النصرة" أنّ قائد هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، قد يكون من أوعز بموقع البغدادي، مُعَلَّلين ذلك بأن قرية باريشا في شمال إدلب هي عقر دار الجولاني، فالسؤال ماذا كان يفعل البغدادي في ضيافة أبي محمد الجولاني؟ وهل من الممكن أن يكون الجولاني أقدم على تسليم البغدادي للتحالف وقبض الجائزة؟ فالقيادي الشرعي السابق في حركة "أحرار الشام"، أحمد نجيب، رأى أنَّ "مقتل البغداديّ في عقر مقرّات الجولانيّ في باريشا يثير التساؤلات وإشارات الاستفهام عن صلة الرحم الوطيدة بين الطرفين". في حين قال المقدم المنشق عن النظام أحمد السعود، أحد قيادات ما يسمى "جيش إدلب الحر"، إن "العملية الأمريكية في إدلب، وفي أهم معقل أمني للنصرة تظهر أن البغدادي موجود بحماية الجولاني، وأيضا ظهر أن الجولاني سلمه للأمريكان ". وتابع: "هذا أكبر دليل أن أخوة المنهج مجرمين يبيعون بعضهم وقت الشدائد عندما تقترب الانتخابات الأمريكية ستكون هناك عملية لقتل الجولاني".

يُعَدُّ غياب البغدادي عن المشهد هو إسدال الستارة عن حقبة وانتظار حقبة أخرى، لا سيما أنَّ التنظيم خسر سابقا قياداته الزرقاوي ثم أبو عمر البغدادي والآن خسر أبو بكر البغدادي وستأتي شخصية أخرى، يجب أن يفهم الجميع الهيكل التنظيمي نفسه يعمل ولا شيء تغير.

يجمع المحللون والخبراء المتخصصون في متابعة قضايا الحركات الجهادية والإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، أنَّ مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي ستكون له العديد من التداعيات، على أكثر من صعيد.

قتل زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي، بالقرب من الحدود السورية التركية، والخاضعة تحت سيطرة تركيا و "جبهة النصرة" وتنظيم "أنصار الدين" في إدلب.  فالمكان الذي كان يقيم فيه البغدادي يبعد 9 كم عن معبر جيلفا غوزو الحدودي، بينما تقع نقطة المراقبة التركية في منطقة سلوى على بعد 20 كم شمال شرق قرية باريشا.  ومن أن أهم نتائج عملية الاغتيال للبغدادي، هو دخول زعيم أخطر ثاني تنظيم إرهابي بالعالم بعد القاعدة، إلى قرب الحدود التركية، علماً أنَّ "الجماعات الإرهابية" في إدلب تنقسم إلى مجموعتين، إحداهما تسير على نهج تنظيم القاعدة، تنظيم "حراس الدين".

ويرى بعض المحللين الملمين بتطورات الحركات الجهادية في المنطقة، أنّ مقتل البغدادي في إدلب، قد يكون بداية لدمج تنظيمي "داعش" و "القاعدة"، لإحيائها على الساحة تحت غطاء تنظيم إرهابي عالمي جديد.  مشيرا إلى أن "قسد" التي وسعت دورها حتى إدلب بحادث مقتل البغدادي، تريد أن تتولى دور القوة التي هزمت القاعدة، إلى جانب القوة التي هزمت داعش كقوة برية تابعة لأمريكا.

وكان تنظيم "القاعدة" أسس "جبهة النصرة" في سورية مع بداية الحرب الأهلية، وتولى مسؤولية قيادتها أبو محمد الجولاني، الذي انشق عنها ليؤسس "هيئة تحرير الشام" وقوامها 12- 15 ألف مسلح، ويصنفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأحد أفرع القاعدة، ويعتبرها تنظيماً إرهابياً. أما المنظمة الأخرى فهي "حراس الدين"، وتختلف عن "هيئة تحرير الشام"، التي لا تزال تتلقى تعليماتها من التنظيم الدولي "القاعدة"، كما أن قوامها يتألف من 1500- 2000 مسلح، والحال هذه أصبحت إدلب أصبحت ملاذاً إرهابياً كبيراً في أعين العالم، خصوصاً أن نظام أردوغان يمثل الحامي الحقيقي لهذه التنظيمات الإرهابية، بهدف توظيفها في معادلات البحث عن التسوية السياسية للأزمة السورية، حتى يكون له موقع قدم ثابت في سورية. 

