مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

دائماً هناك عنوانٌ خطأ..

غسان عبد الله

من زاوية عميقة جداً، عرفت أن أكثر الناس لا يشكّلون لي سوى ملاحظة حزينة أسجّلها خلف ملصقٍ يحمل عبارة "صبي ضائع" أو خلف خبر نعي، أو دعوة زواج، موعد طبي!..

خيبة أملي تتجاوز فكرة أن هناك أناساً لم يصلهم الملصق، أو خبر النعي أو حتى دعوة الزواج، وقد صدمت هذه الفكرة بقسوتها الكبيرة جزءاً ما مني كان يناضل من أجل أن يعيش، وجزءاً آخر كان يعتقد أنه كانت لديه على الأقل الأسباب الصحيحة وأنه يفعل الصواب، ولكن ربما لم تكن لديه هذه الأسباب لحماية نفسه، ربما ذلك الجزء مني لم يكن يحمي نفسه بل كان يحمي نموذجاً تائهاً قد وجد نفسه في عصر لا يناسبه.

في ذلك الحين، حين لم يأتِ أوانه بعد، سنغادر تاركين كل شيء خلفنا كما يكون، بغض البصر عن الإجابات التي نبحث لها عن أسئلة لم نطرحها بعد، عن التغيير الذي سيحدث بعدنا لأشيائنا، ولا يمكننا التخمين فالتخمين ليس ضرورياً في حين نحصل على إجابات، وليس نافعاً حين نعرف جيداً أنه من المحال الحصول على إجابات.

شعور طبيعي أن لا تفقد الحس من خطورة موقف كنت تنتظره وحين يحين وقته تجده كالمفاجأة على الرغم من مخططاتك لاستقباله، فتبدأ تدرك تلك اللحظة لكل حركة حتى أنفاسك وهي تشق طريقها للخارج، الطريقة التي تضع فيها أقدامك على الأرض، وحتى هيئة الأرض، تحفظ جميع التفاصيل والفروق الدقيقة، حتى تتأكد حين ينتهي كل هذا أن هذه التفاصيل كانت صحيحة وليست من نسج خيالك، لأن المفاجآت التي ننتظرها حين تأتي تكون بمثابة الهدية، ولا شيء يرسخ في ذاكرتنا بقوة سوى لحظات تلقي الهدايا ومن ثم الاحتفاظ بها.

من باب المجاملة أنت تكذب حين تتظاهر لأحدهم أنك تمد له ذراعك ليتكئ عليها إن احتاجها، وأنك شخصٌ حاضرٌ لمواساته في وقت الضيق، ثم تندم حين تراه يقف مثل فزاعة ببدلة سوداء في لحظة ضِيْقٍ يحتاجك فيها أكثر من أي وقت مضى، كم سيكون أمراً قاسياً أن تُضطّر في يوم ما أن تتحمل لوحدك وبين أغراب كلَّ آلامك، وتستجدي تلك المجاملات والوعود، فقط لا تثق بمجاملات الآخرين خصوصاً أولئك الحاضرين دون مناسبة، ولأن حضورهم لم يكلِّفهم أي عناء، ثق فقط بيد سافرت مسافات شاسعة لتربت على كتفك، يد ستضطر لتدفع من سعادتها مقابل ليلة تشاطرك فيها حرارة ألمك، ثق فقط بأولئك الذين يبقون حاضرين إلى النهاية في حين يتضاءل جمهور المجاملين.

لا توجه عبوسك نحو الأرض بل وجهه نحوي واسمع مني.. حيث لم أتمكن عن الامتناع عن إقناع نفسي بأنه قد يتم إنقاذي فسأغامر وغامر معي بكل شيء ففي مجال المغامرة دائماً هناك شخصان، شخص يغامر وآخر عليه أن يكون حاضراً لطلب المساعدة، ولنحاول دائماً أن نكون من يطلب المساعدة.

قبل فترة كنت أشاهد شخصاً مخيفاً في المنام يموت، كان لا يزال في ريعان الشباب وبدأت أتمنى لو أنني لم أنم تلك الليلة بالذات، فافْعَلْ مثلي نَمْ وأنت تضع الوسادة على رأسك، هذه الطريقة الوحيدة لتختبئ من أسوأ كوابيسك.

دائماً أبحث في ذاكرتي عن قصص سعيدة يمكنها أن تصرف مشاعري دون إسراف أو بخل، ولم أحصل على واحدة فاكتفيت بادّخار مشاعري للحظة أجمع فيها قوة كافية لإخراجها، فلا تخفي مشاعرك مثلي فبعض المشاعر تنتظر مئات الأعوام ليأتي الشخص المناسب لتمثيلها، وبعض مشاعرنا - خصوصاً حين نولد وسط أسرة تعيش حياتها ببساطة كلّ يوم بيومه - محرّمة، حيث ينظرون إلى بعض المشاعر أنها رفاهية لا حاجة لها، أو وسيلة لغاية محددة، لأنهم يقدّسون بعض المشاعر وكانوا حين يضطرون للتعبير عنها يتوجهون لأقرب مسجد أو محراب صلاة.

كنت فيما مضى أعدّ الفاصل الزمني بين كل ابتسامة وأخرى، وفي كل مرة كان الوقت يزداد فبدأت أشعر بفجوة زمنية وبخوف يجتاحني أكثر أن يأتي يومٌ وأنسى كيف أبتسم، فلا تبتسم كثيراً وفي كل مكان، فلا تعرف أنه ستأتي لحظة تتغير فيها ابتسامتك وتصبح أكثر جدية، فكل ابتسامه لها شكل معين ووقت معين، ومعنى معين، وشكل واحد في العالم لا يوجد غيره هي مسؤوليتنا أن نجعل منها مثاليه وصادقة.

