مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

الكونغرس يعترف بالإبادة الارمنية..  صفعة مزدوجة لـ "ترامب" وأنقرة

رفع الكونغرس الأمريكي من مستوى التحدي السياسي للرئيس دونالد ترامب، وبتصويته على قانون الاعتراف بإبادة الارمن بأغلبية كبيرة يكون قد وجّه صفعة جديدة لسياسته الخارجية، لا سيما قراره الأخير الانسحاب من سوريا، الذي أطلق يد الجيش التركي في العملية العسكرية ضد الأكراد.

وإذا كان من الصحيح القول إن القرار لا يعدو أن يكون رمزياً، إلا أنه أصاب في الصميم العلاقات المميزة بين شريكي الأطلسي، بعدما حالت في السابق دون التصويت على تشريعات مماثلة.

ما هو قانون إبادة الارمن

يقصد بمصطلح "الاعتراف بالإبادة الأرمينية" الاعتراف الرسمي بأن المجازر المنهجية والترحيل القسري للأقلية الأرمنية، زمن حكومة تركيا الفتاة في الدولة العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، كانت إبادة جماعية، مع تقدير الباحثين أعداد ضحاياها بين مليون إلى مليون ونصف المليون شخص.

وفي الوقت الذي تنفي فيه الجمهورية التركية، التي خلفت الدولة العثمانية، وقوع المجازر وترفض إطلاق تسمية الإبادة الجماعية كمصطلح على ما تعرّض له الأرمن في تلك المرحلة، فإن أعداد الدول والأقاليم والمنظمات التي تعترف "بالإبادة" في تزايد مستمر، وفي حال صادق مجلس الشيوخ الأمريكي على القانون الذي أقره الكونغرس يرتفع عدد الدول إلى اثنتين وثلاثين، علماً أن ثمان وأربعين ولاية أمريكية من أصل خمسين تعترف بها. ومع ذلك فإن ما قام به مجلس النواب الأمريكي يعد سابقة.

فعلى مدى عقود من الزمن فشلت فيه تشريعات مماثلة في بلوغ مرحلة المصادقة، بسبب الخوف من تأثير ذلك في العلاقات الأمريكية التركية، وقد مارست أنقرة بدورها بما تتمتع به من موقعية في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ضغوطاً على واشنطن للحؤول دون الاعتراف بتلك الإبادة.

خلفيات التصويت في الكونغرس

بناء على ما تقدم فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هل أن التصويت على القانون يعني تغيراً في موقعية تركيا أو تراجعاً في مستوى أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية؟. والجواب بالنفي طبعاً، لأن خلفيات القرار داخلية على الرغم من "شظاياه" الخارجية، وما يفسر ذلك أنه جاء في ذروة الاشتباك السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس حيث الأغلبية الديمقراطية التي أطلقت قبل أسابيع قليلة مساراً قانونياً لعزل الرئيس على خلفية ما بات يعرف بقضية أوكرانيا، وبالتالي فإنها تترصد أخطاءه السياسية داخلياً وخارجياً، ولعل أفدحها في الآونة الأخيرة بالنسبة للديمقراطيين قرار الانسحاب من سوريا والتخلي عن الأكراد، الأمر الذي أعطى الضوء الأخضر لشن تركيا عمليتها العسكرية في الشمال السوري وتعريض شركاء الأمس في "محاربة داعش" لتهديد وجودي. وهو ما خلف المزيد من الانطباعات السلبية عن أمريكا وتعاطيها مع الأصدقاء والأدوات، الذين لا تترد في الاستغناء عنهم في لحظات الشدة.

بهذا المعنى فإن الكونغرس الأمريكي بتصويته على قانون إبادة الأرمن يكون قد أصاب هدفين برمية واحدة، الأول توجيه صفعة للرئيس الأمريكي واتفاقاته مع تركيا التي نسق معها عملية الانسحاب، والثاني إعادة تجميل صورة أمريكا لدى "ايتامها"، مع الإشارة إلى أن التصويت لمصلحة القانون رافقه تصويت على فرض عقوبات مالية ضد أنقرة، طالت كبار المسؤولين الأتراك الضالعين في قرار الهجوم على الأكراد، وطالت أيضاً مصرفاً تركياً تربطه علاقات بالرئيس رجب طيب أردوغان. وقد جاء في نصّ قرار العقوبات، أن إدارة ترامب مطالَبة بمعاقبة تركيا لشرائها منظومة الدفاع الصاروخية الروسية "إس 400".

وقد حضر تلميع الصورة الأمريكية بقوة في جلسة الكونغرس، وهو ما دلت عليه تصريحات النواب وخطاباتهم. وفي هذا الإطار تلا مُعِدّ القانون النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آدم شيف خطاباً عاطفياً تجاه الأكراد، جاء فيه "عندما نرى صور الأُسر الكردية التي استبد بها الرعب في شمال سوريا وهي تقوم بتحميل متعلقاتها في سيارات أو عربات تجرها الدواب، وتفر من ديارها إلى أي مكان بعيد عن القنابل التركية والميليشيات المغيرة، فكيف يمكننا القول إن جرائم ارتكبت قبل قرن من الزمن باتت من الماضي".

بدورها رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، تحدثت عما أسمته حقيقة "الجريمة الوحشية" وقالت في جلسة التصويت على القانون "دعونا اليوم نذكر بوضوح الحقائق في هذا المجلس، لتحفر إلى الأبد في سجل الكونغرس: "الهمجية التي ارتكبت بحق الشعب الأرمني كانت إبادة جماعية.... وأنا يشرفني الانضمام إلى زملائي في إحياء ذكرى واحدة من أكبر الفظائع في القرن العشرين: القتل المنهجي لأكثر من مليون ونصف مليون أرمني من رجال ونساء وأطفال على أيدي الإمبراطورية العثمانية".

ردود الفعل على القانون

التصويت على قانون الاعتراف بالإبادة الأرمنية بأغلبية 405 صوتاً مقابل معارضة أحد عشر عضو كنيست، لاقى ترحيباً كبيراً في أرمينيا التي سارع رئيس وزرائها "نيكول باشينيان" إلى شكر النواب الأمريكيين على ما وصفه، "بالتصويت التاريخي" في مجلس النواب الأمريكي، معتبراً أن هذا القرار "خطوة جريئة نحو خدمة الحقيقة والعدالة التاريخية، تريح الملايين من أحفاد الناجين من الإبادة الجماعية للأرمن".

أما في تركيا فقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاعتراف "بالإبادة الأرمنية" ووصفه بأنه قرار "لا قيمة له" و"أكبر إهانة" للشعب التركي.

وقال في كلمة متلفزة "من هنا أخاطب الرأي العام الأمريكي والعالم بأكمله: هذه الخطوة التي اتُخذت لا قيمة لها ولا نعترف بها".

بدوره وضع وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو القرار في إطار تصفية الحسابات السياسية، مشيراً إلى أن "مجلس النواب الأمريكي يحاول الانتقام بسبب الاتفاقيات التي وقعناها مع واشنطن وموسكو" الخاصة بانسحاب المقاتلين الأكراد من سوريا.

ودانت وزارة الخارجية التركية القرار بشدة مؤكدة أنه "لا يتماشى مع روح العلاقات" بين الحليفين، وقالت في بيان لها "نعتقد أن الأصدقاء الأمريكيين لتركيا الداعمين لاستمرار التحالف والعلاقات الودية سيقومون بالمحاسبة على هذا الخطأ الفادح وسيحاكم ضمير الشعب الأمريكي المسؤولين" عن القرار.

وفي سياق الاعتراض على القرار، استدعت الخارجية التركية سفير الولايات المتحدة في أنقرة للاحتجاج، وذكرت وسائل الإعلام التركية أن السفير ديفيد ساترفيلد استدعي إلى وزارة الخارجية لأمر يتعلق "بالقرار الذي مجلس النواب الأمريكي ولا أساس قانونياً له".

خاتمة

على الرغم من رمزية القرار وخلوه من اي قيمة عملية، الا ان اعتراف الكونغرس الأمريكي بالإبادة الأرمنية دق إسفيناً "معنوياً" في العلاقات التاريخية المميزة بين واشنطن وانقرة، في وقت جاءت فيه العقوبات التي وصلت إلى المقربين من رأس الهرم في تركيا، كمحاولة تعويض للأكراد عن التخلي الأمريكي عنهم. أما رد الفعل التركي على هذه الصفعة سواء من خلال الاعتراض أو التوبيخ أو حتى من خلال إلغاء أردوغان زيارة كانت مقررة إلى الولايات المتحدة، فلا يعدو أن يكون رد فعل طبيعي في دائرة "العتب الدبلوماسي" ولا يتجاوزه إلى التأثير في طبيعة العلاقات القائمة بين البلدين منذ عقود، مع استمرار حاجة كليهما للآخر في الادارة السياسية للمنطقة.

ابتسام الشامي

 

 

إخترنا لكم من العدد