مجلة البلاد الإلكترونية

يا سيِّدَ المرسلين.. وشفيعَ المؤمنينَ.. السلام عليك وعلى نورِكَ الذي ينبجِسُ من كنفِ أبي طالبٍ وحنان آمنة.. السلام عليكَ يا أبا إبراهيم

العدد رقم 206 التاريخ: 2019-11-16

قراءة متأنية للوضع المتأزم.. حراك وليس ثورة

لا يوجد أحد ينكر أن مطالب الجماهير التي خرجت إلى الشارع هي مطالب محقة، والكل يدرك أن الناس ينقسمون إلى قسم خرج بسبب هذه المطالب لأنها تكتوي بنار الفقر والغلاء، وأن آخرين خرجوا يستغلون من هذه المطالب لمآرب سياسية.

إن الذي حدث في الساحات منذ أيام ليس ثورة كما يحلو للبعض أن يدّعي، بل هو حراك جماهيري ناتج عن أزمات تعيشها الجماهير لأن الثورة أمر أبعد من هذا الحراك ولها شروط غير متوفرة فيه وللثورة أركان منها القيادة الواضحة ومنها البرنامج الواضح ومنها الوعي الذي يحرك الجماهير لعدم تضييع الأهداف، فبدلاً من أن تخدم أهداف ثورتك فإنك تخدم أهداف أعدائها فتستبدل سلطة فاسدة بأخرى أفسد.

إن الوعي أمر مطلوب كي ندرك الخلفيات لما يحدث اليوم ولنقرأ ما بين السطور وسأحاول من خلال هذا البحث أن ألخص قدر الإمكان رؤيتي لما يحدث.

لا يجوز عزل ما حصل اليوم عن السياق التاريخي المتصل به ولذلك سأعرض لبعض الأمور التي شكلت منطلقاً لما وصلنا إليه اليوم.

أولاً: من الواضح جداً أن الولايات المتحدة الأمريكية تشعر بحالة غضب عارم عن سلسلة الفشل الذي وقعت فيه في المنطقة من خلال هزيمة مشاريعها في العراق واليمن وسوريا ولبنان وآخرها فشل صفقة القرن المتعلقة بالقضية المركزية للأمة قضية فلسطين.

وعلى صعيد لبنان فإنها تشعر بغضب أكبر نتيجة عدم قدرتها على تحجيم حزب الله بل إنها تأكدت من خلال عدة مبعوثين لها أن دور حزب الله أصبح أكبر في الساحة اللبنانية وأنه ممسك بالقرار السياسي، وأكثر من ذلك فإنها عندما طالبت جماعتها بالوقوف بوجه حزب الله تهرّبوا لا لعدم قناعتهم بذلك بل لعدم قدرتهم على ذلك.

ثانياً: اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن ما يساعد حزب الله على الصمود وفشل الإجراءات التي تقوم بها في إضعافه هو الانسجام السياسي الكامل بينه وبين فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر ما شكل غطاءً كبيراً له وداعماً أساسياً، ولم يكتفِ التيار الوطني الحر بالتأكيد والمساندة بل تبنى الخيارات الأساسية للمقاومة محلياً وإقليمياً فقام فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومن على منبر الأمم المتحدة بطرح عودة النازحين إلى سوريا مخالفاً قراراً حاسماً للولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين بإرجاء ذلك إلى ما بعد التسوية السياسية.

تكامل هذا الأمر مع طرح وزير الخارجية الأستاذ جبران باسيل لموضوع عودة سوريا إلى الجامعة العربية وعودة النازحين السوريين في جلسة معلنة للجامعة العربية مخالفاً بذلك قراراً أمريكياً واضحاً بإبقاء سوريا خارج الجامعة العربية.

ثالثاً: بعد سلسلة الفشل للولايات المتحدة الأمريكية والمواقف الثابتة لمحور المقاومة في المنطقة ولحزب الله وحليفه التيار الوطني الحر محلياً ابتدأت هجمة منظمة وكبيرة على العهد ممثلاً بالرئيس عون وعلى التيار ممثلاً بجبران باسيل وطرفاها الأساسيان هما القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وعنوانها تحميل العهد مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والنقدية والاجتماعية الحاصلة.

إن المنطق الذي انطلق منه العهد في المسألة السورية يصب في مصلحة لبنان باعتبار سوريا هي الرئة الاقتصادية لهذا البلد ومن دونها لن نحقق مصالحنا الاقتصادية في تجارة الترانزيت ومشاركتنا مستقبلاً في فرصة مهمة في إعادة بناء سوريا.

بل إن قرار فتح الباب أمام إعادة العلاقة مع سوريا إلى طبيعتها هو رد فعل طبيعي على الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها العرب.

بناءً لما تقدم سجلت عدة ردود فعل:

أ‌- لم يقم سعد الحريري باتخاذ الموقف المطلوب منه أمريكياً وخليجياً بالهجوم على كلام باسيل والرئيس عون، بل اكتفى بالقول إن زيارة باسيل لسوريا شأن حزبي وشخصي وعن مواقفه في الجامعة العربية قال إنها ليست واردة في البيان الوزاري، وهذا الموقف لم يعجب الاشتراكي والقوات وقطعاً لم يعجب أمريكا والسعودية والإمارات.

ب‌- أمام الأزمة الاقتصادية المتردية وتلافياً لانعكاسات هذين الموقفين قام أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله  بإجراء لقاءات مطولة مع وزير الخارجية جبران باسيل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية لتظهر أن حزب الله لن يترك العهد وحده أمام هجمة منظمة يظهر أنه بدأ الإعداد لها، وقد نبه سماحته إلى أنه صحيح أن القرارات الدولية لا تريد أن تذهب بالبلد إلى الانهيار لأنها تعتقد أن المستفيد سيكون حزب الله وبالتالي لن يكون الانهيار خارجياً إلا أن سعي البعض اللاهث وراء السلطة سيعمل على الوصول إلى الانهيار في الداخل وقد ظهرت مؤشرات على حراك يجري الإعداد له.

ج- يدرك حزب الله ونحن معه كما كل مراقب منصف أن الأمور وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم لا بسبب هذا العهد إنما بسبب مسار امتد على مدى ثلاثين عاماً ولكن يتحمل العهد مسؤولية أنه لم يغير الواقع بما يتناسب مع طروحات الإصلاح والتغيير لا نعني بذلك أنه لم يطرحها بل إنه لم يقم بإعداد الخطط العملية واستعداد القرارات التي تؤدي لذلك، فهو لم يعمل على دعم وإحياء القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، ولم يقم بإعداد خطط تحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي.

د‌- سجل في هذا الإطار ما أعلنه سفير روسيا في لبنان ألكسندر زاسبيكين عن أن هناك خطة أمريكية لإحداث الفوضى في لبنان والفوضى كما يريدها الأمريكيون هدفها ضرب حزب الله في لبنان ومن خلفه خصوم أمريكا في المنطقة.

أمام هذه الوقائع ما الذي حصل على الأرض؟

أولاً: ابتدأ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بإطلاق الشرارة الأولى لتحريك الشارع بالاتجاه الذي وصل إليه من خلال قراراته التي أدت إلى اختفاء الدولار من السوق وتهديد المواطن بلقمة عيشه القمح والسلعة الأساسية البنزين، وقام بمنع المصارف من إجراء تحويلات من اللبناني إلى الدولار ما جعل هناك سعرين للدولار، واحد في نشرة مصرف لبنان والثاني عند الصرّافين الذي خضع لميزان العرض والطلب ووصل بعض الأحيان إلى 2000 ليرة مقابل الدولار الواحد.

ثانياً: جاءت الحرائق التي هناك شك كبير أنها مفتعلة ولم تقم الأجهزة الأمنية إلى اليوم بإخبارنا عن نتيجة تحقيقاتها هذه وبدأت معلومات تتسرب عن أن هناك عملاء في الداخل افتعلوا هذه الحرائق وأخرى أن مجموعة من المسّيرات أطلقها الكيان الصهيوني أدت إلى هذه الحرائق ليزداد غضب المواطنين على دولة لم تقدم لهم شيئاً، وليتساءل المواطن أين هي الطوافات التي اشتريت لإطفاء الحرائق ليتبين أنها معطلة ولم تقم الدولة بإصلاحها فضلاً عن إمكانية وجود فساد في شرائها أصلاً.

ثالثاً: القشة التي قصمت ظهر البعير هي إعلان وزير الاتصالات محمد شقير عن الرسم على مخابرات الـ "واتس أب" وليُكْتَشَف لاحقاً أن هذا الأمر كان اقتراحاً من أحد وزراء القوات وإن كان هو بنفسه قد قام بفضيحة مماثلة سابقاً تتعلق بشراء مبنى أحد شركتي الخليوي.

إننا عندما ننظر إلى هذه الأمور ونضيف عليها أمور أخرى أعلن عنها على الشكل التالي:

أ‌- الإعلان عن غرفة عمليات في سفارة الإمارات العربية المتحدة لمواكبة الأحداث، فما دخل سفارة أجنبية في غرفة عمليات وما هي المهام الموكلة إليها؟!!

ب‌- الإعلان عن إجلاء الرعايا السعوديين وإجلائهم فجراً ما يدل على أن لديهم معلومات أو أنهم مساهمون في فوضى ستحصل لاحقاً.

ج- كلام الولايات المتحدة الأمريكية عن الطلب من لبنان القيام بإجراءات تؤدي إلى ضخ مليارات من الدولارات إلى لبنان فما هي الإجراءات التي تجعل من هذه الدولة المعادية للمقاومة تسمح بإرسال هذه المبالغ سوى التضييق على المقاومة وحصارها؟!!

د- استمرار المصارف بالإضراب كي تكون أداة في تعميق الأزمة وكي تنتجها من جديد عند إعادة فتحها نتيجة التهافت عليها.

ه- تحويل أهداف الحراك من المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية لمصلحة المحور الصهيو/أمريكي من قبيل نزع سلاح المقاومة أو إدخال لبنان تحت الفصل السابع من قبل مجلس الأمن الدولي.

و- مع تقديم ورقة إصلاحية مقبولة إلى حد ما - مع اعتراضنا على بعضها من قبيل الخصخصة وحصر الضريبة على المصارف بسنة واحدة وأمور أخرى - استمر التحريض لاستمرار الحراك لأن المطلوب الأوضح لهذا الحراك لم يتحقق وهو حصار المقاومة والضغط عليها.

ز- اعتماد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي دفعت لها الملايين من الدولارات سابقاً وهي تشويه صورة رموز المقاومة وعلى رأسهم أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله بتسويته بالفاسدين والسارقين الأمر الذي يؤدي إلى إصابة هدفين بحجر واحد وهو أولاً الإساءة إلى رمزية هذا القائد الكبير، وثانياً إدخال البلد في آتون حرب أهلية.

كل ذلك يجعلنا نقول إن الوعي يفرض علينا طرح الأمر من منظار واقعي متفهم لمعاناة الجماهير ولمخططات الأعداء وذلك من خلال:

1- إعطاء فرصة للحكومة كي تنفذ ورقتها الإصلاحية مع البقاء في الساحات دون قطع الطرقات لنعود ونطور الحراك فيما لو أخلت الدولة بما وعدت به.

2- الدخول في نقاشات واعية بين المتظاهرين لإنتاج برنامج إصلاحي شامل وقيادة منتخبة تتولى إدارة الحراك والحوار مع العهد ممثلاً بشخص فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والحكومة.

3- الإعلان وبشكل واضح عن أن الهدف من وراء هذا الحراك هو الوصول للقضايا المطلبية وأن لا مطالب أخرى ذات طابع سياسي تستهدف فريق سياسي وبالأخص المقاومة.

4- البدء بمحاكمات واضحة وعلنية لكل متهم بالفساد مع قانون يصدر عن مجلس النواب يؤكد أن لا حصانة على أحد فيما يتعلق بسرقة المال العام، واستعادة الأموال المنهوبة والوقوف بوجه أي تغطية مذهبية أو طائفية للمرتكبين الذين لا يمثلون الدين أو المذهب بل هم لصوص يستحقون العقاب العادل.

5- إلزام حاكم مصرف لبنان بإعادة التحكم بسعر الدولار مع توحيده بين المصارف والصرافين وإذا لم يذعن فليطلب من الحاكم الاستقالة أو إقالته من منصبه، وفتح ملفات القروض التي قدمها مصرف لبنان وكذلك المساهمات والدعم والمحاسبة على أساسها.

الشيخ الدكتور حسان محمود عبد الله*

رئيس الهيئة الإدارية في تجمع العلماء المسلمين*

إخترنا لكم من العدد