ما حاجتنا للحب والمؤلفات تبرهن أن من نحبهم يرحلون عادة، يجب أن نكون أكثر واقعية في حبنا، علينا حين نحب أحدهم أن نزرعه زهرة ربيعية في قلوبنا، وننتظر رؤيته مع حلول الربيع مزهراً، وباقي الفصول نتعلم كيف تشتاق له، أظنها طريقة غير أنانية للاحتفاظ بهم.

القصة الحقيقية، لا قصة هنا، لا أعتقد أن سماعها يفيد طالما لم نشهدها بأعيننا، القصص خصوصاً تلك التي تكون عن أحداث واقعية لا تكون سعيدة عادة ولا تكون صحيحة، فلا تثق بمعلومات ناقل الحدث، فالمعلومات تتغير بحسب من يسرد القصة.

حين أخرج من مكان ما أترك أثراً يجعل من السهل العثور عليّ، وأنت تأكد حين تخرج من مجلس ما أَنْ يزول تأثير وجودك أو حديثك السيئ على الآخرين، كما تتأكد أن العواصف الرملية تملأ آثار أقدامك في الصحراء وتخفيها حين تكون فاراً من شخص يقتفي أثرك، ففي الصحراء كانت الريح تساعدك ولكن يندر أن يتواجد في كل مجلس شخص آخر يزيل آثارك.

لكل شيء منفعة، فعلاً لكل شيء منفعة فهناك منفعة جماعية من نشر خبر نعي بوفاة أحدهم في الصحف، ليحصل هو على الدعاء والمزيد من الترحم عليه.. حتى أن منفعتنا من النار لا تعد بمثابة متعة حين نتمتع بمشاهدة ألسنة النار ترتفع وتتراقص في نزهة برية، فهي ترتبط بمنفعتنا الخفية بالشعور بالدفء حين تزول لسعة الصقيع التي أصابت أصابع يدينا وقدمينا.

بعض الكلمات تسبّب التكاسل كأن يطلب منك أحدهم أن تنام فتغمض عينيك وتنتظر منه أن يطلب منك فتحهما لتستيقظ، وبعضها يسبّبُ الرعشة، كرعشتنا المخيفة حين يخبرنا أحدهم أن قريباً لنا في المستشفى، لن نشعر بها حين تكون مهنته طبيب، وبعض الكلمات تثير رؤى خاصة، رؤى لذكرى بعيدة باهته غير واضحة المعالم تنظر إليها كما تنظر عبر طبقة سميكة من الشاش.

في رغبة مني أن يرسمني أحدهم، رسمة يحتفظ بها شخص يحبني، وحين بحثت عن أحد لم أجد سوى المرآة التي بإمكانها رسمي بتجرد، فلا تطلب من شخص يحبك أن يرسمك فيغالي في تحسينك، ولا من شخص يكرهك فيغالي في إلصاق صفة القبح فيك، فأفضل من يمكنه أن يكون صادقاً في رسمك هو البقال ولكن حذار أن تكون مديوناً له لأنه سيرسمك عارياً، والطبيب سيلوّن وجهك بصفرة الأموات.

عن الحرية، ابن الجيران ملك حمامة حين كان طفلاً، يحبسها في قفص حديدي، وفي كل مرة يطعمها بحذر لئلا تهرب، فكانت ذكية بأن أشعرته بأنها لا تلقي بالاً للعزلة التي كانت فيها، وغافلته حين طمأنينة وهربت، ثم عادت، فأيْقنَ ـ جاري ـ وأيقنت أن من يهرب من السجن بعبقريته، سيعود له حتماً بغبائه، أمر عزز مفهوم الحرية داخلي..

أتريد أن تشعر بكامل حريتك، أن تمشي وتشعر لأول مرة أنك تمشي، وأنه لا جدوى من القلق من المشاعر البائسة التي تسلبك بعضاً منها، كن ذكياً ولا تمارس حريّتك أمام مجموعة من شهود العيان حتى لا تفقدها أمام القاضي، مثلما فعلت الحمامة وتباهت بحريتها أمام القطط في الخارج وفقدت الأمان داخل القفص وعادت إليه.

ثمة منعطفات أربعة عليك أن تعبرها لتصل إلى وجهتك، منعطف يسير ناحية مقر صحيفة أسبوعية، ومنعطف عشت فيه جزءاً من ماضيك، ومنعطف يؤدي لمؤسسة الأمراض العقلية، والأخير يؤدي إلى منزلك، فلو كان الأسوأ قد حدث لك فيها كلها، يمكنك السير نحو المنعطف الثالث فأنت بالتأكيد ستترك الأسوأ خلفك.

بعض الأحاسيس لا تكتمل إلا بوجود باعث لها فأغبى ردة فعل شعورية منك حين تنزعج من سماع أحدهم يمزق ورقة.. دائماً هناك عنوان خطأ، ولكن يندر وجود إشارة خطر تشير إلى لفت انتباهك أن العنوان خاطئ.. أقرب الأشخاص إلى قلوبنا هم أولئك الذين نكتب أسماءهم على الزجاج من خلال الضباب المتشكل من أنفاسنا.. بعض صداقاتنا تأتي متأخرة، لا تستمر على الرغم من روعتها، مثل حصولنا على العدد الأخير من سلسلة كنا نتابعها بشغف.

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد