مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

معاييرُ تقدّم الثّقافة العربيّة الإسلاميّة.. واقعُ التّخلف الرّاهن، من يتحمّله، وما الحلول؟!!

معيار تقدُّم الثقافة – أو تأخرها - ليس خاضعاً لمعايير القيم القارة كمرجعية ثابتة، بل لمدى استجابتها الفاعلة لتطورات الكسب البشري، وانفتاحها المعياري على مكتسبات العقل.

ونحن نعلمُ أنّ القيم القارّة الرّصينة، قيمَ الحق والعدل التي جاءت بها الأديان والكتب السماوية، وناضل الرسل والأنبياء والأئمة والقادة في سبيل إحقاقها وتحويلها واقعاً ملموساً في الحياة البشرية هي المشهد الأبرز في تشكيلات الثقافة الإسلامية. فهي المرجعية البنيوية للوعي والسلوك، بل هي ثوابت الوعي والسلوك التي لا تتغير مع تقادم الأيام والأزمان، فالحق حق والعدل عدل والمبدأ الإنساني واحد في كل ظرف ودور لا يختلف ولا يتغير في مضمونه بل ربما في أشكاله وتعبيراته الخارجية فحسب.

من هنا، الإسلام والعقيدة الدينية (والثقافة وكل القيم والمعاني التي أنتجتها ثقافته على صعيد الحقوق والأخلاق والقيم الأصيلة) ليس هو المسؤول الجذري والأساسي عن الأوضاع والمآلات السّلبية التي عاشها ويعيشها العرب والمسلمون، خاصة على صعيد تدهور عمل الدولة العربية، وتقويض أسس استقرارها على صعيد حياة الفرد في عيشه وتنميته وازدهاره..

.. وفي وضعنا العربي المتفجر حالياً حيث يغيب المفهوم الحقيقي التطبيقي لمعنى وماهية الدولة، هناك أمران في غاية الأهمية على هذا الصعيد هما من ساهم في عملية تقويض أسس الدولة العربية الحديثة:

الأول: البيئة القائمة المعاش

حيث مناخات العمل وأساليب التطبيق، ومجمل السياسات واستراتيجيات العمل التي تم ويتم تنفيذها من قبل النخب المهيمنة القائمة (صاحبة المصلحة في بقاء الأمور على ما هي عليه من ثبات واستقرار وموات وفوات تاريخي)، لا تلقي بالاً (يعني: لا تهتم البتة) بشيء اسمه: معايير الثقافة الأصيلة ومفردات الحقوق، أي حقوق الفرد.. ولا تعرف معنى عملياً لأخلاقيات المواطنة المتساوية، ولا تهتم أيضاً بحكم القانون، ولا بأولوية الحرية وسيادة الفرد على ذاته ونفسه.

الثاني: السياسات والمخططات الدولية

حيث العبث بمقدرات المنطقة العربية ومقومات استقرارها التاريخية من قبل الدول العظمى والمحاور الدولية الكبرى على مدار أكثر من سبعة عقود مضت.. ما حرم أبناء هذه المنطقة - التي هي منطقة الأديان والرسالات والتواريخ والثقافات القديمة والقيم الأصيلة - من بناء مجتمعات آمنة هادئة، ودول آمنة ومستقرة، ومنعهم من الوصول إلى بناء تفاهماتٍ ومشتركات وقناعات شبه واحدة، تعزز الاستقرار والسلام بين شعوبه ودوله. وكل فترة من الزمن – حيث اللا استقرار هو القانون الحاكم - تندلع الحروب والصراعات الأهلية، نتيجة التوازنات الهشة القائمة.. ما يكلف المنطقة مزيداً من الضحايا والأموال وهدر الثروات.. وهذا سببه الأساسي حالة الفوضى وعدم الحسم التاريخي.

ولا تقولوا لي بأن موضوعة الحسم هي موضوعة تاريخية حيث أن ثقافتنا ماضوية عتيقة غير قابلة للتطور أو التعديل، وأن إنساننا (الذي تتحكم فيه ثقافة النص التاريخي) لا يحمل في داخله بذور ونَوَيَات التطور والانفتاح على الحياة والعصر، خصوصاً وأنه يعيش في قلب هذا التطور العلمي والتقني.

أنا أقول بأن كل الثقافات البشرية حتى تلك التي وُصفت يوماً ما بالهمجية والبربرية هي ثقافات قابلة للتعديل والتطور والنمو والازدهار، والإنسان لا يبقى على حاله ووضعه الأولي، وإلا لما وصل العقل البشري إلى ما وصل إليه من تقدم وتطور مذهل على كل الصعد والمستويات (حيث هذه الحضارة العلمية التقنية الراهنة التي نعيشها)، بل كان بقي في الكهف والمغاور، وعاش على الزراعة والصيد والافتراس.

لاحظوا أوروبا كيف كانت وعلى أي حال متطور مذهل أصبحت.. فهل نسينا حروبها الأهلية البربرية التي كلفتها ملايين الضحايا والأبرياء؟ ثم لاحقاً بنوا تفاهمات سياسية واجتماعية، فقامت الدول على أسس عقلانية صحيحة.. بمعنى أنه من عمق تلك النظم الاجتماعية القروسطوية القديمة انبثقت وتفجرت قيم ومعاني السياسة العقلانية القائمة على حكم القانون وحق الفرد وسيادته بدلاً عن حكم الراعي والرعية.. وارتقى الناس في تفكيرهم ووعيهم، وتنظيم شؤونهم إلى مستوى مفهوم الدولة والقانون وأخلاق الحرية واحترام الفردية. بعيداً عن الأشكال الجماعوية للتنظيم الديني الطائفي، أو العشائري، أي ما نسميه، في العلوم الاجتماعية، بالأشكال الأهلية والعرفية والعصبيات التقليدية، التي تنتج نفسها بنفسها، من دون تفكير ولا تغيير.

إن الإنسان بطبعه الذاتي (حيث العقل البدئي) محب للاستكشاف والاستطلاع ومعرفة كل ما حديث وجديد.. وكل الثقافات الكبرى والصغرى التي أنتجها هذا العقل (الذي كان بربرياً وهمجياً يوماً ما في سلوكه ومعاني حياته) هي بالضرورة ثقافات قابلة للتطور، والانفتاح، والقراءات المتجددة، واستيعاب الأفكار والمعاني والقيم الجديدة لأية حضارة قائمة.. فكل البشر ينتمون إلى أرومة جنسية واحدة، وكل البشر يمتلكون نفس الخصائص الخلوية والنووية الذاتية التي كشفتها اكتشافات علوم الهندسية الوراثية.. وأن البيئة كموضوع هي من تحدد وتؤثر على طرق وأساليب العمل والوعي والسلوك، وليس الإنسان نفسه كذات قابلة بالطبيعة ومستعدة للتكيف والتدرب والتطور العملي.

إذاً المشكلة لا تكمن في ثقافتنا الأصيلة حيث القيم المؤسِّسة هي قيم الحق والعدل بل تكمن في سوء الاستخدام وانحطاط بيئة العمل التي يقوم بها ويستلم زمامها للأسف نخب مفارقة لمصالح الناس، هيمنت على العباد والبلاد ولم تنتج سوى الخراب المجتمعي والعملي.. فتفشى الفساد والظلم والحرمان، وهذا كان من أهم أسباب توليد العنف والإرهاب في بيئتنا وواقعنا العربي... كان من أهم العوامل الدافعة والمحرّضة لاشتعال نيران الفتن والاضطرابات السياسية والاجتماعية.