وهذا ما يعطي مبرِرًا شرعيًا للدولة الوطنية السورية وحليفتها روسيا، بشن عملية عسكرية كبيرة، تؤدي إلى تحرير إدلب من براثن التنظيمات الإرهابية والتكفيرية، حتى لو أدّى الأمر إلى نزوح مئات الآلاف في المدينة السورية المحاذية لتركيا، فروسيا قالت إن إدلب أصبحت ملاذا للإرهابيين، وطالبت بالتحرك نحو تحرير المنطقة من الجماعات الإرهابية.

ومن هذا المنطلق، يعزز مقتل زعيم تنظيم الدولة في إدلب، من موقف روسيا في طرحها ضد تركيا، متوقعاً أن تستخدم روسيا ورقة إدلب والتنظيمات الإرهابية فيها، لإدخالها ضمن تفاهماتها مع تركيا شرق الفرات. ومن غير المستبعد أن يجري إعادة إدماج الوحدات الكردية المسلحة، في صفوف الجيش العربي السوري، وإرسالها إلى إدلب، باعتبار ذلك يمهد الطريق لقسد، لتكون جزءًا من المفاوضات المتعلقة بمستقبل سورية، لتصبح طرفاً فاعلاً.

من الواضح أنَّ إدلب بانتظار معركة كبيرة بعد عملية الغزو التركية لشمال سورية، سينجم عنها عودة للصراعات الجيو/سياسية. أما تنظيم "داعش" فهو يسير وفق خطة استنزاف طويلة المدى، ولن يكون متعجلا بالرَّدِ، بانتظار ما ستؤول إليه أوضاع فصائل إدلب الإرهابية.

تداعيات مقتل البغدادي على مستقبل تنظيم "داعش"

على الرغم مقتل زعيم تنظيم الدولة أبي بكر البغدادي، إلا أن هناك من يشكك في قدرة الولايات المتحدة على منع عودة جديدة لتنظيم الدولة. فالمسؤولون الكبار في الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، يؤكدون على تصميم الولايات المتحدة الأمريكية على ملاحقة الإرهابيين فيما قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر: "الشيء المهم الواجب الاحتفال فيه هو أن رئيس مؤسس تنظيم الدولة ميت، لقد قتلناه، وهذا يؤكد التزامنا بهزيمة أبدية لتنظيم الدولة".

فمع انسحاب القوات الأمريكية المتدرج وغير المكتمل من مناطق شمال شرق سورية، والذي جاء كنتيجة منطقية لهزيمة المشروع الأمريكي - الصهيوني في سورية، لا يوجد من دول المنطقة من له القدرة أو الاستعداد لإعادة تشكيل تحالف دولي من أجل مواصلة الحرب على تنظيم "داعش" الإرهابي. ويرى الخبراء أن خروج الأمريكيين من المناطق في شمال شرق سوريا يجعل من الصعب على القوات الأمريكية القيام بعمليات عسكرية كتلك التي أدت إلى قتل البغدادي، خاصة أنها تعتمد على المعلومات الاستخباراتية البشرية وشبكات العملاء. أما تركيا فالشيء الذي يُقَضِّي مَضَاجِعَهَا هم الأكراد واللاجئون السوريون، فيما تخوض الدولة الوطنية السورية حرب التحرير من أجل بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني.

وفي الواقع، فإن الدولة الوطنية السورية بدعم من حلفائها روسيا وإيران، هي التي تحملت العبء الأكبر في محاربة الإرهابيين من "داعش" في سورية، إضافة إلى الحرب القوية التي خاضها الجيش العراقي والأجهزة الأمنية في ملاحقة فلول تنظيم "داعش" داخل العراق. أما قوات سورية الديمقراطية "قسد" التي كانت حليفة للولايات المتحدة الأمريكية في محاربة تنظيم "داعش" خلال السنوات الثلاث الماضية، قبل أن يتخلى عنها الرئيس الأمريكي ترامب مؤخراً، فيقول قائدها ريدور خليل في مقابلة يوم الأحد الماضي عقب مقتل البغدادي، "إن العملية ضد تنظيم الدولة ستتواصل، سنقضي على خلاياهم النائمة في أنحاء المنطقة جميعها"، لكن شكل هذا الجهد يظل أمراً غير واضح، مشيراً إلى أنه بالإضافة إلى مراقبة بقايا تنظيم الدولة، فإن الأكراد مسؤولون عن الآلاف من مقاتلي تنظيم الدولة المعتقلين لديهم، ومعظمهم من الأجانب. 

وإذا كان الأكراد الذين قامت مخابراتهم بالتعاون مع الأمريكيين أدَّوْا دوراً في تحديد مكان البغدادي، فإنّ الولايات المتحدة سوف تحتاج لأشهر، إن لم تكن سنوات، للقيام بعملية ملاحقة في مناطق لا تسيطر عليها، مثل سورية، كما يقول المسؤول السابق في "سي آي إيه" مارك بوليميروبوليس، الذي يضيف أن جمع المعلومات، وفهم الإشارات البشرية والاستخباراتية، والقيام بعمليات استطلاع، تحتاج لوقت طويل ليتم تحليلها، "سنخسر هذه الميزة بانسحابنا". 

لا يزال تنظيم الدولة تنظيمًا قويًا ومتماسكًا، ويعمل في بلدان عديدة، حيث يمتلك 12 ولاية خارجية. وكان التنظيم أعاد بناء هيكله بشكل واضح، وغيَّر خطته من حروب السيطرة المكانية الكلاسيكية إلى حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف. ويعمل التنظيم الآن كمنظمة لا مركزية عبر مجاميع وخلايا منتشرة، وحسب التقديرات الأمريكية هناك 18 ألف مقاتل في سورية والعراق، وهناك 10 آلاف معتقلين لدى قوات سورية الديمقراطية قد يفلتوا من السجون، إضافة إلى المتواجدين في الولايات الأخرى.

وقبل آخر ظهور إعلامي للبغدادي، كان لتنظيم "داعش" خطة، تبنى فيها حروب الاستنزاف وتكتيكات حرب المدن، وسيبقى في هذا التكتيك. ومن الممكن أن يشن بعض الهجمات الانتقامية سواء من خلايا نائمة أو مقاتلون منفردون، وبالتالي لن يتخلى التنظيم عن تكتيكه الأساسي بحرب الاستنزاف في انتظار ظروف أخرى.  ويركز تنظيم "داعش" حالياً على منطقة شرق الفرات التي تشهد صراعاً جيو/سياسي"، وهو لا يتحرك عشوائياً بدون خطة فهو يمتلك برنامجاً استراتيجياً.

وفضلاً عن ذلك، يتصاعد التنظيم بصورة غير مسبوقة في غرب إفريقيا، وفي خراسان وفي أفغانستان بصورة لافتة، وفي جنوب شرق آسيا في الصحراء والساحل، الولايات التي أعلن عنها البغدادي في نيسان/أبريل العام الماضي تنشط بشكل كبير، وتنفذ هجمات كبيرة.  أما في العراق وسوريا فتنفذ هجمات صغيرة ضمن حرب الاستنزاف، ومنذ 2017 حتى الآن نفذ التنظيم آلاف الهجمات وصلت إلى 3500 هجمة صغيرة.

تداعيات مقتل البغدادي على الحركة الجهادية في العالم

إذا كان مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبي بكر البغدادي مهم جداً، بوصفه شخصية مُلهمة ربما أكثر من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وتبنى نهجاً تدميرياً ووحشياً غير عادي ورثه من معلمه أبي مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق (وهو التنظيم الذي سبق تنظيم الدولة)"، بما في ذلك نقل قطع رؤوس الأعداء (معظمهم من المسلمين) نقلاً حياً، وتدريب الأطفال على القتل عن مسافة قصيرة، (وهو شيء يصعب على معظم البشر فعله)، وبيع النساء ليغتصبن بشكل متكرر، وحتى تنظيم القاعدة لعن تكتيكاته البشعة"، واستطاع أن يُجَنِّدَ ضباط سابقين في الجيش والمخابرات البعثيين، ما زاد من مقدرته على التمرد بشكل كبير، واستغل الحرب الإرهابية الكونية التي شُنّتْ ضد سورية لإنشاء نموذج دولة، هي الأولى من نوعها في تاريخ الإرهاب الحديث، تمكنت من انتزاع مساحات من الأرض والسيطرة عليها، وتجميع مليارات الدولارات، وبناء قوة عسكرية كبيرة حملت اسم "تنظيم الدولة" – داعش - الذي أصبح أغنى وأقوى حركة إرهابية في التاريخ الحديث، ووعد أتباعه في العالم بجهاد خمس نجوم - يتضمن سكناً مجانياً وسيارات وحتى زوجات - وتوافد أتباعه على (الخلافة) من أنحاء العالم كله، فيما يمكن اعتباره عملية التجنيد الأكثر فعالية لمنظمة جهادية شهدها العالم على الإطلاق، فإنَّ مقتل البغدادي يحمل أهمية سياسية ورمزية أكثر من الأهمية العسكرية، فالقيادات الجهادية وحتى المجموعات الجهادية يأتون ويذهبون، وينقسمون إلى فصائل، ويتحدون مع خصوم سابقين، ويكتسبون أسماء جديدة وولاءات جديدة.

يستغل تنظيم الدولة "داعش" الإرهابي البلدان التي أضحت فيها الدولة فاشلة أو البلدان التي حطمتها الحروب، لتوسيع (ولاياته)، من بينها أفغانستان وليبيا ونيجيريا واليمن، وتبقى العديد من تلك (الولايات) قائمة، وبالرغم من خسارة ما تبقى من (الدولة) في آذار/ مارس، فإن التنظيم استطاع أن يقوم بعدة عمليات إرهابية في سريلانكا وأفغانستان والعراق.

من تداعيات اغتيال البغدادي حصول عمليات انتقامية

بعد الإعلان عن مقتل زعيم "تنظيم الدولة" أبو بكر البغدادي، رفعت عدة دول حالة التأهب بينها فرنسا والفلبين، فيما كثفت تركيا ملاحقتها الأمنية لعناصر تشتبه بانتمائهم للتنظيم.

وكشفت السلطات التركية خلال اليومين الماضيين اعتقال نحو 50 شخصاً موالين للتنظيم، في مناطق مختلفة من البلاد، بينهم ثلاثة خططوا لعملية انتقامية لمقتل "البغدادي" في إسطنبول.

وأشارت إلى دراسة أعدتها مؤسسة "راند" خلصت إلى أن "ضرب قادة الجماعات الإرهابية قد يترك آثارا سلبية، ويشجع على عمليات انتقامية".  ويبدو احتمالات قيام تنظيم الدولة "داعش" بأعمال انتقامية ردّاً على مقتل زعيمه أبي بكر البغدادي، غير مستبعدة، لكنها وفق قراءة خبراء بشؤون الجماعات الجهادية لن تحدث على المدى القريب، وخصوصًا أنَّ الرَّدَ على مثل هذه الضربة الموجعة، يتطلب مرحلة طويلة من التحضيرات ليكون ردا بالحجم المطلوب. وما يصعب المهمة على التنظيم، هو تعمّد الولايات المتحدة، كما يبدو، الإشارة إلى مشاركة أكثر من طرف في العملية الاستخباراتية التي انتهت بمقتل البغدادي.

تداعيات مقتل البغدادي والسيطرة الأمريكية على حقول السورية

على الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انسحاب قوات بلاده من الشمال السوري، فإنَّها أكدت بقاء عدد منها بسورية بهدف "حماية" حقول النفط، الأمر الذي يثير تساؤلات عن أماكن هذه الحقول وأهميتها. وتسيطر القوات الأمريكية على أهم حقول النفط والغاز في شرق سورية.  وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية، الخميس الماضي، أنها خططت لتعزيز وجودها العسكري في شمال شرق سورية، لحماية حقول النفط هناك من السقوط مجددا بيد تنظيم الدولة.

وتنسق أمريكا تعزيز مواقعها في شمال شرق سوريا، مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، حتى "لا تقع مجددا بيد تنظيم الدولة، أو فاعلين آخرين مزعزعين للاستقرار"، وفق البنتاغون.

ويُعَدُّ حقل العمر النفطي أكبر حقول النفط في سورية مساحة وإنتاجاً، ويقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، على بعد حوالي عشرة كيلومترات شرقي مدينة الميادين في محافظة دير الزور. ويصل إنتاج الحقل وفق إحصائيات الحكومة السورية قبل اندلاع الأزمة إلى 30 ألف برميل يومياً. وفي سنة 2014، سيطر تنظيم الدولة "داعش" على الحقل، وبات أبرز مصادر تمويله قبل أن يخسره في تشرين الأول/ أكتوبر 2017. وانخفض إنتاج الحقل تدريجياً مع تعرضه مراراً لغارات جوية من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولا تتوفر إحصائيات دقيقة على قدرته على إنتاج النفط حالياً.

ويُعَدُّ كذلك "حقل التنك" من أكبر الحقول في سورية بعد "حقل العمر"، ويقع في بادية الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي. ووفق تقارير إعلامية بينها "بي بي سي" و"بزنس إنسايدر" فإنَّ حقل التنك كان ينتج قرابة 40 في المئة من إنتاج سورية النفطي قبل الأزمة السورية، وكان يبلغ إنتاجه اليومي نحو 10 آلاف برميل. وكانت فصائل المعارضة السورية قد سيطرت على الحقل أواخر عام 2012، قبل أن يقع بين يدي تنظيم الدولة "داعش" في تموز/ يوليو عام 2014. وطرد تنظيم "داعش" من الحقل بعد معارك مع قوات سورية الديمقراطية "قسد" بدعم من التحالف الدولي بقيادة أمريكا، منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

وبحسب مواقع معارضة، فإن أمريكا تهدف من حينها إلى إنتاج نحو 5 آلاف برميل يوميا من النفط الخام. ولم يعلن رسمياً من أي جهة في ريف دير الزور الشرقي، استئناف إنتاج النفط في الحقل الذي تسيطر عليه "قسد" والقوات الأمريكية. وعلى غرار حقلي العمر وكونيكو النفطيين اللذين سبق أن بنت القوات الأمريكية قاعدتين عسكريتين فيهما، أنشئت قاعدة أخرى في حقل التنك النفطي في منتصف نيسان/ أبريل 2018، لتكون ثالث قاعدة أمريكية في دير الزور.

ويُعَدُّ "حقل كونيكو" للغاز، أكبر معمل لمعالجة الغاز في سورية، كما أنه يستفاد منه في إنتاج الطاقة الكهربائية ويقع بريف دير الزور الشمالي. ويقدر إنتاج الحقول الثلاثة معاً بنحو 140 إلى 150 ألف برميل يوميًا، من أصل نحو 386 ألف برميل نفط يومياً في عام 2010، في وقت كان استهلاك سورية فيه نحو 250 ألف برميل يوميًا، بحسب "BBC" و"بزنس إنسايدر" الاقتصادي.

ويسيطر حاليا على حقل الرميلان قوات وحدات حماية الشعب الكردية "قسد" بدعم من القوات الأمريكية، ويقدر عدد الآبار النفطية التابعة لحقول رميلان بقرابة 1322 بئراً للنفط و25 بئراً للغاز. وبلغ إنتاج حقول الرميلان أكثر من 90 ألف برميل نفط يومياً عام 2010. وكانت الآبار فيها وجهة الكثير من المجموعات المسلحة، لا سيما جبهة النصرة سابقا (تحرير الشام حالياً)، حيث نشبت على إثر ذلك معارك ومواجهات مسلحة بين الجبهة ووحدات حماية الشعب الكردية وانتهت بسيطرة الأخيرة بعد التوصل إلى تفاهمات واتفاقات في عام 2017.

خاتمة

في السيرورة التاريخية تظهر التنظيمات الإرهابية والتكفيرية ثم تندثر، و"داعش" ليس استثناءً، فهو ليس أول تنظيم تكفيري يظهر في تاريخ الأمة الإسلامية.. وبما أنَّ الأصوليات الدينية المعاصرة، التي تتبنى أفكاراً دينية متشددة، غير قابلة للتعايش أو التفاعل معها من قبل المحيطين بها من السكان المسلمين، فإنها ستظل أفكاراً انعزالية وأفكاراً متناقضة قابلة للانشطار والانشقاق، والحال هذه، فإنَّ اغتيال البغدادي سيعجل بانقسام تنظيم "داعش" لأكثر من تنظيم متناحر، متأثراً بحادثة الاغتيال وغياب الزعيم، ومن المستبعد إعادة التنظيم تشكيل نفسه بصورة أقوى.

 

 

إخترنا لكم من العدد