فالفساد مثلاً يؤدي إلى التمييز والظلم، وهو الأمر الذي يجعل المرء أو الفرد العربي (مع العطالة والبطالة وانعدام الحلول وانسداد آفاق الاصلاح أو التغيير الحقيقي - وليس الشكلي الديكوري - ومشاهدته اليومية للمآسي والمظالم وعيشه في الحضيض) يائساً محبطاً على الدوام، بما يرفع منسوب ودرجة السخط، ويزيد من حجم غريزة الحقد والانتقام عنده بالتدريج حتى تصل الى حد الكآبة واليأس كليا من الحياة.. والنتيجة تصبح معروفة سلفا.. وهي الارتماء في حضن الجماعات العدمية التكفيرية والإرهابية ومن لفّ لفها.

من هنا ما لم تحل إشكالية الحكم والسلطة، والحسم العقلاني مع التراث (وليس مع الثقافة الأصيلة)، لن يحل شيء من تعقيدات وأمراض الحالة العربية المستعصية الراهنة..!!. وهذا من أهم شروط تهيئة الناس والمجتمع ككل لتقبل التطورات الحديثة ومكتسبات العصر بأسلوب عقلي وعلمي بعيداً عن الارتهان والزيف والتضليل والكذب على الذات.

إن مجتمعاتنا العربية الإسلامية تحتاج - بشكل ملحّ وضروري - إلى هذا الدخول الواعي والواثق في دورة الحضارة الحديثة حقوقياً ومعرفياً بالدرجة الأولى، وبالعنوان القيمي الحضاري الإسلامي ذاته (المنسجم ذاتاً والمتكيف موضوعاً)، نظراً لما يمكن (لهذا الاندراج والدخول العقلاني والهادئ) أن يقدمه لها من فرص النهوض الكبيرة لتنمية الإنسان والمجتمع، بعد علاج الذات المريضة، وترميم مواضع انكسارها وتخلفها وانحطاطها، بما يفضي لاحقاً إلى استعادة الوظيفة الوجودية "للفرد - الإنسان" المسلم كذات حقوقية أولاً لها كيانها وقيمتها المركزية، ولاحقاً - وعلى مستوى الأمة ككل - لاستعادة دور مفتقد يتناسب مع مواردنا الهائلة المعطلة، وإمكانياتنا الكبيرة المبددة هنا وهناك، بعيداً عن الهامشية والعطالة والقيود السياسية والفكرية التي تكبلنا، وتعيق نمو أمتنا، وتدفعها دفعاً نحو العجز والاستقالة والانكفاء.. أو تفجر في وسطها حركات العنف والتطرف الفكرية والسياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

إنَّ ثقافتنا الدينية الإسلامية الأصيلة التي واجهت الظلم والظالمين في مدى التاريخ كله، ورفضت طواغيت التاريخ الإسلامي وواجهتهم بقوة، بل وأبقت على قيم الحق والعدل شاخصة وماثلة في واقع الحياة الفكرية والتاريخية من خلال مُثُل عليا ورفيعة ترنو إليها الأبصار والأفئدة الإنسانية عبر كل هذا التّاريخ، كما تجسدت في نماذج أئمة أهل البيت(ع)، هذه الثقافة (في قيمها المعيارية) قادرة ومؤهلة اليوم وغداً، على تهيئة أجواء التغيير والانفتاح الحقيقي المطلوب بشرط توفر الإرادة الفاعلة والقوية، وهذا ليس دور الناس فقط بل هو دور النخب والقيادات المفترض أن تتقبل التغيير وتنفتح على البشر.. فقيمة وعظمة أية قيادة أو نخبة حاكمة في عالمنا المعاصر تكمن في أن تكون سابقة للأحداث والتوقعات، ومواكبة للأحداث، تعيش في واقع مجتمعاتها وبلادها، وهذا للأسف ما افتقرت إليه نخب الحكم العربي على طول مسيرة عقود طويلة.. والناس لم تعد تريد استمرار الوضع في هذا الشكل والإطار المفروض والمصنّع والمقولب، وأن الخطابات والمواقف التقليدية انتهى وقتها، ولم تعد فعالة للاستهلاك الداخلي أو الخارجي، وبات الجميع يواجهها باستهزاء وسخرية..!!.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد